فهرس الكتاب

الصفحة 3195 من 5777

شيخ تمناها

العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة

القتال والجهاد, جرائم وحوادث

عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي

عنيزة

جامع السلام

1-تمني الشهادة. 2- استشهاد الشيخ أحمد ياسين رحمه الله تعالى. 3- ما أنجزه الشيخ بموته. 4- سنة فقد العظماء واستخلافهم. 5- فضل الشهادة. 6- تمني السلف للشهادة. 7- شعيرة الجهاد. 8- تشويه أعداء الإسلام للجهاد. 9- مفاسد ترك الجهاد. 10- لغة التخاذل. 11- رسالة للعلماء وقادة الفكر والرأي. 12- رسالة لشباب الإسلام. 13- وجوب نصرة إخواننا في فلسطين.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى وتوبوا إليه.

ياسين إن قتلوك في غدر فكم قتلوا نبيا في نهار دامي

ياسين يا لحنًا تضوّع بالفدا يا قصة للعزم والإقدام

في همة علوية لم يثنها ضعف الأشل ولا لظى الآلام

فلئن نحلت فكم جسوم انحمت وعقولها عار على الأجسام

ولئن شللت فقد شللت زعيمةً عملا فيها قزم من الأقزام

في صوتك المبحوح صدق عزيمة أقوى من الآلات والأنعام

وصرخت يا قوم السلام خديعة يا قوم ليس سلامهم بسلام

الحق يذهب في عوالمنا سدى ما لم يحط بصرامة الصمصام

أيها المسلمون، دعا عمر بن الحطاب رضي الله عنه في شهر وفاته الذي طعن فيه: (اللهم قد كبرت سني، وضعفت قوتي،، فارزقني شهادة في سبيلك واجعلها في بلد نبيك) . وهكذا ياسين الذي نال الأمنية التي تمناها ووصل غاية الطريق التي سار فيها. لقي الله وهو في ذمته بإذن الله بعد أن صلى الفجر يوم الاثنين في جماعة، بعد أن عاش عمره مجاهدا، وسجن مرتين، وضيق عليه بالحصار والإيذاء، فما زاده ذلك إلا قوة وبذلا. ورحلت ـ يا بطلنا ـ كما يحلّق الأبطال، جسدك مات من زمن، وروحك في رأسك كانت تفاوض للمغادرة، فوداعا ـ يا أحمد ياسين ـ كما ودّعنا من قبلك فلسطين. كيف استطعت ـ يا ياسين ـ بكرسي الإعاقة المتحرك أن تخرج كثيرا من الكراسي الصحيحة لكنها قعيدة الحركة؟! كيف استطعت وأنت الشيخ المعاق أن توقظ الأمة وكثير منا صحاح الأبدان قعيدو الهمة؟! قضيتَ عمرَك برغم شللك، تبني في النفوس عزيمة المواجهة للعدو وقوة الصبر على المدافعة، فأعليت ذلك البناء بروعة استشهادك، نحسبك كذلك ولا نزكي على الله أحدا.

أيها المسلمون، إنّ جهاد الشيخ ياسين طوال عمره وبرغم إعاقته رسالة إلى أولئك الذين يظنون بجيوشهم الاستعراضية وأجسامهم الصحيحة أنهم بمفاوضتهم أو مؤتمراتهم أو مصافحتهم ومدّ أيديهم للصهاينة والصليبين يحققون شيئا أو نصرا موهوما لزعامتهم، ناسين أو متناسين مبدأ عداوة اليهود وغدرهم الثابت بالقرآن، وظنوا أن مبادئ التعايش السلمي وخيار السلام يمكن لها أن تقوم أمام هؤلاء الصهاينة.

إن جنازة الشيخ ياسين سوف تصنع بإذن الله ما لا تصنعه بلاغة الكلام وإطناب العبارة بإعداد شباب يتربون في مثل هذه الأحداث لمواجهة الصهاينة وإخراجهم من الأرض المقدسة، وليس ذلك على الله بعزيز. إن جنازة الشيخ ياسين تعطينا درسا تربويا عظيما؛ كيف أن القوة الحقيقية في الإرادة والعزيمة والتصميم، كيف أن معاقا مشلول الأطراف جعل دولة يهودية تقف أمامه وتدخل معه معركة تليق برجس يهود، معركة تجعل رأيهم يسهر متابعا لتنفيذها، متفضحًا عريهم الأخلاقي، هم وزعيمتهم الكبرى أمريكا.

إنه موت الشيخ ياسين دلالة على أن أصحاب العزائم القوية هم أصحاب الأيدي المتوضّئة والقلوب المؤمنة، فهم الذين يتذوّقون لذة الجهاد، وكما يحركهم الإيمان للخروج لصلاة الفجر جماعة فإن الشوق يدفعهم للتضحية والفداء، فالذين يجيبون"حي على الجهاد"هم الذين يجيبون"حي على الصلاة". كما أثبت فقدُ الناس له ورثاؤهم على كافة طوائفهم واتجاهاتهم أن الإسلام هو الخيار الوحيد للمقاومة، كما بينه إفلاس غيره من شعارات شعبية أو اشتراكية أو وطنية لم يستفد أحد منها، ولعل في استشهاد الشيخ ياسين بإذن الله إحياء لمبدأ الجهاد في الأمة الذي خمد في كثير من النفوس، ودفع للتشويه الذي طاله من قبل أفعال بعض الفئات حين لم يطبقوه جيدا أو الهجمات الصليبية عليه وعلى أهله وجمعيات الخير الداعمة له، وإحياء لمبدأ الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين من صهاينة وصليبيين الذين هم أولياء بعض كما وصفهم الله.

نتحدث عنك ـ يا ياسين ـ لكي تذكرنا معاني الجهاد الذي ضعف فينا وسمات الشهادة التي خفت علينا، نتذكرك في فلسطين وخطّاب قبلك في الشيشان والمجاهدون الصادقون من قادة الأمة الأبرار وسلفها الأخيار.

فتعالوا بنا ـ إخوتي ـ إلى وقفات نستلهم منها ما يعالج حاضرنا ويصلح مستقبلنا بإذن الله، ومن المهم في مثل هذه الأزمات أن نلتزم فيها بثوابت الكتاب والسنة في التعامل معها والانطلاق منهما.

أيها الإخوة المؤمنون، إن من سنن الله الماضية أن الأمة تفقد في كل فترة من فتراتها أحد عظمائها وبعض رموزها وقادتها. إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب، فكم فقدت الأمة من عالم، وكم فقدت من داعية ومجاهد، وكم فقدت من قائد عسكري، لكن هل توقفت المسيرة؟! إن أمتنا أمة ولود، كالغيث لا تدري الخير في أولها وفي أخرها، إذا مات عالم عوض الله الأمة بعالم، وإذا مات قائد مجاهد عوض الله الأمة بمجاهد مثله، هذا ما ينبغي أن نؤمن به.

أيها المسلمون، لا يدخل لقلوبكم اليأس إذا سمعتم بوفاة رمزٍ كهذا الرمز في الأمة، لقد توفي الأئمة الأربعة وابن تيمية رحمهم الله، فهل توقف العلم وانتهت الدروس والحلق؟! لا، وإنما جاء مِن بعدهم مَن حمل الراية وأكمل المسيرة المباركة، واستمر الخير في الأمة.

لقد توفي سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه، فهل توقف الجهاد وانتهى زمن التضحيات في ساحات المعارك؟! لا، لقد عوّض الله جل وتعالى هذه الأمة بعده على مدار تاريخها بسيوف أقضّت مضاجع الكفار، وزلزلت عروش الطغاة والجبابرة، وحقق الله على أيديهم انتصارات كبرى.

أيها المسلمون، لقد أريقت دماء طاهرة على ربى حطين وفلسطين وعلى جبال قندهار وفي أودية البوسنة وعلى مرتفعات طاجكستان وفي أراضي الشيشان، ولا تزال قوافل من جنود الله عز وجل تنتظر الحصول على وسام الشهادة في سبيل الله، قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة:52] .

إنها الشهادة التي تمنى رسول الله أن يغزو ثم يقتل ثم يغزو فيقتل كما أخرجه البخاري ومسلم. إنها الشهادة التي ينبغي ترسيخ مفهومها في القلوب وبعثها في النفوس وبيان فضائلها وإن كنا لا نحكم لأحد بالشهادة، فذاك علمه عند الله، لكنها أمنية نتمناها لأنفسنا وأحبابنا، عن مروان أنه قال: سألنا عبد الله بن عباس عن هذه الآية: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169] فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله فقال: (( أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ) )الحديث أخرجه مسلم في صحيحة، ومنها أن للشهيد عند ربه ست خصال كما في حديث المقدام بن معديكرب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله: (( للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعه من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوته منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه ـ وفي لفظ: ـ من أهل بيته ) )أخرجه الترمذي بإسناد صحيح، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله: (( ما يجد الشهيد من مسّ القتل إلا كما يجد أحدكم من مسّ القرصة ) )رواه الترمذي وصححه.

ومنها أن دار الشهداء في الجنة أحسن الدور وأفضلها، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله: (( رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل، لم أر قط أحسن منها قالا لي: أما هذه فدار الشهداء ) )، وأخرج الشيخان في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: جيء بأبي إلى النبي ـ أي: شهيدا يوم أحد ـ قد مثِّل به، فوضِع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع النبي صوتَ صائحة فقال: (( لم تبكين؟ فلا تبكي، فوالله ما زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها ) )، نسأل الله من واسع فضله.

ولذلك كان الشهيد وحده من أهل الجنة الذي يحبّ أن يرجع إلى الدنيا، كما في حديث أنس رضي الله عنه أن النبي قال: (( ما أحد يدخل الجنة يحبّ أن يرجع إلى الدنيا وأن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة ) )، وفي رواية: (( لما يرى من فضل الشهادة ) )أخرجه البخاري ومسلم.

ولذلك الفضل العظيم رأينا صحابة رسول الله يتسابقون إليها حتى قال عمير بن الحمام في بدر بعد أن ذكر رسول الله الجنة التي تنتظر الشهيد، فقال عمير بن الحمام: يا رسول الله، إلى جنة عرضها السموات والأرض؟! قال: (( نعم ) )، قال: بخ بخ، قال: (( ما يحملك على قول بخ بخ؟ ) )قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، فقال: (( فإنك من أهلها ) )، فأخرج تمرات معه فجعل يأكل منهن ثم قال: إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل رضي الله عنه.

وهذا حرام بن ملحان رضي الله عنه أحد القراء الذين بعث رسول الله يدعون قوما من المشركين إلى الإسلام ويقرؤون عليهم القران، فغدرت بهم رعل وذكوان من قبائل العرب وقتلوهم، وعند الاستشهاد قال في وجه قاتله: فُزت وربّ الكعبة، وأدبر قاتله من المشركين بعد إسلامه، وسأل عن معنى ذلك فقيل له: إنه قصد الشهادة، فكانت سببا في إسلام هذا القاتل. أخرج هذه القصة البخاري في صحيحه.

وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرينّ الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني أصحابه ـ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المشركين ـ، ثم تقدم واستقبله سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة وربّ النضر، إني لأجد ريحها دون أحد، قال سعد: فما استطعتُ ـ يا رسول ـ ما صنع، قال أنس: ووجدنا به بضعا وثمانين ما بين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وجيء به وقد مثل به، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. أخرجه البخاري ومسلم.

وأخرج النسائي في سننه بإسناد صحيح أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي بعض أصحابه، فلما كانت غزاة غنم النبي ، فقسم وقسم للأعرابي، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان الأعرابي يرعى ظهرهم ـ يعني إبلهم وما يركبون من دواب ـ، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي ، فأخذه فجاء به إلى النبي فقال: ما هذا؟ قال: (( قسمته لك ) )، قال الأعرابي: ما على هذا اتبعك، ولكن اتبعتك على أن أرمَى ها هنا ـ وأشار إلى حلقه ـ بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال النبي: (( إن تصدقِ الله يصدقك ) )، فلبثوا قليلا ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأتي به النبي يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي: (( أهو هو؟ ) )قالوا: نعم، قال: (( صدق الله فصدقه ) )، ثم كفنه النبي في جبته، ثم قدمه فصلى عليه، وكان مما ظهر من صلاته: (( اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا، أنا شهيد على ذلك ) ). وأيّ شهادة ـ يا عبد الله ـ أرفع وأسمى وأصدق وأخلص من هذه الشهادة الكريمة العظيمة؟! وكم في حياة السلف ـ أيها الإخوة ـ من صور هذا الحبّ العاطر والشوق الظامئ إلى الظفر بمقام الشهادة.

وها نحن اليوم نرى بأم أعيننا ويرى العالم كلّه معنا هذه الصور العظيمة المتجدّدة من صور الانتفاضة والشهادة إن شاء الله على أرض بيت المقدس وعلى كلّ أرض فلسطين المسلمة الصابرة.

إننا في حاجة ـ يا عبد الله ـ إلى مواقف وصور تحيي في ضمير الأمة معاني الشهادة، وتبعث في روحها حبّ الاستشهاد من جديد، سيرا على درب السلف رضوان الله عليهم، ذلك الدرب الذي سلكه من قبلهم رسول الله والأنبياء من قبله، نصرًا لدين الله ودحرا لأعداء الله. وإذا كان في الأمة من يجيد أن يموت في سبيل الله فلا بد أن نرى في أمتنا من يعرفون أن يحيوا في سبيل الله ولدين الله. اللهم إنا نسألك أن تنزلنا منازل الشهداء الأبرار.

كذلك من الوقفات المهمة مع هذا الحدث أنه يذكرنا مبدأ الجهاد الذي لا بد أن نذكّر به ونحييه في مثل هذه الأزمات.

عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى فرض الجهاد على المسلمين وجعله ذروة سنام هذا الدين، ناشر لوائه، وحامي حماه، بل لا قيام لهذا الدين في الأرض إلا به كما قام أول مرة تحت ظلال السيوف، به نال المسلمون العز والتمكين في الأرض، وبسبب تعطيله حصل للمسلمين الذل والهوان والصغار، واستولى علينا الكفار، بل تداعت علينا أرذل أمم الأرض كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، وأصبحنا مع كثرتنا غثاء كغثاء السيل، نزع الله المهابة من قلوب أعدائنا ووضعها في قلوبنا، وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا، ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى بمقاتلة المشركين كافة فقال في محكم كتابه: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة:36] ، وحثّ المؤمنين على القتال وحذرهم من التقاعس عن الجهاد والركون إلى الدنيا الفانية فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة:39] ، وقد حثّ الإسلام على الغزو في سبيل الله حتى جعل أجر من جهز غازيا أو خلفه في أهله كأجر الغازي في سبيل الله، فعن زيد بن خالد رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا ) )متفق عليه.

والجهاد ماض في هذه الأمة إلى يوم القيامة، لا أحد يستطيع إيقافه، فعن ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله: (( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ) )متفق عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: (( رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) )، و (( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ) )رواه البخاري، وقوله: (( ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار ) )، و (( رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل ) )، و (( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه أجري عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتن ) )، وعند البخاري أن رجلا قال: يا رسول الله، دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: (( لا أجده ) )ثم قال: (( هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ ) )فقال: ومن يستطع ذلك؟!

والجهاد ـ معاشر الأحبة ـ باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة ومن صلاة التطوع وصوم التطوع.

أيها المسلمون، لقد وصل المسلمون في الأزمنة الحاضرة إلى مرحلة فاصلة، وعطِّلت كثير من أحكام الإسلام ومفاهيمه، وأجبر الناس جبرا على العيش في ظل مفاهيم غريبة عن عقيدتهم ودينهم، وأصبح الجهاد بمعناه الشرعي بعيدا عن أفكارهم وتوجهاتهم، وكلّ ذلك يهون ويمكن معالجته عند إدراكهم لحقيقة دينهم وحقيقة واقعهم، لكن المصيبة هي الرضا عن هذا الواقع المؤلم والاحتجاج له بالحجج الواهية المقدمة في ثياب شرعية زائفة.

إن الجهاد هو بذل لكل ما يمكن من الجهود في سبيل الله ومدافعة أعداء الله وأعداء رسوله، بكل ما يستطاع من القوة؛ قوة البدن وقوة السلاح وقوة المال وقوة العلم والمعرفة، على هذا استقرّ الإسلام يوم استقر، وبعيدا عن هذا الفهم الجامع لمعنى الجهاد نزلت بنا الكوارث وفعلت بنا الأفاعيل.

أيها المسلمون، ليس شيء من شعائر الإسلام يثير رعب أعداء الملة وخصوم الشريعة مثل الجهاد، وليس أمر حرص المستعمرون وأذنابهم على تشويهه وتفريغ قلوب وعقول المسلمين منه مثل كلمة الجهاد، إنها أوضحت خطرا يرى فيه الأعداء تهديدا لهم، فبذلوا جهدهم في تحريف مفهومه وحذف مناهجه لدى المسلمين الذين قبلوا هذا الضعف والمذلة. وكان ينبغي لهم أن يعلموا بأن ترك الجهاد علامة على النفاق كما جاء عن المصطفى أنه قال: (( من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق ) ).

إن ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] ، قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا ـ معشر الأنصار ـ نجيًّا فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهم فنزل فينا: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد.

إن ترك الجهاد سبب للذل والهوان كما قال سيد المجاهدين: (( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) ). إن ترك الجهاد سبب للبلاء والضنك وسبب عذاب من الله، قال تعالى: إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة:39] . إن ترك الجهاد سبب للفساد في الأرض وإفساد أهلها بالقضاء على دينهم، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251] ، فلولا أن الله يدفع الكافرين بجهاد المؤمنين ويكبت الكفار ويذلهم لأفسدوا على الناس دينهم، ولولا أن الله يدفع شبه المبطلين والمخالفين من أهل البدع وأهل الشهوات بجهاد العلماء والدعاة الذين يردون عليهم بالحجة والبيان لأفسدوا السنة، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73] .

إن ترك الجهاد يفوّت مصالح عظيمة للمسلمين، منها الأجر والثواب والشهادة في سبيل والمغنم والتربية الإيمانية التي لا تحصل بدون الجهاد ودفع شر الكفار وإذلالهم ورفع شأن المسلمين وإعزازهم وإدخال أناس في الإسلام.

أيها المسلمون، إذا كان تارك الجهاد يصاب بهذه الأمور في الدنيا والآخرة فكيف بمن يقف ضدّ الجهاد ويحاربه ويؤذي المجاهدين، أو بمن يشوه هذا المبدأ العظيم ويحاول تحريفه أو إلغاءه؟!

إن مواجهة الكفار وقتالهم حتم لا بد منه ما دام أن هناك إسلام وكفر في هذه الأرض، فإن حتمية المواجهة لا بد منها، ولهذا ينبغي أن نعلم بأن قتال الكفار أصل في دين الإسلام لا يمكن أن يتغير بتغير الزمان، وعليه فإن مصطلح التعايش السلمي أو مصطلح السلام العادل والشامل مصطلح كاذب يخالف شريعة رب العالمين.

فوا عجبا، كيف أن ذروة السنام قد درست آثاره فلا ترى، وطمست أنواره بين الورى، وأعتم ليله بعد أن كان مقمرا، وأظلم نهاره بعد أن كان نيّرا، وذوى غصنه بعد أن كان مورقا، وانطفأ حسنه بعد أن كان مشرقا، وقفلت أبوابه فلا تطرق، وأهملت أسبابه فلا ترمق، وصفدت خيوله فلا تركض، وربطت أسوده فلا تنهض، وامتدت أيدي الكفرة الأذلاء إلى المسلمين فلا تقبض، وأغمدت السيوف بعيدا عن أعداء المسلمين إخلادا إلى حياة الدعة والأمان، وخرس لسان النفير إليهم فصاح نفيرهم في أهل الإيمان، ونامت عروس الشهادة إذ عدمت الخاطِبين، وأهمل الناس الجهاد كأنهم ليسوا به مخاطَبين، فلا نجد إلا من طوى بساط نشاطه عنه، أو تركه جزعا من الموت وهلعا، أو جهل ما فيه من الثواب الجزيل ورضي بالحياة الدنيا من الآخرة، وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. فنسأل الله جل وتعالى أن يقيم علم الجهاد وأن ينشر رايته على البلاد ويقمع أهل الشرك والزيغ والعناد.

بارك الله لي ولكم...

أما بعد: فاتقوا الله تعالى، واعلموا أن اغتيال الشيخ أحمد ياسين ورفاقه مسؤولية عظمى على كل مسلم، وتلك المناظر الدامية في فلسطين داعية للجميع لبذل مزيد من الجهد لنصرة إخواننا هناك على هذا الاعتداء الصهيوني والإقرار الصليبي. أما التخاذل والأدوار الهزيلة فلن تحلّ قضية ولن تنفع الأمة في قليل أو أكثر.

إننا نستغرب ونحن نرى الجبن في النفوس والقلوب وفي المفاوضات على الطاولات ولدى القمم، وإننا نتوجه لزعماء الدول العربية والمسؤولية في أعناقهم بأن لا يكتفوا بالشجب والإنكار كالعادة، فقد أثبت ذلك أنه لا يحل قضية ولا يحرر مقدسات، وما زلنا من احتلال إلى هزيمة ومن نكبة إلى نكسة، والله المستعان على حال من الضعف والتصرفات التي يبحث أصحابها عن مصالحهم الشخصية، في إهمال واضحٍ للقضية، فنسأل الله جل وعلا أن يوفقهم للأخذ بعزائم الأمور في قمتهم القادمة، إنه على كل شيء قدير.

كما أنها رسالة إلى أهل العلم والعلماء وقادة الفكر والرأي في أن يجردوا أقلامهم ويبسطوا ألسنتهم في إحياء القضية ومعاني الجهاد والاستشهاد، فلا ينبغي لهم أن يتخذوا مكانا قصيا في الأمة أو أن ينشغلوا عن قضايا المسلمين بأمور أقل أهمية، فإن في رقاب العلماء والمفكرين ذمة عظمى في توضيح الحقّ للناس، والله سيسألهم عن ذلك عن ذلك. فأين أنتم من سلاح الدعاء على أعدائكم ولنصرة قضاياكم؟!

أما أنتم أيها المسلمون، فاعلموا أن أولى الهزائم هزيمة الإيمان في القلوب والجدب في المثل والأخلاق، ضعف في الإيمان حين ترى البعد عن الدين وقلّة في المثل والأخلاق، حين ترى التلهّي بالأباطيل والأمة ينتهك عرضها وتحتلّ أرضها، يغتال قادتها وشيوخها. أين أنتم ـ أيها الأغنياء وأصحاب الأموال ـ من دعم قضية فلسطين؟! وهو أقل واجب النصرة، وهو من الجهاد الذي كرمه الله في القرآن على الجهاد بالنفس، لا سيما وأن الجمعيات يستقبلون دعمكم لهم، فأين بذلكم؟!

أين أنتم ـ يا شباب الأمة ـ الذين تغافلوا عن قضايا أمتهم على كراسي المدرجات وفي متابعة القنوات وحضور الحفلات، في وضعٍ بائس، وكأنهم يرقصون على جراح الأمة؟! ألا تخجلون ـ شباب الأمة ـ وأنتم ترَون شبابَ وأطفال فلسطين وهم بعزائم الأبطال وهِمم الرجال لا يملكون إلا الحجارة، يقاومون بها اليهود؟! فهل تقدّرون قوة الشباب ونعمة المال التي حباكم الله إياها لتسخروها في نصرة قضاياكم؟! أما إعلاننا وقنواتنا فهو الحديث الذي يدمي القلب حين نرى غالبها مسخّرا لإفساد وضياع شبابها، متناسية لقضاياها، ولعل وقفة معها الأسبوع القادم.

أيها المسلمون، إن المأساة أليمة والخطب جسيم، لكن ما يحدث مسؤولية على من رآه وعلم به، ونحن مسؤولون عن مناظر القتل المتكررة لإخواننا في فلسطين، ولنحذر من الخذلان، قال رسول الله: (( ما من مسلم يخذل امرئا مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته ) ).

فالنصرة النصرة لإخوانكم في فلسطين، فذلك متعين على الجميع.

رحم الله الشيخ المجاهد أحمد ياسين الذي سالت دماؤه لتكون وقودا في الشراين، ومات ليكون موته حياة لأمته وقضيته بأذن الله:

يا أحمد الياسين إن ودعتنا فلقد تركت الصدق والإيمانا

أنا إن بكيت فإنما أبكي على مليارنا لما غدوا قطعانا

أبكي على هذا الشتات لأمتي أبكي الخلاف المرّ والأضغانا

أبكي ولي أمل كبير أن أرى في أمتي من يكسر الأوثانا

يا فارس الكرسي وجهك لم يكن إلا ربيعا بالهدى مزدانا

في شعر لحيتك الكريمة صورة للفجر حين يبشر الأكوانا

ستظل نجما في سماء جهادنا يا مقعدا جعل العدو جبانا

أما أنتِ ـ يا فلسطين ـ فصبرا، فكم من ياسين وياسين، فكل يوم يزداد فيك الأنين من أمة خضعت لذل الغاصبين، أمة لبست لباس الخائفين، وأهملت بينها الصادقين، ولم تبذل لربها ودينها ما يجلب النصر والتمكين.

أيها المسلمون، دعوات اصدقوا فيها بقلوبكم والهجوا بها بألسنتكم، فإنكم تدعون ربا قريبا مجيبا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت