فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
فضائل الأعمال, قضايا دعوية
محمد بن عبد الله السبيل
مكة المكرمة
المسجد الحرام
1-الحث على التمسك بالكتاب والسنة. 2- أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله. 3- التحذير من إصدار الفتاوى والأحكام دون علم شرعي. 4- أهمية تطبيق الشريعة في حياة المجتمعات. 5- الترغيب في الاستمرار على الأعمال الصالحة بعد رمضان. 6- الحث على صيام الست من شوال.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الحمد لله العلي الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، له ملك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، على العرش استوى, وعلى الملك استولى, وقد وسع كل شيء رحمة وعلمًا، كتب علينا الصيام، وسن رسوله لنا القيام، وشرع الأعياد في الإسلام، وأجزل لنا فيها العطاء وأنال المنى.
أحمده سبحانه، وبحمده يلهج من في الأرض والسماء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عالم السر والنجوى، وإليه المآب والرجعى، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى كلمة التقوى، أفضل من صام وتهجد، وأتقى من أناب وتعبد، وأخلص من دعا إلى الله فما ولَّى ولا تردد، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة حتى لحق بالرفيق الأعلى، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد ما هل هلال وأضا، وما هطل غيث على سهل أو ربا، وعلى آله وصحبه أئمة العلم والهدى، ومصابيح الظلام والدجى، ما تعاقبت الدهور، وتكررت الأعياد والشهور، صلاة وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم البعث والنشور.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واشكروه على نعمه الوافرة ومننه المتكاثرة، ألا إن يومكم هذا يوم شهيد، فضله الله وعظمه، وجعله عيدًا سعيدًا لأهل طاعته، يفيض عليهم فيه من جوده وكرمه، فاشكروه على إكمال عدة الصيام، واذكروه وكبروه على ما هداكم وحباكم من نعمة الإسلام، واعبدوه حق عبادته، واتقوه حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، أفردوه بالعبادة فإنه خلقكم لها كما قال عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] .
يجب علينا لله غاية الذل والخنوع له وكمال المحبة والإنابة والإقبال عليه والإعراض عن كل ما سواه وتعلق القلب به وإخلاص العمل له وحده، واحذروا ـ عباد الله ـ من التعلق بغيره في جلب نفع أو دفع ضر، فغيره سبحانه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَو?ةً وَلاَ نُشُورًا [الفرقان:3] ، فالله هو القادر على كل شيء، وبيده كل شيء، ذَلِكُمُ ?للَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ?لْمُلْكُ وَ?لَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ?سْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13، 14] .
عباد الله، تمسكوا بكتاب ربكم تفلحوا، واعملوا بسنة نبيكم تهتدوا، وحافظوا على الصلاة فإنها عماد الدين، وهي صلة بين العبد وبين ربه، من حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم فإنها من أركان دينكم، وصوموا شهركم، وحجوا بيت ربكم، وعليكم ببر الوالدين فإنه أعظم الحقوق بعد حق الله وحق رسوله ، وعليكم بصلة الأرحام والإحسان إلى الفقراء والأيتام، وتضرعوا بالصبر على أقدار الله تفوزوا بالمواهب الجسام، واجتنبوا الربا، واحذروا من بخس المكاييل والموازين والمقاييس والغش والخداع في المعاملات، ووقروا اليمين بالله في الخصومات، فقد قال: (( من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه لقي الله وهو عليه غضبان ) ) [1] ، وإياكم والإفك والبهتان وشهادة الزور، واحذروا من الكبر والخيلاء والفخر والازدراء، وعليكم بالتواضع وخفض الجناح والتواصل والتوادد والتراحم وعدم التقاطع.
عباد الله، اشكروا ربكم على نعمة الإسلام، وتمسكوا بدينكم، وافرحوا به، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] .
وأحبوا في الله وأبغضوا في الله؛ فقد جاء عنه أنه قال: (( أوثق عرى الإيمان أن تحبّ في الله وتبغض في الله ) ).
وادعوا إلى الله على بصيرة؛ فإن الدعوة إلى الله على بصيرة من هديه وطريقته ممتثلًا أمر ربه سبحانه بقوله: قُلْ هَـ?ذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى? ?للَّهِ عَلَى? بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ?تَّبَعَنِى وَسُبْحَانَ ?للَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ ?لْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] ، فلقد رسمت لنا هذه الآية الكريمة طريق الدعوة إلى الله بأوضح دلالة وأوجز عبارة، وسار على نهجها.
وسلك الرعيل الأول من الصحابة الكرام وتابعيهم بإحسان مسلك أنبياء الله ورسوله، يدعون إلى الله على بصيرة، يدعون إلى الله بالتي هي أحسن، يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، أعطاهم الله الحكمة في الدعوة وفي الأمر والنهي، كانوا كما وصفهم الله سبحانه: يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة:269] .
فالحكمة وضع الشيء في موضعه وبقدره بدون زيادة في التصرف أو لجوء إلى التكلف، وبدون نقص في التبصير أو جنوح إلى التقصير، فقد كانت أقوالهم وأفعالهم وتدبيراتهم تابعة للحكمة، موافقة للصواب، غير متقدمة على أوانها، ولا متأخرة عن إبانها، وبلا زيادة عما ينبغي, ولا نقص فيما يطلب، أولئك هم الرجال الكمل، وعليهم المعوَّل، وهم القدوة في كل زمان ومكان، عملوا بالحكمة في التعليم والتوجيه، يعلمون طلابهم صغار المسائل قبل كبارها، وواضحها قبل مشكلها، بحسب فهم الطالب وقدرته على استيعاب ما يلقى عليه، بعبارة سهلة واضحة مختصرة، وعملوا بالحكمة في نصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، بحسب ملاءمة الوقت والحال المناسبة للمنصوح أو المأمور، يستخدمون الرِفقَ والكلمات الطيبة التي لا تُنَفِّر ولا تجرح الشعور، في رفق وتأنٍّ كما قال بعض السلف:"على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون عليمًا فيما يأمر، عليمًا فيما ينهى، حليمًا فيما يأمر، حليمًا فيما ينهى، رفيقًا فيما يأمر، رفيقًا فيما ينهى، وإلا كان ضرره أكثر من نفعه".
وقد رسم لنا القرآن الكريم صفة الدعوة إلى الله حينما ذكر سبحانه قصة موسى مع فرعون، فإن فرعون كان أعتى أهل الأرض، يقول لقومه: أَنَاْ رَبُّكُمُ ?لأَعْلَى? [النازعات:24] ، ويقول: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـ?هٍ غَيْرِى [القصص:38] ، فلما بعث الله موسى وأخاه هارون قال الله لهما: ?ذْهَبَا إِلَى? فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى? فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى? [طه:43، 44] ، فأمرهما سبحانه بالقول اللين، وبيَّن أن ذلك أدعى للقبول، وأسهل إلى الانقياد للحق، وأبعد عن النفور، وهذا تنبيه لكل داع إلى الله أن يسلك هذا المسلك في دعوته وإرشاده.
فهكذا كانت دعوته وتعليمه وإرشاده، يتضح ذلك بما جاء عن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكل أمّاه! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟! قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصنتوني لكني سكت، فلما صلى رسول الله فسلم، فبأبي وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: (( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير والتحميد وقراءة القرآن ) )روى هذا الحديث الإمام أحمد ومسلم وغيرهما [2] .
وفي حديث أنس قال: بينما نحن في مسجد مع رسول الله إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله: مه مه، قال: فقال رسول الله: (( لا تزرموه، دعوه ) )، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله دعاه فقال: (( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر, إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن ) )، وفي حديث أبي هريرة قال: (( دعوه وأريقوا على بوله سجلًا من ماء، أو ذنوبًا من الماء؛ فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين ) )روى الحديث البخاري ومسلم وغيرهما [3] .
ثم إن هذا الأعرابي حينما خرج من المسجد وركب بعيره قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا.
عباد الله، هذه طريقته في تعليمه ونصحه وإرشاده ودعوته وأمره ونهيه، وخير الهدي هدي محمد ، فاتبعوا هديه، واسلكوا نهجه، واعملوا بتوجيهاته، واتصفوا بها في جميع شؤونكم، واحذروا من التكلف والغلو أو التنطع في الدين؛ فقد جاء عنه قوله: (( ألا هلك المتنطعون ) )قالها ثلاثًا [4] .
وإياكم والتكلف والدخول في أمور لا تعني، فقد قال: (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه ) ). وإن من التكلف أن يقحم بعض الناس نفسه فيتصدى للأمر والنهي وهو لا يعرف حكم ما يأمر به ولا ما ينهى عنه، فإنه يحصل بسبب ذلك خلل في الدين واستخفاف بالعلم وأهله، وكم تظاهر أقوام بالوعظ والإرشاد ممن لا يحسن ذلك لجهله أو سوء خلقه، فهو يتصيد بعض المقالات من بعض العلماء وهو لا يدري مأخذها ولا يوقعها موقعها، وكم تطاول بعض الجاهلين ممن قلّ علمهم وأحبوا الشهرة فأنكروا أمورًا لا توجب الإنكار، وربما تكلموا في أعراض الناس لعدم ملازمتهم لبعض المستحبات التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، أو ربما كان استحبابها عند بعض العلماء دون بعض.
فربما يقع في اغتياب هؤلاء بأمور تركُها لا إثمَ فيه، وهم قد ارتكبوا بعض الكبائر باغتيابهم للناس؛ فإن الغيبة من كبائر الذنوب على الصحيح من أقوال العلماء، فأنكروا ما ليس بمنكر، وحرموا ما ليس بمحرم، وارتكبوا الإثم، وهذا من قلة العلم وغلبة الجهل، ونتج عن ذلك عداوة في الدين وتفرق واختلاف وتخطئة للعلماء, وربما تطاول بعض السفهاء فتناول بعض الأئمة رحمهم الله بالتنقص والازدراء، وكل هذا سببه قلة العلم والورع وحب الشهرة. فاتقوا الله عباد الله، واتبعوا هدي نبيكم وسلفكم الصالح.
عباد الله، إن دين الإسلام قد أكمله الله للأمة وأتم به النعمة، فتمسكوا به، واحذروا من التفريط فيه أو الإفراط, ومن الغلو والجفاء, فهو الدين الكامل الشامل لكل ما تحتاجه البشرية في دينها ومجتمعها وحل مشاكلها، وهو الذي تحصل به سعادة الدنيا والآخرة لمن تمسك به وسار على نهجه، فما تمّ عدل ولا تكامل أمن ولا سعدت أمة إلا بتطبيقه والتحاكم إليه وإقامة حدوده ونشر تعاليمه.
والكل منا يعلم ما يحصل في بعض بلاد المسلمين من التفكك بين الشعوب وقادتها وعدم الأمن واضطراب الأحوال بسبب الانحراف عن تعاليمه وعدم تطبيق شريعة الله على عباد الله، فساءت بذلك أحوالهم، وكثر الاختلاف والنزاع، لقد روي عن ابن عمر أنه قال: (( وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ) ) [5] .
وإنا نحمد الله جل شأنه على ما منَّ به على هذه البلاد من الأمن والاستقرار ورغد العيش والتحام شعبها بقادتها؛ بسبب تطبيق شريعة الله وتنفيذ أحكامها وحدودها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فانتشر بذلك العدل في ربوعها والأمن في أرجائها، وإنا نبتهل إلى الله جل شأنه أن يحفظ هذه البلاد وقائدها ويوفقه لما يحبه ويرضاه، وأن يحفظه من كيد الكائدين ومكر الماكرين وشر الحاسدين، وأن يجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها المؤمنون، استقيموا على طاعة مولاكم، ولا تعرضوا عن إلهكم بعد إقبالكم عليه في هذا الشهر الكريم، شهر الصيام والقيام، فالإله هو الرب المعبود في رمضان وفي جميع الأزمان، فاستقيموا إليه واستغفروه لعلكم ترحمون.
وتذكروا ـ عباد الله ـ بهذا الاجتماع اجتماعكم يوم العرض على الله، يوم تعرضون على من لا تخفى عليه منكم خافية، في ذلك الموقف ينقسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ?لْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّـ?تُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـ?بِ ?لْيَمِينِ فَسَلَـ?مٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـ?بِ ?لْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ?لْمُكَذّبِينَ ?لضَّالّينَ فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَـ?ذَا لَهُوَ حَقُّ ?لْيَقِينِ فَسَبّحْ بِ?سْمِ رَبّكَ ?لْعَظِيمِ [الواقعة:88-96] .
نفعني الله وإياكم بالقرآن الكريم وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه البخاري في كتاب الخصومات، باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض (2417) ، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم (138) عن ابن مسعود رضي الله عنه.
[2] مسند أحمد (5/447) ، صحيح مسلم: كتاب والمساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة (537) .
[3] صحيح البخاري: كتاب الأدب، باب: الرفق في الأمر كله (6025) ، صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب: وجوب غسل البول (285) .
[4] أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب: هلك المتنطعون (2670) عن ابن مسعود رضي الله عنه.
[5] أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب: العقوبات (4019) ، وأبو نعيم في الحلية (8/333-334) ، وصححه الحاكم (4/540) ، وهو في السلسلة الصحيحة (106) .
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الحمد لله مُعيد الجُمع والأعياد، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، أحمده سبحانه وأشكره على ترادف مننه وتكاثر نعمه، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له إله الحق المبين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، شرع الشرائع وسن الأعياد، وقرر الملة وأشاد، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله حق تقاته، واعبدوه حق عبادته، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
عباد الله، عليكم بالتخلق بأخلاق القرآن والتأدب بآداب سيد الأنام، حسنوا أخلاقكم مع إخوانكم المؤمنين، مع أقاربكم وجيرانكم؛ فما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق. حسنوا أخلاقكم مع أهليكم وأزواجكم، فقد قال: (( أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا، وخياركم خياركم لنسائهم ) ).
أيتها المرأة المسلمة، اتقي الله وحافظي على ما أوجب الله عليك في دينك وأمانتك وما استرعاك الله عليه، مُري أبناءك بالصلاة، وعوديهم على الطاعات وعلى الصدق والأمانة ومكارم الأخلاق، وحذريهم من الكذب والغيبة والنميمة وبذاءة اللسان، حافظي على كرامتك وعرضك, لا تزاحمي الرجال في الأسواق والمتاجر والمجتمعات.
أيها المؤمنون والمؤمنات، إن الله أوجب على الأمة الإسلامية التعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتناصح فيما بيننا واجب لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
وإن الفساد ـ يا عباد الله ـ إذا انتشر في الأمة عمَّ المسيء وغيره، وحلت العقوبة في الأمة كلها، وإن من أسوأ الأمور التي عم بها البلاء في كثير من بلاد الإسلام ما جلبه أعداء المسلمين لتمزيق شملهم وتفكيك أسرهم وإفساد دينهم وابتزاز أمانهم وقتل مروءتهم والفتك بأجسادهم وأرواحهم. إن هذه المخدرات بجميع أنواعها وأشكالها والخمور وسائر المحرمات أفسدت الأخلاق وكدرت الأمن وشتت الأسر ونكدت على الآباء والأمهات من جراء فساد أخلاق أبنائهم وتباعدهم عن دينهم وعن أهليهم والتفافهم على أصحاب الشر والفساد وجلساء السوء.
فيا عباد الله، إنه يجب علينا جميعًا محاربة هذه الأمور, وإنكارها والتحذير منها, وإشاعة ضررها, وتبليغ المسؤولين عن أمن هذه البلاد عما يعلمه كل فرد منا عن المروجين والمتعاطين لها لقمع الفساد والمفسدين، فإن هذا من التعاون المطلوب من كل مسلم، ومن واجب كل مؤمن, حماية لنفسه ولأبناء جنسه وقيامًا بواجبه ونصحًا لدينه وأمته.
عباد الله، اشكروا الله على ما حباكم من نعمة الأمن والاستقرار، وعلى ما هداكم ومنَّ عليكم من نعمة دين الإسلام وتحكيم شريعة الله في هذه البلاد، وعلى تواجد الخيرات والأرزاق فيها، وتذكروا ـ عباد الله ـ ببهجتكم وسروركم في هذا اليوم المبارك إخوانكم المعوزين والمضطهدين في بعض الأقطار الأخرى من إخوانكم المسلمين في أفغانستان وفي فلسطين وفي غيرهما من بعض النواحي، تعلو وجوههم الكآبة والحزن، وترجف قلوبهم من الخوف وقلة الأمن بمطاردة أعدائهم أعداء الإسلام بالقنابل المحرقة والأسلحة الفتاكة وبالاضطهاد في دينهم وحريتهم وكرامتهم، يغتصبون بلادهم وأوطانهم، وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِ?للَّهِ ?لْعَزِيزِ ?لْحَمِيدِ [البروج:8] ، وهم مع ذلك صابرون مناضلون في بسالة وتضحية، فهذا شهيد، وذاك جريح، وآخر أسير، فكم أيموا النساء، وأيتموا الأطفال، وشتتوا الأسر، وفرقوا بين الأمهات وأطفالهم.
فتذكروا إخوانكم في تلك البقاع، واشكروا الله على أمنكم واستقراركم، وإن من شكر النعم القيام بأمر الله والإحسان إلى أولئك المجاهدين والمضطهدين وإسعافهم بما تجود به نفوسكم من أموالكم ومما رزقكم الله شكرًا لله على نعمه وإعانة لإخوانكم؛ فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، والراحمون يرحمهم الرحمن، وإن الصدقة تدفع البلاء وتزيد في المال، إِن تُقْرِضُواْ ?للَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَـ?عِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَ?للَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن:17] .
عباد الله، إن نبيكم قد ندبكم لصيام ستة أيام من شوال، ففي صحيح مسلم عن أبي أيوب أن رسول الله قال: (( من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر ) ) [1] . فبادروا إلى فعل الطاعات، وتسابقوا إلى القربات.
ألا وصلوا ـ عباد الله ـ على خير البرية أجمعين ورسول رب العالمين نبي الهدى والرسول المجتبى، فقد أمركم مولاكم بذلك في محكم كتابه: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وصحابته المهاجرين منهم والأنصار، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعملون: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن العشرة المفضلين وأهل بدر والعقبة وعن أصحاب الشجرة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر المجاهدين في سبيلك الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا في كل مكان يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين وفي جميع أقطار المسلمين وفي كل موطن يضطهد فيه عبادك المؤمنون، اللهم قوِّ عزائمهم، وسدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم على الحق والهدى...
[1] صحيح مسلم: كتاب الصيام، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعًا (1164) .