الإيمان, فقه
المرضى والطب, نواقض الإيمان
عبد الله الهذيل
الرياض
فيحان
1-خطورة الإشراك بالله. 2- السحر والشعوذة من الإشراك بالله. 3- أسباب طلب الشفاء ودفع البلاء. 4- خطورة الذهاب للسحرة والمشعوذين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] .
لما نزلت هذه الآية على النبي وسمعها الصحابة رضي الله عنهم شق عليهم ذلك، وقالوا: يا رسول الله، وأيُّنا لا يظلم نفسه؟! فقال لهم رسول الله: (( ألم تسمعوا إلى قول الرجل الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ) ).
فالشرك هو أساس الخوف والفزع، وهو أساس الشقاء والغواية، فهو أعظم ظلم يرتكبه العبد؛ ولذا قاد الشرك أقوامًا كثيرةً إلى غاية الانحدار في مهالك وظلمات بعضها فوق بعض، وإن سعت إليهم دنياهم بزينتها وزخرفها وتمتعوا منها بلذائذها الحاضرة إلا أنهم في شقاء تلو شقاء، أضحى صدر الواحد منهم ضيقًا حرجًا كأنما يصعّد في السماء.
ولا أسعد من حياة الموحد لربه عز وجل، فلم يصرف العبودية لغيره، فكان له الهداية في الدنيا والأمن غدًا يوم يفزع كثيرٌ من الناس. ولله در من قال:
إن كان ربك واحدًا سبحانه فاخصصه بالتوحيد مع إحسان
أو كان ربك واحدًا أنشأك لَم يشركه إذ أنشأك ربّ ثاني
وكذاك أيضًا وحده فاعبده لا تعبد سواه يا أخا العرفان
فلِواحدٍ كن واحدًا فِي واحدٍ أعنِي سبيلَ الْحق والإيمان
هذي ثلاث مسعدات للّذي قد نالها والفضل للمنان
فإذا هي اجتمعت لنفس حرة بلغت من العليا كلَّ أمان
لله ذياك الفريق فإنَّهم خصوا بِخالصة من الرحمن
شدّت ركائبهم إلى معبودهم ورسوله يا خيبة الكسلان
أيها الأحبة في الله، ومن الناس طائفة باعوا توحيدهم، وانغمسوا في ظلمات الشرك؛ لينالوا به متاعًا زائلًا ومطلبًا فانيًا، يأكلون به أموال الناس بالباطل، ويعتدون على غيرهم بالظلم والعدوان.
وتراهم من أجل ذلك المطلب يصرفون عبادتهم للشياطين، ويقرّبون لهم القرابين، ولربما كتبوا كلام الله بالنجاسات، أو ألقوا المصحف في أماكن القاذورات. وترى النجاسة شعارهم، فهم ملابسون لها، معاشرون للكلاب، وكثيرًا ما يأوون إلى الحمامات والقمامات والمزابل.
وكثير منهم من يجلس عاريًا في الأماكن المهجورة، ويذبحون الطيور والحيوانات ذاكرين عليها اسم الشيطان أو غيره مما يرضاه لهم، ولربما خلطوا الدم بالنبيذ بمسحوق مأخوذ من حيوان ميت ثم يشربون منه ويلطخون به أجسادهم، ولربما خرج الواحد منهم في الليلة المقمرة في مكان بعيد مهجور يمجّد شيطانه، ويردد الطلاسم التي تقربه إليه. تالله إن هذا لخسران مبين، وإن غطّوا تلك الحال منهم عن أعين الناظرين، ولكن هيهات أن تخفى حالهم.
أولئك هم السحرة والمشعوذون، الذين لا يتأتى لهم ما يريدون إلا بالتنازل عن أشرف ما يملكه العبد، وهو دينه، قال تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102] ، ويقول سبحانه: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69] ، ويقول: (( اجتنبوا السبع الموبقات ) )وذكر منها: (( السحر ) ).
فالسحر والشعوذة قرينا الشرك والكفر، بل إن الساحر كلما كان أكفر وأخبث وأشد معاداة لله ورسوله ولعباده المؤمنين كان سحره أقوى وأنفذ.
أيها الأحبة في الله، وإن من الناس من يتعرضون للمصائب والبلاء، فيسعون جهدَهم في سبيل دفعها والتخلص منها، وليس عليهم في ذلك من حرج، ولكن المحذور أن تنسيهم تلك الرغبة الملحة في دفع ذلك البلاء عَرضَ تلك السبيل التي يسلكونها على الشرع: هل هي مما أباحه أو حرمه؟ فلا يبالي حينئذٍ أن تكون من الحرام، فيسعى فيها، ويغتر حين يتحقق له مراده، فيعرّض بذلك توحيده إلى الخطر.
ومن ذلك حال من يذهب إلى أولئك السحرة والمشعوذين وهم يعادون الله ورسوله؛ ليطلب منهم دفع البلاء الذي نزل به. فأين الرضا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا ورسولًا؟! وهل أغلقت أبواب الله تعالى وهو القائل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ?لدَّاعِ إِذَا دَعَانِي [البقرة:186] ، وهو القائل سبحانه: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] ؟! وهل ضاق الفضاء الفسيح مما أباحه الله وشرعه حتى يُلجأ إلى من رضي بالشيطان معبودًا وبالشرك دينًا؟!
أيها الأحبة في الله، وما من داء إلا وقد أنزل الله تعالى له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، ولم يجعل الله عز وجل شفاء العباد فيما حرمه عليهم.
فليضرب المسلم في طلب الشفاء ودفع البلاء ما يرضاه عنه ربه عز وجل، ولذلك أسباب كثيرة، منها:
1-إصلاح النفس ومحاسبتها، وهذا من أنجع الأسباب، ولكن كثيرًا من الناس عنه غافلون؛ فإن كثيرًا من الناس من يصاب ببلاء، فيضرب ذات اليمين وذات الشمال لدفعه، فلا يترك قاصيًا ولا دانيًا إلا ذهب إليه، فاعلم أن الأمر أقرب من هذا بكثير، إذ هو في النفس التي بين جنبيه، فكم استولى عليها البعد والعصيان، فأوردها إلى ما عانى منه طويلًا، فلو رجع إليها وأصلح خرابها لوجد سبب ما اعتراه حقيقة، وتلك سبيل قل من يتأملها.
2-التضرع والخضوع بين يدي الله عز وجل ورفع الشكوى إليه وحده.
قالوا: أتشكو إليه ما ليس يَخفى عليه؟!
فقلت: ربي يرضى ذل العبيد لديه
3-ومن ذلك الاستعانة بالصبر والصلاة، فقد قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153] .
4-ومن ذلك التحصن بالأدعية والأذكار، فإنها يسيرة خفيفة في عملها، عظيم النفع والثواب.
5-ومن ذلك استعمال الرقية المشروعة، فيرقي المرء نفسه أو ولده أو قريبه، وهكذا. ولا بأس من طلب الرقية ممن عرف صلاحه وتقواه، ولكن يجب أن لا تتعلق النفوس بالناس، بل يجب أن تتعلق بالله وحده دون من سواه. فحذار أن يزاحم الأمل بالله أيّ أمل بسواه من المخلوقين.
أيها الأحبة في الله، والأسباب المشروعة بينة لا مرية فيها، فحذار أن يتعداها المرء إلى ما يفسد دينه وينقص توحيده، فقد قال النبي: (( من أتى عرافًا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا ) )رواه مسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: (( من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) )رواه أبو داود.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا...
لم ترد.