فهرس الكتاب

الصفحة 1846 من 5777

حقيقة الصوم

العلم والدعوة والجهاد, فقه

التربية والتزكية, الصوم

مشبب بن فهد القحطاني

الظهران

عباد الرحمن

1-تفريط كثير من المسلمين في رمضان. 2- المطلوب أن نصوم إيمانًا واحتسابًا. 3- رمضان شهر التربية. 4- المنافع الصحية للصوم. 5- الصيام سبب في تقوية روابط المجتمع. 6- في الصيام إظهار قوة المسلمين. 7- دور الصيام في تهذيب السلوك والأخلاق. 8- إضاعة الإعلام لأوقات المسلمين في رمضان.

أيها المسلمون:

لماذا نصوم؟.. سؤال أطرحه على نفسي وعلى إخواني قبل بداية شهرِ رمضان..

قد يستغربه البعض..ولكن الحقيقة أننا بحاجة إلى الإجابة الصحيحة لهذا السؤال.. لماذا نصوم؟

والسبب في طرح هذا السؤال هو أن أكثر المسلمين (واسمحوا لي أن أقول: أكثر المسلمين) يدخل عليه الشهر ويخرج ولم يتغير شيء من حياته إلى الأفضل.. بل ربما تحول إلى الأسوأ.. وذلك لأنه سمع الناس يصومون فصام..وسمعهم يفطرون فأفطر..

وفي نفس الوقت يندفع خلف دعاة الباطل بدون تفكير فيما يفسد صومه وينافيه من الأفعال والأقوال والتصورات. فإذا جئنا نقارن في نهاية رمضان.. بين ما هو مطلوب تحقيقه في رمضان وبين الواقع وجدنا أن الفرق كبير بين الواقع والمطلوب.. لأن المطلوب أن يصل المسلم في نهاية صيامه إلى درجة التقوى..فهل يحصل هذا لكل شخص ؟؟ لذلك جاء السؤال لماذا نصوم؟؟

أيها الإخوة، إن الإجابة عن هذا السؤال تعني أن نستعرض جميع ما يتعلق برمضان من حكم وأحكام.. وهذا لا يخفى عليكم صعوبته في مثل هذا الوقت القصير.. ولكن لعل المناسب أن أذكر بشي من الإجابة عن هذا السؤال المهم والذي ينبغي أن لا يغيب عن بال كل مسلم ومسلمة..

أيها الإخوة، إن المسلم يجب أن يصوم رمضان إيمانًا واحتسابًا.. ليرتفع إلى درجة التقوى والتي عاقبتها مغفرة الذنوب السابقة.. يقول صلى الله عليه وسلم مبينًا هذا الأصل بقوله: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) ) [أخرجه البخاري] .

(( إيمانًا ) ): بأن الذي فرض الصيام هو الله سبحانه.. إيمانًا بأن الله تعالى لا يفرض شيئًا على الناس يضرهم ويشق عليهم. إيمانًا بأن الخير كل الخير في صيام رمضان.. إيمانًا بوعد الله عز وجل.. وبالتالي فإن المسلم الحق لا يتضايق عند قدوم رمضان. بل يفرح فرحًا شديدًا.. ومن تضايق أو كره ذلك فعليه أن يراجع نفسه فإن في إيمانه خلل.., هذا ينطبق على جميع ما شرع الله تعالى.. يدل على ذلك قوله سبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ ?للَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَـ?لَهُمْ [محمد:9] .

أما معنى (( احتسابًا ) ): فهو أن يؤمن الصائم بأن جميع ما يقوم به من أعمال وأقوال ، أو ما يلحقه من مشقة في الشهر الكريم مسجل في كتاب يقرؤه يوم القيامة.. كما وعد به المولى تبارك تعالى حين قال: يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـ?مِهِمْ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـ?بَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءونَ كِتَـ?بَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [الإسراء:71] . لذلك كان صلى الله عليه وسلم يصوم شهر رمضان ويقومه فإذا جاء العشر الأواخر التي يرجى فيها ليلة القدر.. قام الليل كله. وأيقظ نساءه.. وامتنع عن إتيانهن..والسبب أنه كان يعرف تمامًا الفائدة العظمى من قيام ليلة القدر.

أيها الإخوة: لقد غابت عن بعض الناس حكمُ وفوائد الصيام.. فيدخل عليهم رمضان ويخرج دون تغير نحو الأفضل في حياتهم.. لم يعلموا أن الصيام زيادة في الإيمان.. وصحة في الأبدان. وتقوية للمجتمع.. وإرهاب للأعداء.

أما زيادة الإيمان فواضح فبمجرد الصيام طاعة لله تعالى يزيد الإيمان، فإذا أضيف إليه فعل الطاعات المشروعة في رمضان.وتركت المعاصي.. وضيق على الشيطان بالجوع والذكر. لاشك أن ذلك سيؤدي إلى زيادة الإيمان، وبالتالي تحول حياة الإنسان..من الحياة الحيوانية التي هي مجرد الأكل والشرب واتباع الشهوة، إلى حياة المسلم التي يرضاها الله ويحبها، جسده في الأرض وروحه في السماء.

لقد تعود المسلم في رمضان على كبح جماح نفسه وتقوية إرادته.. لقد أضعف سلطان العادة التي بلغت بالبعض إلى درجة الاستعباد..حيث تعود البعض على الأكل في وقت معين والشرب في وقت معين، فجاء رمضان فساعد المسلم على الانفلات من سلطان العادة السيئة.

لقد انطلق المسلم بعد صومه حرًا طليقًا كما يحب ربه ويرضى ، لا يخضع إلا لأمر الله، ولا يضعف إلا أمام ربه..وهذا هو المطلوب.

أما فوائد الصيام الصحية.. فلا تخفى على عاقل مطلع..حتى إن الكفار شهدوا بأن الصيام الإسلامي هو أفضل ما يتعالج به الإنسان.. ونحن لسنا بحاجة إلى هذه الشهادة.. لأن ربَّنا سبحانه يقول: وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ [البقرة:184] . ولكن الحق ما شهدت به الأعداء.. فقد ثبت طبيًا أن الصيام علاج لاضطرابات المعدة المزمنة..وعلاج لزيادة الوزن الناتج من كثرة الغذاء وقلة الحركة..كما أنه وقاية من مرض الضغط والسكر ومن التهاب الكلى الحاد والمزمن، وأمراض القلب المصحوب بالتورم.. ومن التهاب المفاصل.. وغيرها من الأمراض، وعمومًا فالصيام وقاية للإنسان من جميع الأمراض الجسمية والنفسية كما قال صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الصِّيَامُ جُنَّةٌ ) ). والجُنة معناها: الوقاية والستر.. هذا إضافة إلى أنه وقاية من النار يوم القيامة لمن صامه إيمانًا واحتسابًا.. ومما يؤسف له أن بعض الناس لا يزداد وزنه إلا في رمضان. وبعضهم تبدأ به الأمراض في رمضان.. والسبب أنهم لم يعرفوا الحكمة من صيام رمضان، فقلة الأكل والتخفيف على المعدة هدف من أهداف الصيام، ولكن أكثر الناس لم يهتموا بهذا الأمر، فأصيبوا بالأمراض المختلفة، ولم يستفيدوا فعلًا من رمضان في وقاية أنفسهم منها.. هذا بالنسبة لصحة الأبدان.

كما أن الصيام فيه تقوية لروابط المجتمع.. فهذا يتجلى من خلال التعاون والتقاء المصلين في مختلف الأوقات.. وكذلك في الاعتكاف والعمرة ونحوها.. كما أن تفطير الصائمين.. وسد حاجة المحتاجين.. ودفع زكاة الفطر لأهلها..كل هذا وغيره مما يقوى روابط المجتمع.. فهل يا ترى فهم الناس هذه الحكمة، أم انهم تركوا الصلاة مع الجماعة بحجة التعب من العمل. وتركوا صلاة التراويح بحجة أنه ليست فريضة.. وقبعوا أمام أجهزة الفساد ينتقلون من محطة إلى أخرى.. فلا تعاون ولا سؤال عن محتاج، حتى صدقة الفطر يفرحون بإعطائها نقودًا للتخلص منها.

أما كون الصيام فيه إظهار قوة المسلمين وإرهاب الأعداء.. فلعل هذا يتضح عندما يشعر العالم أن هناك حركة غير طبيعية بين المسلمين.. خصوصًا عندما يشاهدونهم يفطرون في وقت محدد، ويمتنعون عن الأكل في وقت محدد..ويتجهون إلى قبلة واحدة.. وعندما يرونهم يدفعون زكاة الفطر ويبحثون عن المحتاجين من إخوانهم..وعندما تتجه الطائرات إلى مكة المكرمة لأداء العمرة.. عندما تتحول إذاعاتهم إلى النصائح والتوجيهات الرمضانية.. لاشك أن هذا وغيره سيولد الرهبة في قلوب الأعداء فيحسبون للمسلمين ألف حساب. ولكن هل يشعر المسلمون بهذا الأمر.. أم أنهم يعيشون في حالة من الذل والهوان، يعيشون تحت رحمة أعدائهم، وكلما شعروا بالخوف اتجهت أنظارهم إلى البيت الأسود المسمى بالأبيض.. وإذا استأسد الواحد منهم جعل كيده في نحر أخيه المسلم..فنسأل الله الهداية للجميع.

أيها الإخوة، هناك مفاهيم كثيرة تستفاد من رمضان غابت وتغيب عن أذهان بعض المسلمين.. ولكن الأمل في الله كبير.. وبالعلم الشرعي يعرف المسلم دوره في الحياة، ويستشعر معنى العبادات وأحكامها..وبالتالي يحقق ما من أجله خلق.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ?لصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أما بعد:

أيها المسلمون: ومن المفاهيم الغائبة عن بعض الناس.. أن الصيام ينبغي أن يتحول إلى سلوك راق جدًا، في التعامل مع النفس ومع الآخرين، فلو رجعنا إلى معنى الصيام في اللغة لوجدنا أن معناه المنع والحبس.

ولذلك نجد أن الصائم يمنع نفسه عن الأكل والشرب وإتيان الشهوة، ومعلوم أن هذا الامتناع لا يكفي عند الله تعالى، بل لابد من الامتناع عن مزاولة الأخلاق الرديئة مع الآخرين. يدل على هذا قوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) ) [أخرجه البخاري] .

إن من مفاهيم الصيام أن نرتقي بأخلاقنا إلى الأفضل. نتعود على الصبر والحلم، نهذب ألفاظنا، ونتحمل ما يصدر من الآخرين، حتى وإن اخطأوا علينا، استجابة لأمر نبينا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قال: (( وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُل:ْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ) ) [البخاري] .

إن صيامنا لنا..ولكن المطلوب أيضًا أن يستفيد الآخرون منه.. وكما أن المطلوب أن نرتقي بسلوكنا إلى الأفضل فالمطلوب أيضًا أن نرتقي بتفكيرنا.. لابد أن نحترم عقولنا وعقول الآخرين.. لابد أن نفكر تفكيرًا صحيحًا فيما ينفعنا.. وهذا ما ينقص البعض. وإلا فلماذا ينصب تفكير البعض على أنواع المأكولات والمشروبات والملبوسات وأماكن وطرق الترفيه في رمضان.. لماذا يفكر البعض أن صيامه لرمضان شبح ينبغي التخلص منه عند سماع آذان المغرب.. فينكب على أنواع المأكولات ثم إذا شبع انكب على وسائل الضحك وضياع الأوقات.. فتارة يتابع الكاميرا الخفية وتارة يتابع مسلسلات الفكاهة والضحك والعري والانحلال، فبدلًا من أن يشكر الله الذي أطعمه من جوع وآمنه من خوف، ومتعه بالصحة والهداية إلى شهر رمضان.. يقابله بالوقوع فيما يغضب الله تعالى.ويعتبر أنه قد صام رمضان.

إن هذا الإنسان لم يحترم عقله الذي وهبه الله إياه، ولم يقدر له قدره.. وإلا كيف يسمح لنفسه بتضييع وقته لمتابعة الساقطين والساقطات، يضحك إذا أضحكوه بكلمة أو حركة، ويحزن في المواقف المحزنة.. ويزداد إعجابًا عندما ينتقدون وضعًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا، ويتابع المرأة الفاتنة، والمرأة تتابع الرجل الفاتن، والجميع ينصت للموسيقى المحرمة.. قد سلموا عقولهم للعابثين بالأعراض يلعبون بعواطفهم كيف شاءوا.

وهذا خطأ، إذ يجب على المسلم أن ينتبه له.. ويشكر نعمة العقل التي وهبه الله له.. وبعضهم يحتج بأن هناك وقت فراغ فنقول له: إذا فرغت من الأعمال فعليك بطاعة الله تعالى.. فهي الوصية التي أوصى بها رسوله بعد أن ذكره بنعمه عليه فقال سبحانه: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ?لَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ فَإِنَّ مَعَ ?لْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ ?لْعُسْرِ يُسْرًا فَإِذَا فَرَغْتَ فَ?نصَبْ وَإِلَى? رَبّكَ فَ?رْغَبْ [سورة الشرح] . فالأصل أن المسلم إذا فرغ من أداء العبادات المفروضة. والأعمال الدنيوية أن يتفرغ للدعاء وأداء النوافل واللجوء إلى الله تعالى والرغبة فيما عنده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت