فهرس الكتاب

الصفحة 5383 من 5777

ظلم الأبناء للآباء

الأسرة والمجتمع

الوالدان, قضايا الأسرة

عبد العزيز بن الطاهر بن غيث

طرابلس

جامع أم القرى

1-أسباب كثرة العقوق. 2- ذكر فضائل الوالدين. 3- النهي عن الإساءة للوالدين. 4- صور من حياة السلف في البر بالوالدين. 5- الوعيد الشديد لمن أساء إلى والديه. 6- الأمر بصلة الوالدين ومصاحبتهما بالمعروف ولو كانا كافرين. 7- أثر الذنوب والمعاصي على الفرد.

أما بعد: إخوة الإيمان، العلاقة بين الوالد والولد من أهم العلاقات وأوثقها في هذه الحياة، شدد الشرع على أهميتها وحذر من التقصير فيها، ولكن هذه العلاقة كثيرًا ما تقوم على التقصير والظلم من أحد الطرفين، وقد يُحتمل أن يظلم الوالدان الولد، أما أن يظلم الولد والديه فتلك هي الرزية والمصيبة.

نتكلم اليوم بإذن الله عن تقصير الولد تجاه والديه، وهو نوع من الظلم والعقوق حذر منه الله سبحانه أشد تحذير، إنه معصية عظيمة لا زالت المجتمعات الإسلامية تعاني منها ومن آثارها، ولا زالت البيوت تُهدم والأرحام تقطع بسببها. هذا الذنب الكبير الذي وقع فيه الناس وأوغلوا لأنهم أولًا ابتعدوا عن دينهم وعن ربهم، ولأنهم ثانيًا استهانوا بهذا الذنب وعدوه من الأمور البسيطة مقارنة بالزنا وشرب الخمر وغيرها، وثالثا لأن حدود هذا الذنب غابت عنهم فلم يستطيعوا أن يميزوا بين ما هو ظلم وعقوق وما هو غير ذلك.

نتكلم اليوم عن هذا الأمر الخطير ونذكر أنفسنا وإخواننا، فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55] ، وهذا الأمر لا بد أن نهتم به ونعطيه حقه لأننا نسمع قصصًا وأحداثًا ترتكب ضد الآباء والأمهات يشيب لهولها الولدان، ولا يكاد المرء يصدقها لولا أنه يراها بعينه أو تنقل له من ثقات، والملاحظ ـ عباد الله ـ أن النفوس تحجرت والقلوب تكلست حتى بات الناس لا يتأثرون بهذه الحوادث والأمور رغم أنها تدمي قلب المؤمن:

لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان

هل نحن في حاجة ـ عباد الله ـ إلى أن نسرد للظالم العاق أو للذي يضيع حق والديه عليه، هل نحن في حاجة إلى أن نسرد عليه أوامر الله ورسوله في هذا الأمر؟! هل نحن مضطرون إلى أن نبين له أن هذا الرجل الكادح وهذه المرأة الضعيفة اللذيْن أنجباه لهما حق لازم في رقبته؟!

لقد أمرنا الإسلام بصلة الرحم وعدم قطعها، ففي صحيح مسلم عن عائشة يقول: (( الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله ) )، وأعلى مرتبة في الأرحام هم الآباء والأمهات الذين في رضاهم رضا الله وفي سخطهم سخط الله، يقول في الحديث الذي أخرجه الطبراني عن ابن عمرو: (( رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما ) )، فهل نجهل هذا ونحتاج إلى من يذكرنا به؟!

الحقيقة أنه كان من المفروض أن يكون الإنسان بارّا بمن كانا سببًا في وجوده، وكانا راعيَيْن له وهو في أضعف حالاته العقلية والبدنية كما ترعى الطير فِراخها، يحميانه من كل خطر أو مكروه، ولكن الإنسان يطغى وينسى ويتكبر ويتجبر حتى تصل به الوقاحة إلى ضرب البطن التي تخبط فيها واليد التي هدهدته؛ لهذا فقد أكثر الله سبحانه ورسوله من وصية الولد بوالديه، أما الوالدان فإنهما لا يحتاجان إلى الوصية بولدهما لأنهما بدون وصية يمرضان من أجله ويجوعان من أجله بل ويموتان من أجله.

يقول سبحانه ناهيا عن الإساءة إلى الوالدين: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء: 23] ، لقد ذكر سبحانه أدنى الأمور لكي نتجنب تلقائيا ما هو أعلى منها، فـ (أف) كلمة تأفّف تتكون من حرفين هي ممنوعة في حق الوالدين، والانتهار ممنوع أيضا بأي صورة وعلى أي شكل؛ لهذا عرف سلفنا الصالح حدود العقوق فوقفوا عندها ولم يتعدوها طلبا لما عند الله من فضل وهربا من سخط الله وعذابه. أخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد قال: قلت للحسن: إلى ما ينتهي العقوق؟ قال: أن تحرمهما وتهجرهما وتحدّ النظر إليهما. وأورد أبو نعيم في حلية الأولياء عن بعض آل سيرين قال: ما رأيت محمد بن سيرين يكلم أمه قط إلا وهو يتضرع، وعن ابن عون أنه نادته أمه فأجابها، فَعَلا صوته صوتَها فأعتق رقبتين، وهذا أبو الحسن علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهم كان من سادات التابعين، وكان كثير البر بأمه حتى قيل له: إنك من أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل معها في صحفة! فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها. هذه هي نظرة الصالحين للوالدين، وهذا هو خوفهم من ظلم الوالدين وعقوقهما.

الإساءة للوالدين ـ أيها الناس ـ يكفينا فيها إن كنا نريد معرفة عظمتها عند الله وشدة خطرها قول رسول الله في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أنس: (( أكبر الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وشهادة الزور ) ).

عقوق الوالدين ـ يا من تجهله، يا من تستهين به ـ جاء بعد الإشراك بالله وقتل النفس، فارحم نفسك يرحمك الله، واعلم أنه ليس الظلم أو الأذى المباشر للوالدين بأي شكل من الأشكال هو وحده من الكبائر، بل إن من الكبائر أن تتسبب في إلحاق الأذى بوالديك، فسبّ الوالدين كبيرة لأنه عقوق، وكذلك إذا تسبّبت في سبّ والديك وشتمهما فاحذر، يقول فيما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (( إن من أكبر الكبائر أن يسبّ الرجل والديه ) )، فقال الصحابة: وهل يشتم الرجل والديه؟! قال: (( نعم، يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه ) ).

ونظرًا إلى أن المضيع لرضا الوالدين مضيع لخير كبير ومعرِض عن رحماتٍ منشورة من رب العالمين فقد أخبر رسول الله أو دعا بالخسران على من لم يدخل الجنة بوالديه لعقوق أو لغيره، يقول فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة: (( رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه ) )، قيل: من يا رسول الله؟ قال: (( من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة ) )، فما أخسرك يا من ضيعت برك بوالديك فضيعت الجنة، وما أخسرك يا من لا زلت تضيّع هذه الفرصة العظيمة.

بل تصل فداحة ذنب العاق أن الله سبحانه لا ينظر إليه يوم القيامة، وهذا يعني أنه سيعذبه عذابا أليمًا والعياذ بالله، يقول: (( ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة ) )وذكر منهم العاق لوالديه.

فإذا لم نتعظ بكل هذه العقوبات الأخروية فلعلنا نتعظ بالعقوبات الدنيوية؛ لأن ظلم الوالدين وعقوقهما من الذنوب التي تعجل عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة، فانتبه يا من سُدت في وجهك السبل، وانتبه يا من ضاق عليك الرزق، وانتبه يا من أصيب بمشاكل عائلية، وانتبه يا من ابتلي بزوجة متسلطة أو ذرية غير صالحة، فليتنبه كل مهموم ومغموم وبائس، وليتفقد حاله مع والديه، ولينظر إلى علاقته بهما، فإن كان عاقًا ظالمًا لهما فلا يطمع في راحة نفس ولا تيسير أمور؛ لأن عقوبة عقوقه تعجل له في الدنيا، يقول كما في صحيح الجامع من حديث أنس: (( بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي والعقوق ) )، بل تكون هذه العقوبة الدنيوية لمن عق والديه من نفس جنس معصيته، تكون عقوبته بأن يعقه أبناؤه هو أيضا، وهذا نراه كثيرا، فالكثير ممن كانوا عاقين لآبائهم وأمهاتهم ابتلاهم الله بأبناء يعقونهم، ولولا أن يقال: إننا نرجم بالغيب لقلنا: إن كل عاق لا بد أن تسْودّ معيشته عاجلا أم آجلا إن لم يتب ويتصدق ويدعو لوالديه ويطلب الغفران من الله لإساءته في حقهما.

ومع كل هذا لا زلنا ـ عباد الله ـ نسمع قصصا وأحداثا في حق الوالدين تصل إلى حدود لا يتصورها مسلم، لا زلنا نسمع عن طرد الوالدين، لا زلنا نسمع عن حبس الوالدين في غرفة أو في بيت دون رعاية أو حنان يرمى لهم الطعام كما يرمى للكلاب، لا زلنا نسمع عن ضرب الوالدين، نعم ضرب الوالدين، هذه اليد التي نبتت من حليب الأم وشقاء الأب، هذه اليد التي طالما قبلتها الأم وطالما لعقها الأب وداعبها، هذه اليد يرفعها الابن في يوم من الأيام ليصفع بها الأب أو يدفع بها الأم، قُطعت هذه اليد قبل أن تهين من أنجبها، شلت هذه اليمين قبل أن ترفع في وجه من رباها، إنها مصائب وطوام وكوارث نعيشها ونسمعها والله المستعان، ولكن على من يفعل هذا أن يستعدّ لجني الثمار المُرة والعواقب الوخيمة لهذا الظلم في الدنيا والآخرة، وعليه أن يحذر من دعوات الوالدين المظلومين الذين لا تردّ دعوتهما، وعليه أن يعرف أن شكر الوالدين من شكر الله سبحانه، يقول ابن عباس كما في كتاب الكبائر للذهبي: (ثَلاثُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مَقْرُونَةً بِثَلاثِ آيَاتٍ، لا يُقْبَلُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِغَيْرِ قَرِينَتِهَا، أوّلها: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ، فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ لا تُقْبَلُ مِنْهُ الصَّلاةُ، وَالثَّانِية: قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ َ، فَمَنْ شَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَشْكُرْ وَالِدَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَالثَّالِثُة: قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَلَمْ يُطِعِ الرَّسُولَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ) .

فاعرفوا ـ رحمني الله وإياكم ـ حقَّ الوالدين، وابتعدوا عن الإساءة إليهما، واعلموا أن المحروم من حرم فضل البر وجزاءه الحسن الذي أعده الله سبحانه للصالحين من عباده.

أسأل الله أن يأخذ بأيدينا إلى البر والتقوى، وأن يجنبنا مساخطه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

إخوة الإيمان، إن الإساءة للوالدين ليست بالأمر الهين كبعض الذنوب التي يسمح للإنسان بأن يتدرج في مجاهدة نفسه والرقي بها حتى تتخلص من هذه الذنوب، إن الإساءة للوالدين مهلكة لا بد للإنسان أن يبرأ منها ويفارقها. إن ظلم الأبناء لآبائهم وأمهاتهم أمر عظيم ينبغي أن نقف عنده وينبغي أن نسائل أنفسنا: ما الذي يدعونا إلى ظلم والدينا أو حتى التقصير في حقهم؟

إن أعظم أمر قد يبرر للإنسان أن يجور على والديه هو الكفر أي: أن يكون والداه مشركين، ومع هذا نحن مأمورون بالإحسان إليهما حتى وإن كانا مشركين، يقول سبحانه: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان: 15] ، وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدِمت عليَّ أمّي وهي مشركة في عهد قريش، فقلت: يا رسول الله، إن أمّي قدمت عليّ وهي راغبة أفأصِلها؟ قال: (( نعم صليها ) )متفق عليه. إذًا فحتى الكفر ليس مبررا للإساءة إلى الوالدين، فهل مال الدنيا ومتاعها مثلا هو المبرر لظلم الوالدين؟! إن كان هذا هو المبرر فقد حسمه رسول الله حينما جعل الابن وماله لأبيه، فعن جابر بن عبد الله أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي مالًا وولدا، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال: (( أنت ومالك لأبيك ) )أخرجه ابن ماجة.

كيف يهنأ من ضايق والديه أو أحزنهما أو أبكاهما ظالما؟! هذا مما لا ينبغي لمسلم يريد وجه الله والدار الآخرة أن يفعله، إن رسول الله قال لمن خرج مجاهدا في سبيل الله وترك والديه يبكيان: (( ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما ) )أخرجه ابن ماجة. يقال هذا الكلام لمن أبكاهما في طاعة الله سبحانه وخرج مجاهدا مضحيا بنفسه في سبيل إعلاء كلمة الله، فكيف بمن أبكاهما عاصيا ظالما من أجل الدنيا أو من أجل الزوجة أو من أجل غير ذلك؟!

إن الإنسان قد يُحرم الرزق والتوفيق بذنب يصيبه، وقد يكون هذا الذنب نظرة أو كلمة، فكيف إذا كان هذا الذنب عقوق والدين أو قطيعة رحم أو غيرها من الذنوب العظيمة التي حذرنا الله منها؟! يقول كما في صحيح الجامع من حديث أبي هريرة: (( ليس شيء أطيع الله تعالى فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقابا من البغي وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع ) )، أي: تدع الديار قفرا وخرابا، فالذنوب إذًا تخرب الديار وتمنع البركة ويتأذى منها الملائكة والصالحون، بل وحتى الدواب تتأذى من ذنوب بني الإنسان، أخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: (كاد الجُعَل يعذَّب في جحره بذنب ابن آدم) ثم قرأ: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ [النحل: 61] ، فلا توفيق ولا استقرار مع تفشي الذنوب والمعاصي فينا، فكيف إذا كانت هذه الذنوب من الكبائر؟! فكيف إذا كانت من أكبرها؟! والعجيب أن الإنسان تسوء أموره وتصعب عليه مطالب الحياة وهو عاقّ ظالم لوالديه ثم لا يفطن إلى ذلك ولا يسعى إلى تدارك الأمر.

فلنتق الله عباد الله، ولنحسن إلى آبائنا وأمهاتنا، ولنبتعد عن العقوق ونفر منه فرارنا من الموت؛ حتى لا نستوجب لأنفسنا عقوبة الله وعذابه، وحتى ننعم بتوفيق الله سبحانه ومعونته.

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت