فهرس الكتاب

الصفحة 1519 من 5777

أرأيت إذا صليت المكتوبات

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

الجنة والنار, الصلاة

مرزوق بن سالم الغامدي

مكة المكرمة

الرحمة

1-حديث في موجبات الجنة. 2- أهمية إتيان فرائض الله. 3- في فضل صلاة الجماعة. 4-

الترغيب مع الترهيب ، والخوف مع الرجاء. 5- كبائر تمنع من دخول الجنة. 6- فضل لا إله

إلا الله مع العمل بها.

أيها الإخوة: جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان، وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئًا، أأدخل الجنة؟ قال: (( نعم ) )قال أهل العلم: تحليل الحلال باعتقاد حله واحتمال إتيانه وفعله، وتحريم الحرام باعتقاد حرمته مع اجتنابه، والحلال هاهنا عبارة عما ليس بحرام، فيدخل فيه الواجب والمستحب والمباح، فيكون المعنى أنه يفعل ما ليس بمحرم عليه ولا يتعدى ما أبيح له إلى غيره ويجتنب المحرمات.

روي عن طائفة من السلف منهم ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين في تفسير قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ، وقالوا: يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه.

أيها الإخوة: المراد بالتحليل والتحريم فعل الحلال واجتناب الحرام. كما جاء في الحديث وقد قال الله تعالى في حق الكفار الذين كانوا يغيرون تحريم الشهور الحرم إنما النسيُء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله والمراد أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عامًا فيحلونه بذلك، ويجعلون شهرًا آخر بدلًا عنه حتى تتساوى عدة الأشهر الحرم، وهي أربعة أشهر. ويمتنعون عن القتال فيه عامًا، فيحرمونه بذلك. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالًا طيبًا.

جاء في سبب نزول هذه الآية أن قومًا امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهدًا في الدنيا وتقشفًا، وبعضهم حرم ذلك على نفسه إما بيمين حلف بها أو بتحريمه على نفسه، والبعض امتنع منه من غير تحريم ولا يمين، فسمى الجميع تحريمًا، حيث قصد الامتناع منه إضرارًا بالنفس.

ومن مقاصد الدين حفظ النفس فلا يجوز الإضرار بها، وبكل حال، فهذا الحديث الذي قدمناه يدل على أن من قام بالواجبات وانتهى عن المحرمات دخل الجنة، وقد توافرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى أو ما هو قريب منه. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما من عبدٍ يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيَّها شاء، ثم تلا: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) )رواه النسائي.

وأيضًا حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من عبد الله، لا يشرك به شيئًا وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان واجتنب الكبائر فله الجنة ) ).

وفي الصحيح عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ قال: (( تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان ) )قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا شيئًا ولا أنقص منه، فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ) ).

وأيضًا ما جاء في الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: (( الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئًا ) )فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: (( شهر رمضان إلا أن تطوع شيئًا ) )فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، فقال الأعرابي: والذي أكرمك بالحق لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أفلح إن صدق - أو دخل الجنة أن صدق ) ).

وقد وردت أحاديث في فضل بعض الأعمال التي يترتب عليها دخول الجنة مثل الأحاديث التي تحض على الصلاة وأدائها جماعة وفي أوقاتها، منها حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من صلى الصلوات لوقتها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ) )، وكذلك الحديث الصحيح عن ابن موسى الأشعري رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (( من صلى البردين دخل الجنة ) )وغيرها من الأحاديث التي تبين أن العمل الصالح سبب لدخول الجنة، وهذا السبب لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه.كذلك الصيام وما جاء في فضله وأنه من صام يومًا لوجه الله باعد الله بذلك اليوم بينه وبين النار سبعين خريفًا.

من هذه الأحاديث وأمثالها مما جاء عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم يتضح أيها الإخوة أهمية التوحيد توحيد الله في العبادة وأهمية العمل الصالح الموافق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى رأس هذه الأعمال الصلاة وأداؤها جماعة وفي أوقاتها المشروعة ثم بقية الأركان من صيام وزكاة وحج، فإن الله عز وجل يحب من عباده أن يتقربوا إليه بما افترضه عليهم من هذه الأركان.

كما جاء بذلك الحديث القدسي ثم يزداد العبد تقربًا إلى الله بالنوافل كصلاة السنة الراتبة وصيام بعض الأيام المشروعة والمعروفة وأداء ركعتي الضحى وصلاة الوتر والإكثار من الصدقة والذكر المشروع الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره ) ).

أسأل الله العلي العظيم أن يهدينا جميعًا سبيل الرشاد وأن يجعلنا هداة مهتدين إنه سميع مجيب.

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

أيها الإخوة: من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يأخذون بأحاديث الترغيب وما فيها من فضل دون النظر إلى أحاديث الترهيب وما فيها من تحذير ونذير.

ومن هذه الأحاديث التي يتشبث بها الناس أحاديث جاءت في ترتيب دخول الجنة على مجرد التوحيد ففي الصحيحين عن أبى ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك دخل الجنة ) ). قلت: وإن زنى وإن سرق قال: (( وإن زنى وإن سرق ) )قالها ثلاثًا ثم قال في الرابعة: (( على رغم أنف أبي ذر ) )فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر.

وأيضًا حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمتهُ ألقاها على مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل ) ).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقي الله بها عند غير شاك فيحجب عن الجنة ) )وغيرها من الأحاديث التي بنفس المعنى.

ولكن هذه الأحاديث تبين أولًا أن مصير الموحد الجنة ولا يمنع من ذلك أن يعذب الموحد بالنار على قدر ذنوبه التي يستحق فاعلها النار تطهيرًا له، وثانيًا لابد من تحقيق شروط التوحيد وانتفاء كل ما ينقضه من شرك ونفاق حتى يكون العبد من أهل الجنة.

أيها الإخوة: وكما أنه وردت أحاديث في فضل بعض الأعمال التي تكون سببًا في دخول الجنة لا بد للمسلم أن يعرف بعض الأعمال التي تكون سببًا لدخول النار أو مانعًا من دخول الجنة، فقد وردت أحاديث صحيحة تبين أن ارتكاب بعض الكبائر يمنع دخول الجنة مثل: (( لا يدخل الجنة قاطع ) )أي قاطع رحم، وحديث: (( لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ) )وأحاديث منع دخول الجنة بالدَّين حتى يقضى.

كما جاءت أحاديث تبين أن من اعتدى على مال المسلم بغير حق فقتل لذلك فهو في النار كما جاء في صحيح مسلم أن رجلًا قال يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (( لا تعطه مالك ) )قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (( قاتله ) )قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (( فأنت شهيد ) )قال أرأيت إن قتلته؟ قال: (( هو في النار ) )، والحديث الذي فيه من: (( اقتطع من حق أخيه المسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة وإن كان قضيبًا من أراك ) ).

وكذلك حديث المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت لا هي بالتي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، هذا في حق هرة ضعيفة حيوان صغير فكيف بمن يفعل ذلك مع المسلمين الموحدين.. بل يفعل ذلك مع الصالحين والدعاة المخلصين بإيذائهم وقتلهم أو التضييق عليهم في معاشهم وأرزاقهم نسأل الله العافية.

أيها الإخوة: لا يكفي أن نتمسك بأحاديث الترغيب ونترك غيرها أو نأخذ حديثًا دون الجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى ودون الرجوع إلى فهم السلف له ولأمثاله من الأحاديث، فمثلًا حديث: (( إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله ) )ما هو مفهومه؟ وماذا قال أهل العلم في تفسيره؟ قال العلماء: إن التوحيد مقتضٍ لدخول الجنة وللنجاة من النار، لكن له شروط وهي الإتيان بالفرائض، وموانع وهي إتيان الكبائر.

قيل للحسن إن ناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها دخل الجنة.

وقيل لوهب: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال بلى: ولكن ما مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.

وقال بعضهم هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار معها على معصية، وقيل إخلاصها أن تحجزك عما حرم الله.

أيها الإخوة: إن تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالًا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاءً وتعظيمًا وتوكلًا.. ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبةٌ ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإرادتها ووساوس الشيطان.

قال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وقال سبحانه: ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان وقال صلى الله عليه وسلم: (( تعس عبد الدينار، تعس عبد الرهم ) ).

إذًا أيها الإخوة: لا يجتمع الخل والعسل في إناء واحد، فلا تتحقق كلمة التوحيد إلا لمن لم يكن في قلبه إصرار على محبة ما يكرهه الله، وإلا كان ذلك يدل على نقص في التوحيد. ويتم ذلك أيها الإخوة بالمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم حق الاتباع دون زيادة أو نقص. قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله.

أسأل الله العلي العظيم أن يملأ قلوبنا بحبه وحب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وحب آل البيت الطاهرين وأصحابه الغر الميامين وكل من سار على هداهم ونهجهم إلى يوم الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت