فهرس الكتاب

الصفحة 1770 من 5777

مقتل عمر

سيرة وتاريخ

معارك وأحداث

عاصم بن لقمان يونس الحكيم

جدة

جامع جعفر الطيار

1-قصة مقتل عمر. 2- أهمية الصلاة. 3- كلمة في استقدام الكفار. 4- عمر ينصح وهو في كربات الموت.

إن في تاريخ الإسلام صفحات عظيمة مضيئة، وفيه أيضا صفحات مظلمة، ذلك أنه على مر التاريخ قد أصاب المسلمين مصائب كثيرة أعظمها موت النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يقول: (( إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها من أعظم المصائب ) ).

والمؤمن عباد الله لا يدع تلك الصفحات المضيئة أو المظلمة تمر إلا ويستنبط منها الفوائد والدروس التي كان السابقون يلقونها علينا بفطرتهم وقوة إيمانهم، ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون أنه قال: إني لقائم ما بيني وبين أمير المؤمنين إلا ابن عباس - غداة أُصيب - وكان إذا مر بين الصفين قال استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم سبعة، ثم نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه فصلى بهم صلاة خفيفة، فلما انصرف قال عمر: يا ابن عباس انظر من قتلني، فجال ساعة فقال غلام المغيرة، فقال: الصَّنَع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي على يد رجل يدعي الإسلام، فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه، فدخل عليه الناس فجعلوا يثنون عليه.

وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقِدَمٍ في الإسلام ما قد علمت، ثم وَلِيتَ فعدلت، ثم شهادة، فقال عمر: وددت أن ذلك كفاف، لا لي ولا علي، فلما أدبر الشاب إذا إزاره يمس الأرض، فقال ردوا علي الغلام، فقال له: يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك.

ثم أرسل عبد الله بن عمر إلى عائشة يستأذنها في أن يُدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في حجرتها، فوجدها تبكي، فاستأذنها في دفن عمر فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي.

فلما مات دُفن رضي الله عنه مع صاحبيه، وطويت بموته صفحة من صفحات تاريخنا العظيم.

عباد الله: إن القصة أطول مما سمعتم، والفوائد التي فيها لا يتسع لها الوقت، فمن تلك الفوائد أن الصلاة كانت الهم الذي يشغل بال الصحابة في زمن العزة والقوة، لذلك عندما طُعن رضي الله عنه، كان أول ما فعله أن استخلف عبد الرحمن بن عوف ليصلي بالناس، ثم إنه أُغمي عليه، فحملوه إلى بيته فلما أفاق وقد أوشكت الشمس على أن تطلع نظر في وجوههم فقال: هل صلى الناس فقالوا: نعم، فقال: إنه لا إسلام لمن ترك الصلاة فأعانوه على الوضوء فصلى الفجر ركعتين خفيفتين.

أيها المسلمون: إن من آخر وصايا نبينا صلى الله عليه وسلم قبل موته أن قال: (( الصلاة وما ملكت أيمانكم ) )، وهذا عمر وقد طعن بخنجر مسموم، يأبى التفريط في الصلاة لعلمه أنها لا تسقط عن أحد من المسلمين أبدًا حتى يموت، إذ هذه الصلاة هي عماد الدين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لَتُنْقَضَنَّ عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًا: الحكم، وآخرهن: الصلاة ) ).

والذي ينظر إلى حال مساجدنا وحال أبنائنا ونسائنا وتفريطهم في الصلاة، ليظهر له جليًا أن آخر عروة من عرى الإسلام توشك أن تذهب وتزول، فالمساجد خالية من المصلين في صلاة فجر الجمعة، بينما هي تمتلئ بهم الآن، فأين كانوا في صلاة الفجر؟ وإنك لتمر على المسجد وقد شرع المصلون في الصلاة، بينما ترى من لا يزال يلعب الكرة أو يتسكع أمام المحلات التجارية أو هو قابع في سيارته غير آبه بالصلاة والمصلين، ولا شك أن التناسب طردي بين التفريط في الصلاة وانتشار المنكرات، فهل من متعظ قبل فوات الأوان، أقول قولي وأستغفر الله.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

وبعد:

إن الذي قتل أمير المؤمنين علج كافر، وذلك بعد أن فتح الله فارس، فكانوا يُدخلون الرقيق والعبيد إلى المدينة، فكان ذلك سببًا في مقتل عمر، واليوم نحن نرى أن بلادنا مليئة بالكفار والمشركين، وهم ليسوا رقيقًا يملكه الإنسان، فمن الناس من يأمنهم على أمواله وتجارته، ومنهم من يأمنهم على عرضه وأهله وأطفاله، وكم أدخل هؤلاء الكفرة علينا من الشرور والفتن، وكم فعلوا من مصائب وسرقات وهتك للأعراض، ولكن المسلمين لا يتعظون، فهل من رجل رشيد يطرد ذلك الكافر الذي تحت يده، الذي يرسل راتبه إلى أهله كي يقتات به عشرة أو أكثر ممن يشركون بالله ويضطهدون المسلمين في بلادهم؟

عباد الله: إن عمر الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وطعن وهو يصلي بالمسلمين، لم يطغه الفرح بأسبقيته إلى الإسلام ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم له، بل قال عندما بشره ذلك الشاب بالجنة: وددت أن ذلك كفاف، لا لي ولا علي، وقارن حالك يا عبد الله بأمير المؤمنين وأعماله وقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قارن خوفك من الله تعالى مع خوفه، وذنوبك مع ذنوبه، كي تعلم مقدار الغفلة التي نحن نعيشها.

وأخيرًا فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن لشغله جرح أو مصيبة عن الهم الذي يحمله بين جنبيه، هم الإسلام، فهو ما إن رأى ذلك الشاب الأنصاري وقد أسبل إزاره حتى أمر من عنده أن يرجعوه لينكر عليه ذلك المنكر، فقال له: ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك، وكم من المنكرات يا عباد الله تمر علينا ونحن لا ننكرها خوفًا من الناس لا خوفًا من الله، وصدق الله تعالى إذ يقول: أَتَخْشَوْنَهُمْ فَ?للَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ [التوبة:13] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت