قضايا في الاعتقاد
معجزات وكرامات
مرزوق بن سالم الغامدي
مكة المكرمة
الرحمة
1-الأصل في العبادات التوقيف. 2- تبرك الصحابة بجسد النبي صلى الله عليه وسلم. 3- هذا
التبرك خاص به صلى الله عليه وسلم دون سائر الناس. 4- حكم تتبع آثار النبي. 5- البركة في
بعض الأقوال والأماكن والأزمنة والأطعمة والأشربة.
أيها الإخوة: إنه مما ينبغي للمسلم معرفته هو أن أي قربة أو أي عبادة لا تقبل إلا بشرطين أساسيين:
أولًا: الإخلاص لله تعالى.
والثاني: المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم.
فبذلك يتضح أن أي عمل كانت النية فيه خالصة لله عز وجل ولم يكن موافقًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو عمل مردود غير مقبول، وأن أي عمل مشروع موافق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن دخله الشرك أو الرياء فهو عمل غير مقبول ومردود على صاحبه.
وأيضًا أيها الإخوة: هناك أصل شرعي عظيم ينبغي علينا معرفته وفهمه، وهو أن العبادات الأصل فيها المنع حتى يثبت الدليل بمشروعيته.
من هذا المنطلق سنتكلم اليوم عن مسألة أخطأ فيها كثير من الناس، ألا وهي مسألة التبرك بالأشخاص أو الجمادات أو الأمكنة أو الأزمنة، وسنتعرف على مشروعية هذه الأعمال وفقًا للأصول السابقة بموجب الأدلة الشرعية الثابتة الصحيحة. فالتبرك قضية عقدية جر مخالفتها إلى البدع والشرك.
أيها الإخوة: فلنبدأ بالتعرف على مسألة، مشروعية التبرك بالأشخاص، فالتبرك بذات النبي صلى الله عليه وسلم أمر ثابت النصوص الشرعية الصحيحة التي لا أستطيع سردها كلها، ولكن أشير إليها، فلقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون بشعر النبي صلى الله عليه وسلم وببصاقه وبسؤره وبوضوئه وبعرقه وبملابسه وآنتيه وما انفصل من جسده وما استعمله من آنية أو ملابس، قد جعل الله فيه من البركة ما يستشفى به ويرجى بسببه الفائدة في الدنيا والآخرة (مع الاعتقاد أن الواهب لهذا الخير والمعطي له هو رب السموات والأرض، وأن هذا لا ينفع إلا المؤمنين بالله المتبعين لرسوله صلى الله عليه وسلم) .
وهذا التبرك بذات النبي صلى الله عليه وسلم وما استعمله من آنية.
أيها الإخوة: انتهى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد فقد ما بقي من ثيابه أو شعره، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين الآن.
ولم يقم أحد من الصحابة بالتبرك بذوات أو عرق أو بصاق أو ملابس أو آنية أحد من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم كعلي بن أبي طالب أو الحسن أو الحسين أو العباس أو أبناء العباس أو أبناء جعفر رضي الله عنهم أجمعين، مما يدل على أن هذا أمر خاص بالنبي لا يجوز أن يقاس عليه أحد من آل بيته أو أزواجه أوالخلفاء الراشدين أو العشرة المبشرين بالجنة فضلًا عن غيرهم.
فالتبرك عبادة - ولو كان التبرك بغير رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوز لفعله خير خلق الله بعد الرسل، وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفعله كبار التابعين وأتباعهم ولفعله الأئمة الأربعة، فلما أطبقوا واتفقوا على تركه دل على عدم مشروعيته - أما التبرك بالأماكن التي مشى فيها النبي صلى الله عليه وسلم أو جلس فيها أو مسكها بيده أو صلى فيها اتفاقًا أو تحنث فيها قبل البعثة، فلم يثبت مشروعية التبرك بها أو الصلاة فيها قصدًا أو زيارتها لا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد خلفائه الراشدين.
يا أيها الإخوة: بعد نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم لم يصعد إلى غار حراء ولم يطلب من أصحابه فعل ذلك وقد جاء إلى مكة فاتحًا ولم يقل لأصحابه: انظروا إلى المكان الذي كنت أتحنث فيه، أو اذهبوا إلى غار ثور لتروا أين اختبأت أنا وأبو بكر ليلة الهجرة، ولم يفعل ذلك الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين، بل لقد قطع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشجرة التي في الحديبية التي تمت البيعة تحتها، حينما رأى الناس يذهبون إليها للتبرك عندها، ونهى الناس عن تحري الصلاة في مكان صلى به النبي صلى الله عليه وسلم وهو عائد إلى المدينة، وقال رضي الله عنه: (إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعًا، من أدركته الصلاة في هذا المسجد، أي المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم فليصل، ومن لا فليمض ولا يعتمدها) أي من مر بهذا المكان وكان وقت صلاة مفروضة فليصلِ الصلاة المفروضة مثله مثل أي مكان آخر، وأما قصد المكان بعينه للصلاة فيه تبركًا فممنوع.
فعلينا أيها الإخوة الاتباع في هذه المسائل ونبتعد عن التقليد الأعمى الذي قد يجرنا إلى الهاوية وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرًا وقال تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولًا.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أيها الإخوة: إن التبرك بالأقوال أو الجمادات أو الأزمنة التي ثبتت بركتها بالقرآن والسنة لا يكون إلا بالكيفية الثابتة الصحيحة.. فبركة ذكر الله عز وجل ثابتة بالقرآن والسنة، وهو من التبرك بالأقوال، وأفضل أنواع الذكر قراءة القرآن ثم التسبيح والتهليل والتكبير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، كلها أذكار يستحق قائلها غفران الذنوب ودخول الجنة، وتفريج الكربات، ونزول المطر، وكثرة الرزق والذرية، والشفاء من الأسقام والأمراض، وهذه البركة تكون لمن وفق في القيام بذكر الله على الوجه الشرعي الثابت الصحيح دون زيادة ولا نقص، وبالكيفية الثابتة الصحيحة دون زيادة أو نقص.. فما كان منه مطلقًا في كل وقت نقوله مطلقًا في كل وقت، وما كان منه مخصوصًا بعدد معين كأذكار ما بعد الصلوات نقوله بالعدد المعين أو ما كان منه مخصصًا بمكان معين، مثل الدعاء بين الركنين أثناء الطواف نقوله في مكانه، أو بزمان معين كأذكار الصباح أو أذكار المساء نقوله في وقته وهكذا.. فلا نخصص عددًا معينًا دون دليل ولا نخصص مكانًا لذكر الله دون دليل ولا نخصص زمانًا للذكر دون دليل.
إذا تقيدنا بذلك وأخلصنا النية لله حصلت لنا البركة في الدنيا والآخرة بإذن الله عز وجل.
أيها الإخوة: أما التبرك بالأمكنة فهناك أمكنة مباركة ثابتة بالقرآن والسنة ومنها المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى ثم المساجد المبنية بما يوافق الشرع، ولا يكون التبرك بها إلا بما هو مشروع وثابت، فيكون بالصلاة فيها والطواف بالكعبة، وحضور مجالس الذكر فيها، وحفظ القرآن ومدارسته وطلب العلم الشرعي، وليس التبرك بها بالتمسح بالأحجار أو التراب أو تقبيل الشبابيك والأبواب.
ولا تشد الرحال تقربًا إلى الله إلا إلى المساجد الثلاثة المعروفة، ولا يطاف بأي بناء أو مكان إلا بالكعبة المشرفة المباركة إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين. والتبرك بالكعبة المباركة بالطواف حولها والاتجاه إليها في صلاتنا ودعائنا، وليس بالتمسح بثوبها أو بشيء منها، ولا يستلم غير الركنين كما ثبت في السنة الصحيحة ومن الأمكنة المباركة مكة والمدينة والشام وتحصل البركة لمن سكنها إذا قام بحقوقها ورعاية حدود الله وشرعه في تعامله مع ساكنيها، أما من تعدى وطلب التبرك بها كأن يتمسح بترابها وأحجارها وأشجارها فإنه مأزور غير مأجور لأنه سلك في التبرك مسلكًا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدين ولا الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
وأيضًا: هناك أزمنة مباركة خصها الله عز وجل بزيادة فضل وبركة فمن تحرى الخير فيها وقام بما شرع له فيها من عبادة ناله من البركات العظيمة ما الله بها عليم.
ومن هذه الأزمنة شهر رمضان وليلة القدر والثلث الأخير من الليل ويوم الجمعة ويوم الاثنين والخميس والأشهر الحرم وعشر ذي الحجة ويوم عرفة، وهذه كلها لها أدلة شرعية ثابتة. وأما من خصص أزمنة معينة لزيادة عبادة أو قربة بدون دليل شرعي فهو مبتدع ضال والعياذ بالله.
وأختم خطبتي بذكر بعض الأطعمة المباركة ومنها زيت الزيتون، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة ) ). واللبن فإنه طعام وشراب مبارك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وارزقنا خيرًا منه، ومن سقاه الله لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإني لا أعلم ما يجزيء من الطعام والشراب إلا اللبن ) ).
وكذلك تمرة المدينة العجوة حيث صح في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر ) )وأيضًا العسل شراب فيه شفاء للناس، وماء زمزم ماء مبارك فهو طعام طعم، وهو لما شرب له، وماء المطر ماء مبارك قال الله تعالى: ونزلنا من السماء ماءً مباركًا وكان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يتعرضون بأجسامهم وثيابهم وآنيتهم للمطر لأنه ماء مبارك حديث عهد بربه، ولحصولنا على البركة من هذه المشروبات والمأكولات علينا التقيد بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته قولا وعملًا معتقدين أن كل ذلك بفضل الله ورحمته، فنحمده تعالى على ما أنعم به علينا، ونسأله أن يبارك لنا فيها، ونلتزم بما هو ثابت دون زيادة أو نقص.