الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن, قضايا المجتمع
عبد الكريم بن علي الشرفي
الجبيل الصناعية
جامع عمرو بن العاص
1-مصائب من حولنا حفظنا الله منها. 2- مصيبة انهيار الأسهم وآثارها. 3- تلاعب الأقوياء بالضعفاء في سوق الأسهم. 4- دروس وعبر من هذه الأزمة. 5- أسباب حل الأزمة.
أما بعد: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل في السر والعلن؛ فإنه من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .
أمة الإسلام، سمعنا كثيرًا عن صرعى المخدّرات وصرعى الشذوذ الجنسي، وحمى الله جل جلاله هذه البلاد وأهلها من هذه الأمراض الخطيرة، وسمعنا عن صرعى انهيار المساكن بسبب الزلازل والفيضانات، وحمى الله جل جلاله هذه البلاد وأهلها من هذه الكوارث، وسمعنا عن صرعى الحروب والأمراض الفتاكة، وحمى الله جل جلاله هذه البلاد من هذه الآفات، ونسمع عن صرعى مرض إنفلونزا الطيور، ونسأل الله أن يحمينا وجميع المسلمين من أخطارها.
وفي خلال الأسابيع الماضية إذ بنا نسمع ونفاجَأ في بلادنا بصرعى إنفلونزا خطير أشدّ خطرا من إنفلونزا الطيور، إنه إنفلونزا الأسهم الذي أصاب بلادَنا بسبب انهيار الأسهم، فإذا بنا نسمع بمن أصيب بسكتة قلبية وأمراض نفسية نتيجة هبوط أسعار الأسهم، وإذا بالاكتتاب ينقلب إلى اكتئاب حتى صار له الآثار السلبية على الصعيد النفسي والأسري والاجتماعي، قال أحد أخصّاء الطبّ النفسي:"إن العيادات النفسية انتعشت كثيرا خلال الأيام الماضية، واستقبلت حالات من ضحايا القلق والاكتئاب والتوتّر والانهيار العصبي"، يذكر أحد الإخوة في الصيدليات أنّ الإقبال شديد في هذه الأيام على أدوية القلَق والاكتئاب النفسي والمهدئات، بل لقد امتدّت موجة هبوط الأسهم لتقضي على أربعة مواطنين نتيجة تعرّضهم لأزمة قلبية بعد انهيار رؤوس أموالهم بين عشية وضحاها، وآخر قتل صديقَه رميا بالرصاص بسبب اختلافهم في مبالغ نقدية في إحدى المحافظ الاستثمارية، ومن أعجب قصص حالات الطلاق تقول إحدى الزوجات:"إن زوجها بدأ يقبل على ارتياد سوق الأسهم قبل عام، وطلب منها أن تبيع جميع ما تملك من الذهب، إضافة إلى اقتراضه من إحدى البنوك الربويّة، وبدأ يغيب عن عمله من أجل مراقبة سوق الأسهم، وفي خلال الثلاثة الأسابيع الماضية خسر كل ماله وأصبح مطالَب بردّ قرض البنك الربويّ؛ مما اضطره إلى بيع سيارته وبيته، وكثر الشجار بينهما نتيجة العصبية وانفعالاته النفسية الزائدة، ولا سيما بعد أن اعتاد ضرب زوجته أمام أطفالها، فطلبت منه الطلاق بعد زواج دام عشرة سنوات."
أيها الإخوة في الله، إن ما حدث في سوق الأسهم في بلادنا الأيام الماضية من انهيار أدى إلى حالة من الهلع والقلق والتذمّر والغضَب عند كثير من المرابين وغير المرابين في السوق يشبه كثيرًا ما حدث في الكويت قبل عشرين سنة تقريبًا"سوق المناخ"، ولكن الذي حصل في الكويت كارثة، بينما الذي حصل عندنا نُذُر، عندما كانت أسهم شركات وهميّة تطرح في السوق وأصبح البيع والشراء اسميًّا غير حقيقي، حتى وصل حجم المبالغ الاسميّة المتداولة تفوق بكثير حجم السيولة الموجودة في دولة الكويت.
ومن صور التلاعب الموجودة في سوق الأسهم ما يحصل أحيانًا من اتّفاق بين اثنين من كبار المساهمين في دخول اللعبه وإغراق السوق من جهة ورفعه من جهة أخرى، والمستفيد من ذلك هذين الهامورين. إنَّ ما يفعله بعض أرباب الأموال من خداع لصغار المساهمين حيث يُغرقون سوق الأسهم لأجل أن ينخفض سعر السهم ثم يأتي بعد ذلك ليشتريه بسعرٍ منخفض، فيكون هناك زيادة في الطلب، فيرتفع السعر بناءً على زيادة الطلب، كلّ هذه المضاربات بأنواعها ليس لها عائد ولا تنفع الأمة، وإنما هي استفادة وربح لنوعية معينه وهم كبار المساهمين على حساب صغار المساهمين. وأنا أشبّهه بعالم الأسماك في البحار، فالسمكة الكبيرة تأكل السمكة الصغيرة.
أيها الإخوة في الله، إن الإسلام بجميع قواعده وأصوله يحرم الضرر، قال: (( لا ضرر ولا ضرار ) ). وإن هذه المضاربات نتج عنها أضرار نفسية واجتماعية واقتصادية، وما حدث لكثير من المساهمين في خلال الأسابيع الماضية لخير شاهد على الآثار السيئة لهذه المعاملات وصورها، بالإضافة إلى تكديس رؤوس الأموال بجانب على حساب جانب آخر من المجتمع، فينحصر المال في يد زمرة من المرابين الذين تتضخّم أرصدتهم وتتنامى ثروتهم، ثم يضعونها في أيدي أعداء الأمة الإسلامية من اليهود والنصارى، وتولد الرأس مالية بصورة مقنَّنة، بينما تتعرض بلدان أصحاب الأموال للجفاف من السيولة النقدية ومن الكساد الاقتصادي، فينتج عن ذلك البطالة في المجتمع، ناهيك عمّا يترتب على هذه المعاملات المحرمة من قطع أوصال الأخوة والترابط بين أفراد المجتمع الواحد وحصول الفرقة والعداوة والبغضاء والشحناء بين أفراد المجتمع ونزع لروح التآلف والتراحم والتعاطف وسدّ لباب العمل في المكاسب الصحيحة، ولما فيه من ظلم للغير حيث يستولي المرابي على أتعاب المقترضين وجهدهم بغير حق.
أيها الإخوة في الله، لا بد أن نتَّعِظ ونعتبر بما يحلّ بمن قبلنا من أزمات ومصائب، وأن نأخذ منها الدروس والعبر لحلّ الأزمات، فنعتبر ونقرّ أن ما حلّ من انهيار للأسهم إنما هو بذنوبنا، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب:62] ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر:43] ، قانون من قوانين الله في هذا الكون: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] ، لا يغير الله الإنسان من نعيم إلى جحيم إلا إذا تغيّر من طاعة إلى معصية، ولا يغيره من جحيم إلى نعيم إلا إذا تغير من معصية إلى طاعة، قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53] ، ويقول النبي: (( إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) )، ويقول تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة:82] ، ويقول جل جلاله: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30] .
فمن الدروس والعبر ـ يا أمة الإسلام ـ أن من رحمة الله بعباده أنه لا يترك الناس هكذا سادرين في غيهم، وإنما يبتلهم ليحاسِبوا أنفسهم ويتوبوا إلى الله ويعودوا إلى الله، فقد يمنع الله عن بعض الناس الثراء والغنى رحمة بهم؛ حتى لا يزدادوا إثمًا ولا يزدادوا غيا وبطرًا، وصنف من الناس لولا هذا التضييق الإلهي لظلّوا في بطرهم وطغيانهم، وللجّوا في عصيانهم وإسرافهم، قال تعالى: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنون:75، 76] .
ونقول لإخواننا الذين أعلن إفلاسهم أو قلّ رصيدهم: هل تبتم إلى الله تعالى من التعامل بالربا؟! هل ندمتم على ضياع الصلوات والجماعات بسبب متابعة أسهم البنوك والشركات وتضييع الأمانات؟! هل صدقتم التوبة؟! هل عدتم إلى الله؟! هل ندمتم على ما فعلتم؟! هل تضرعتم إلى الله أم أن القلوب لا تزال منطوية؟! لو عادت الأموال وحُلّت الأزمة هل ستعودون إلى المقامرة وإلى الربا وإلى الدَّين والسَّلب والسرقة لأموال الناس والزوجات، أم أن حالهم سيكون كما قال الله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:2] ؟! والله تعالى قد يكشف هذه الأزمة، وبدأنا نرى بوادر كشفها، ولكن الله تعالى يقول: فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ [الزخرف:50] ، ويعلم الله إن فريقا سينكثون بعد كشف الأزمة عنهم لعلهم يعودون إلى الله كما قال تعالى: إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال:70] ، ونحمد الله تعالى أنه لم يعمّم العقاب، وإنما جعلها في أموالهم، فمنهم من أعلن إفلاسه، ومنهم من عاد برأس ماله، ومنهم من بقي مديونًا، ولو عمّ الله العقاب لهلكنا أجمعين، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] .
فالله جل جلاله ـ أيها الإخوة ـ عندما يأخذ يعطِي، وعندما يبتلي يعافي، فلا يزيد ذلك في ملكه شيئا، ولا ينقص من ملكه شيئا، إنما يريد منّا أن نعود إليه وأن نتوب إليه وأن نلجأ إليه.
جاء رجل إلى أحد العلماء وقال: إنني أصِبت بقحط عظيم، هلك الزرع وجفّ الضرع، قال له: استغفر الله، فجاءه آخر وقال: إن ولدي يموت، فقال: استغفر الله، فجاءه آخر وقال: أموالي تذهب وتجارتي تكسد، فقال: استغفر الله، وجاء رابع وقال: هلكت البساتين والحدائق وسقطت الثمار، فقال: استغفر الله، فقال أحد الجالسين: كلّهم تقول لهم: استغفروا الله، فقال: نعم، وهكذا الله تعالى قال في كتابه العزيز: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح:10-13] . فلماذا للأزمات لا ترجعون لله وقارًا؟! لماذا تصرّون على الذنب والمعصية حتى في لحظات الضعف والهزمات أمام الله القوي العزيز وهو القائل في كتابه: وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن:16] .
أيها الإخوة في الله، إن موسى عليه السلام تعرض هو وقومه لمثل هذا البلاء يوم أن خرج فرعون يقول للناس: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51] ، وقارون يخرج في زينته على الناس قائلا: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78] ، وضعفت نفوس بعض الناس حتى قال قائل منهم: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79] ، وبدأت الموازين تختلّ؛ مما جعل موسى يدعو على هذه الأموال أن تدمّر فقال موسى: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:88] ، فاستجاب الله جل جلاله دعوته: قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [يونس:89] ، فأرسل الله الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم لتجتاح الزروع والدور والقصور والأشجار والأنهار، قال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [الأعراف:133] ، وأما قارون فخسف الله به وبداره وأمواله الأرض، قال تعالى: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ [القصص:81] .
يا أمة الإسلام، إنا نعلم أن ما حلّ بساحاتنا ومجتمعنا بسبب أزمة الأسهم وفتنتها حتى دخلت في كل بيت، فالموظف ترك وظيفته، والعامل ترك عمله، والمهندس ترك مصنعه، والمدرس ترك مدرسته، وعم هذا البلاء جميع أصناف الناس، رجالا ونساء، كبارًا وصغارًا، حتى أصبح حديثهم في المجالس، بل وقع كثير منهم في المعاملات الربوية المحرمة إلا من رحم الله وقليل ما هم، وإذا بنا بدأنا نفتقد بعضا ممن نحسب فيهم الخير والصلاح في المساجد وحلقات العلم والدروس والمحاضرات وأعمال الخير، وانتشرت تجارة بيع الأسماء حتى غزت هذه الفتنة بيوت الناس.
ومن الدروس والعبر أن يعلم المبتلى أن ما حصل من ربح أو خسارة هو أمر قدريّ، ينبغي أن لا يكون فيه الفرح والحزن مخالفًا لقواعد الإيمان والتوكل على الله، وأن لا يؤدي إلى تجاوزات محرّمة تتعارض مع الإيمان بالقدر والصبر على البلاء، فلا يجزع إذا أصيب في ماله، ولا يبطر إذا وسع عليه في ماله، قال جل جلاله: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:23] .
وينبغي عدم القنوط من رحمة الله، والإيمانُ بقضاء الله وقدره، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51] ، ونتذكر أن الخسارة المادية أهون من خسارة الدّين، ونتذكر آلام المسلمين ومآسيهم وفجائعهم في أولادهم وأزواجهم وأموالهم وديارهم، وأن هذه أنواعٌ من الابتلاءات، فمن الناس من يبتلى بالمرض، ومن الناس من يبتلى بالخوف، ومن الناس من يبتلى بالموت، ومن الناس من يبتلى بالجوع، ومن الناس من يبتلى بالغنى، ومن الناس من يبتلى بالفقر، قال جل جلاله: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] ، وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ [البقرة:155] .
ومن الدروس والعبر التي نقتبسها من هذه الأزمة: النظرُ للجانب الإيجابي من الخسارة، فما خسِره الإنسان قد يكون مجرّد ابتلاء يكفّر الله به الذنوب، وقد يكون مالًا حرامًا نزعت منه البركة فكانت فرصة للتخلص منه، وقد تكون تجربة مؤقّتةً ينبّه الله العبد فيها أن لا يغترّ بالدنيا وزينتها، فيعود ويتوب إلى الله، قال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20] .
فلهذا ـ يا عباد الله ـ ينبغي أن يعلم الإنسان أن الهَوَس بالأسهم وغيرها من أمور الدنيا والعيش بهمّها لا ينفعه، بل قد يؤدي به إلى نتيجة كارثة، وعليه أن يتجنب أن يعطي هذه القضايا أكثر من حجمها، بل يرشدها ويسيطر عليها.
اللهم إنا نبرأ إليك من ذنوبنا ومعاصينا، اللهم لا تسلط علينا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
فاتقوا الله عباد الله، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281] ، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] .
فتوبوا إليه واستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا كما يحبّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: أيها الإخوة في الله، من أسباب حل هذه الأزمة الإيمانُ الصادق، قال تعالى: فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [يونس:98] ، فالإيمان بالله تعالى يكشِف الخزي في الحياة الدنيا، وهل هناك أخزَى من أن يصبح الإنسان يملِك المليارات ثم يمسي وقد أعلن إفلاسه؟!
ومن أسباب حل هذه الأزمة الاقتصادية تقوى الله عز وجل، قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2، 3] .
ومن أسباب حل الأزمات الاقتصادية تركُ الربا والابتعاد عن أكل الحرام، قال تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى [طه:81] . والربا جريمة اجتماعية، إذا تفشت في مجتمع من المجتمعات دمرته وقوضت بنيانه، قال ابن القيم:"إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن بهلاكها"، ويقول تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276] ، وفي الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود أن رسول الله قال: (( ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة ) ).
ومن أسباب حل الأزمات الاقتصادية أداءُ الزكاة، فبالزكاة تدفع النقم وتستجلب النعم، فالمال مال الله، والعبد وكيل عليه، يصرفه حيث أمر سيده ومالكه الحقيقي، فبإخراج الزكاة يؤدّي شكر نعمة المال، فيضاعفه الله له، قال تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39] .
ومن أسباب حل الأزمات الاقتصادية المحافظة على الصلوات وأمر الأهل والأبناء بالمحافظة عليها والصبر على ذلك، قال تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] .
أيها الإخوة في الله، بعض من يتداول الأسهم لم يعد يكترث بمواعيد الصلاة، خصوصًا صلاة المغرب التي تأتي ضمن فترة التداول المسائية، وإن أداها فيؤديها على عجل، والله أعلم بما في قلبه من خشوع.
سليمان عليه السلام يستعرض أعظم أمواله الخيول الصافنات الجياد، مرّت الخيول من أمامه فتتأخّر الصلاة ويمرّ وقتها وهو ينظر إلى الخيل، وعندما تذكّر وانتبه لما نسي ذكر الله، فكان علاج ذلك القلب الذي انشَغل عن ذكر الله أن أمر بإعادة الخيول ثم نحرها في سبيل الله، ولم يرض أن يتصدّق بها حيّة لأنّ القلب الذي التفت التفاتة يسيرة في لحظة من لحظات الضعف البشري لا يعالجه إلا العزم والحزم والعودة إلى الله بصدق بكامل القلب الإيماني، قال تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ [ص:30-33] .
ومن أسباب حل الأزمات الاقتصادية المداومة على ذكر الله تعالى؛ فعلى المسلم أن لا ينشغل بالأسهم والمعاملات والتجارة عن ذكر الله تعالى، قال عز وجل: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:37] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [المنافقون:9] .
ومن أسباب حل الأزمات الدعاء الصادق الخالص لله تعالى، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] ، وقال سبحانه: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] ، والرسول يعالج مثل هذه الأزمات عند أصحابه بمثل هذا الدعاء: (( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ) ).
ومن أسباب حل الأزمات التوبة والرجوع إلى الله وعدم اليأس من رحمته، قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] ، فينبغي أن لا ييأس المصابون بهذه الأزمة، فالله يفتح رصيدًا من الحسنات للتائبين بعدد الذنوب، إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقن:70] ، ويقول سبحانه: وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:268] ، واسع بيده خزائن السموات والأرض، لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [آل عمران:157] .
اللهم أغنِنا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عمن سواك، اللهم منَّ علينا بصلاح أحوالنا واستقامة أمورنا وصحة معاملاتنا، اللهم طهر قلوبنا وأموالنا وأعمالنا من الحرام يا رب العالمين...