الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير, مواعظ عامة
عبد الله بن محمد البصري
القويعية
جامع الرويضة الجنوبي
1-حقيقة الحياة الدنيا. 2- التحذير من الغفلة وطول الأمل. 3- ضلال أكثر الناس. 4- أركان النجاة والفوز. 5- فضل سورة العصر. 6- آثار الذنوب والمعاصي.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم ـ أَيُّها الناسُ ـ ونفسي بِتَقوَى اللهِ عز وجل، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلتَنظُرْ نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بما تَعمَلُونَ.
أَيُّها المُسلِمُونَ، الدُّنيا مَتَاعٌ زَائِلٌ وَلَذَّةٌ فَانِيَةٌ، وَالإِنسَانُ مخلُوقٌ ضَعِيفٌ وَعُمُرُهُ لحظَاتٌ، وَكُلٌّ يَغدُو فَبَائِعٌ نَفسَهُ فَمُعتِقُهَا أَو مُوبِقُهَا، فَأَمَّا مَن أَعطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاستَغنَى وَكَذَّبَ بِالحُسنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلعُسرَى وَمَا يُغنِي عَنهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ، يَا قَومِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجزَى إِلاَّ مِثلَهَا وَمَن عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ يُرزَقُونَ فِيهَا بِغَيرِ حِسَابٍ. عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رضي اللهُ عنه قال: جَاءَ جِبرِيلُ إلى النبيِّ فقال: يَا محمدُ، عِشْ مَا شِئتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعمَلْ مَا شِئتَ فَإِنَّكَ مَجزِيٌّ بِهِ، وَأَحبِبْ مَن شِئتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ.
نَعَمْ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، نَعِيشُ في هَذِهِ الدُّنيَا مُسَافِرِينَ، وَنَخرُجُ مِنهَا غَيرَ مُخَيَّرِينَ، وَنُدفَنُ مِن كُلِّ مَا اكتَسَبنَاهُ فِيهَا مُجَرَّدِينَ، وَالمُوَفَّقُ مَن وَفَّقَهُ اللهُ فَعَمِلَ صَالحًا وَدَعَا إِلى اللهِ وَكَانَ مِنَ المُسلِمِينَ، وَإِنَّ مِنَ الخَسَارَةِ وَالغَبنِ أَن يُوجَدَ أُنَاسٌ في هَذِهِ الحَيَاةِ ثم يَخرُجُونَ مِنهَا وَمَا عَرَفُوا وَظِيفَتَهُم وَمَا فَقِهُوا مُهِمَّتَهُم، يَعِيشُونَ لِيَأكُلُوا وَيَأكُلُونَ لِيَعِيشُوا، يَبنُونَ القُصُورَ وَيَعمُرُونَ الدُّورَ، وَيَتَزَوَّجُونَ الحَسنَاوَاتِ وَيَفرَحُونَ بِالبَنِينَ وَالبَنَاتِ، وَيحرِصُونَ على جمعِ الدُّنيَا وَيُنَافِسُونَ عَلَى حُطامِها، وَيُغرِقُونَ في طَلَبِ كَمَالِيَّاتِهَا وَتُلهِيهِم مُلهِيَاتُهَا، ثم لا يُفَاجَأُ أَحَدُهُم إِلاَّ بِالمَوتِ يختَطِفُهُ على غِرَّةٍ، وَإِذَا هَاذِمُ اللَّذَّاتِ يَنتَزِعُ رُوحَهُ على غَفلَةٍ، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قَالَ رَبِّ ارجِعُونِ لَعَلِّي أَعمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرزَخٌ إِلى يَومِ يُبعَثُونَ. وَإِذَا كَانَ النَّاسُ في تَعَامُلاتِهِمُ الدُّنيَوِيَّةِ يَخسَرُونَ ثم يَربَحُونَ فَإِنَّ خَسَارَةَ الدِّينَ وَخَسَارَةَ النَّفسِ في الآخِرَةِ هِيَ الخَسَارَةُ الحَقِيقِيَّةُ التي مَا بَعدَهَا رِبحٌ، وَهِيَ المُصِيبَةُ العُظمَى وَالطَّامَّةُ الكُبرَى وَالكَسرُ الذي لا يُجبَرُ وَالجُرحُ الذي لا يَبرَأُ، قال سُبحَانَهُ: قُلْ إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم وَأَهلِيهِم يَومَ القِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الخُسرَانُ المُبِينُ ، وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعبُدُ اللهَ عَلَى حَرفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتهُ فِتنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجهِهِ خَسِرَ الدُّنيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسرَانُ المُبِينُ.
وَإِنَّهُ لَمِن سُوءِ حَظِّ الإِنسَانِ أَنَّهُ خَاسِرٌ في الأَغلَبِ إِلاَّ مَن رَحِمَهُ اللهُ، ضَالٌّ في الأَعَمِّ إِلاَّ مَن هَدَاهُ اللهُ، قال سُبحَانَهُ: وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ ، وقال تعالى: وَإِن تُطِعْ أَكثَرَ مَن في الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُم إِلاَّ يَخرُصُونَ ، وقال جل وعلا: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ، وَلَكِنَّ اللهَ قَد جَعَلَ بِرَحمَتِهِ مِن ذَلِكَ الخُسرَانِ فَرَجًا، وَفَتَحَ بِمَنِّهِ مِن تِلكَ الضَّلالَةِ طَرِيقًا وَمَخرَجًا، قال جل وعلا: إِنَّا خَلَقنَا الإِنسَانَ مِن نُطفَةٍ أَمشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ، وقال سُبحَانَهُ: وَالعَصرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ ، فَاستَثنى مِن جِنسِ الخُسرَانِ الذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِجَوَارِحِهِم، فَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُون، قال سُبحَانَهُ: وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ ، وقال جل وعلا: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُم رَبُّهُم في رَحمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ المُبِينُ ، وقال تعالى: وَمَن يُؤمِن بِاللهِ وَيَعمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ ، وقال سُبحَانَهُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم جَنَّاتٌ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ ذَلِكَ الفَوزُ الكَبِيرُ.
إِنَّهُ الإِيمَانُ وَالعَمَلُ الصَّالحُ، إِنها الدَّعوَةُ إِلى اللهِ وَالصَّبرُ عَلَى الأَذَى، ذَلِكُم هُوَ طَرِيقُ فَوزِ الإِنسانِ وَرِبحِهِ وَمخرَجُ نَجَاتِهِ مِنَ الخَسَارَةِ، ذَلِكُم هُوَ مَنهَجُ المُسلِمِ في حَيَاتِهِ، وَتِلكُم هِيَ أَركَانُ عيشِهِ الحَقِيقِيَّةُ، إِيمَانٌ بِكُلِّ مَا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ ممَّا جَاءَ في كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، إِيمَانًا يُقِرُّ بِهِ القَلبُ وَيَنطِقُ بِهِ اللِّسَانُ وَتَعمَلُ بِهِ الأَركَانُ وَيَظهَرُ عَلَى الجَوَارِحِ وَيُصَدِّقُهُ عَمَلٌ صَالحٌ، وَلا يَكُونُ العَمَلُ صَالحًا إِلاَّ بِشَرطَينِ: أَن يَكُونَ خَالِصًا لِوَجهِ اللهِ، مُتَابَعًا فِيهِ رَسُولُ اللهِ، فَمَن أَشرَكَ أَو رَاءَى أو سَمَّعَ بِعَمَلِهِ فَلا أَجرَ لَهُ وَلا ثَوَابَ، بَل هُوَ عَلَى خَطَرٍ مِنَ الذَّنبِ وَالعِقَابِ، وَمَنِ ابتَدَعَ شَيئًا لم يَأتِ بِهِ رَسُولُ اللهِ أَو استَحسَنَ عَمَلًا لَيسَ مِن سُنَّتِهِ فَهُوَ مَردُودٌ عَلَيهِ غيرُ مَقبُولٍ منه، قال سُبحَانَهُ: فَمَن كَانَ يَرجُو لِقَاء رَبِّهِ فَليَعمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ، وقال سُبحَانَهُ: الَّذِي خَلَقَ المَوتَ وَالحَيَاةَ لِيَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ ، قَالَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ:"إِنَّ العَمَلَ إِذَا كان خَالِصًا ولم يَكُنَ صَوَابًا لم يُقبَلْ، وَإِذَا كان صَوَابًا وَلم يَكُنْ خَالِصًا لم يُقبَلْ، حتى يَكُونَ خَالِصًا وَصَوَابًا"، قال:"وَالخَالِصُ إِذَا كان للهِ عز وجل، وَالصَّوَابُ إِذَا كان على السُّنَّةِ". وعن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قال: قال رَسُولُ اللهِ: (( قَالَ اللهُ تبارك وتعالى: أَنَا أَغنى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّركِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أَشرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيرِي تَرَكتُهُ وَشِركَهُ ) )، وقال: (( إِنَّ أَخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمُ الشِّركُ الأَصغَرُ ) )، قالوا: وَمَا الشِّركُ الأَصغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: (( الرِّيَاءُ ) )، وقال سُبحَانَهُ: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ ، وقال عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: (( مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) )، وَعَنِ العِربَاضِ بنِ سَارِيَةَ رضي اللهُ عنه قال: وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ مَوعِظَةً وَجِلَت مِنهَا القُلُوبُ وَذَرَفَت مِنهَا العُيُونُ، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّهَا مَوعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوصِنَا، قال: (( أُوصِيكُم بِتَقوَى اللهِ وَالسَّمعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيكُم عَبدٌ، وَإِنَّهُ مَن يَعِشْ مِنكُم فَسَيَرَى اختِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيكُم بِسُنَّتي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُم وَمُحدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ ) )، وَعَن أَنسٍ رضي اللهُ عنه قال: قال رَسُولُ اللهِ: (( مَن رَغِبَ عَن سُنَّتي فَلَيسَ مِنِّي ) ).
وَبَعدَ الإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالحِ يَأتي التَّواصِي بِالحَقِّ وَالصَّبرِ عَلَيهِ، قال ابنُ كثيرٍ رحمه اللهُ:"وَتَوَاصَوا بِالحَقِّ وَهُوَ أَدَاءُ الطَّاعَاتِ وَتَركُ المُحَرَّمَاتِ، وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ أَيْ: عَلَى المَصَائِبِ وَالأَقدَارِ وَأَذَى مَن يُؤذِي ممَّن يَأمُرُونَهُ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَهُ عَنِ المُنكَرِ". وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ:"وَأَقسَمَ سُبحَانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالعَصرِ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ في خُسرٍ، إِلاَّ الذِينَ آمَنُوا وَهُمُ الذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ وَصَدَّقُوا بِهِ، فَهَذِهِ مَرتَبَةٌ، وَعَمِلُوا الصَّالحاتِ وَهُمُ الذِينَ عَمِلُوا بما عَلِمُوهُ مِنَ الحَقِّ، فَهَذِهِ مَرتَبَةٌ أُخرَى، وَتَوَاصَوا بِالحَقِّ وَصَّى بِهِ بَعضُهُم بَعضًا تَعلِيمًا وَإِرشَادًا، فَهَذِهِ مَرتَبَةٌ ثَالِثَةٌ، وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ صَبرُوا عَلَى الحَقِّ وَوَصَّى بَعضُهُم بَعضًا بِالصَّبرِ عَلَيهِ وَالثَّبَاتِ، فَهَذِهِ مَرتَبَةٌ رَابِعَةٌ، وَهَذَا نِهَايَةُ الكَمَالِ، فَإِنَّ الكَمَالَ أَن يَكُونَ الشَّخصُ كَامِلًا في نَفسِهِ مُكَمِّلًا لِغَيرِهِ، وَكَمَالُهُ بِإِصلاحِ قُوَّتَيهِ العِلمِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ، فَصَلاحُ القُوَّةِ العِلمِيَّةِ بِالإِيمَانِ، وَصَلاحُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِعَمَلِ الصَّالحاتِ، وَتَكمِيلُهُ غَيرَهُ بِتَعلِيمِهِ إِيَّاهُ وَصَبرِهِ عَلَيهِ وَتَوصِيَتِهِ بِالصَّبرِ عَلَى العِلمِ وَالعَمَلِ، فَهَذِهِ السُّورَةُ عَلَى اختِصَارِهَا هِيَ مِن أَجمَعِ سُوَرِ القُرآنِ لِلخَيرِ بِحَذَافِيرِهِ، وَالحَمدُ للهِ الذِي جَعَلَ كِتَابَهُ كَافِيًا عَن كُلِّ مَا سِوَاهُ، شَافِيًا مِن كُلِّ دَاءٍ، هَادِيًا إِلى كُلِّ خَيرٍ"انتهى كلامُهُ.
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، كِتَابٌ أَنزَلنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلبَابِ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تعالى وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنَهيَهُ وَلا تَعصُوهُ، وَاتَّقُوا اللهَ وَاعلَمُوا أَنَّكُم مُلاقُوهُ.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ سَورَةَ العَصرِ مَنهَجٌ كَامِلٌ لِمَن أَرَادَ أَن يحيا الحيَاةَ التي أَرادَهَا اللهُ مِنهُ حِينَ خَلَقَهُ، حَيثُ قال سُبحَانَهُ: وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونِ. وَوَاللهِ، لَو عَمِلَ المُسلِمُونَ بِهَذِهِ الأَركَانِ الأَربعَةِ لِلحَيَاةِ لَوَجَدُوا لِحَيَاتِهِم طَعمًا وَلِعَيشِهِم مَعنًى، ذَلِكَ أَنَّهُ لا حَيَاةَ مُنَعَّمَةً وَلا عَيشَ صَافِيًا إِلاَّ بِالإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالحِ وَالدَّعوَةِ إِلى اللهِ وَالصَّبرِ وَاليَقِينِ، قال سُبحَانَهُ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلم يَلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدُونَ ، وقال سُبحَانَهُ: وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيَامَةِ أَعمَى ، وقال تعالى: وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنَا عَلَيهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ.
نَعَمْ أَيُّهَا الإِخوَةُ، لَو آمَنَ النَّاسُ إِيمَانًا صَادِقًا جَازِمًا يُخلِصُونَ فِيهِ للهِ وَيَسِيرُونَ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، لَوِ اتَّقُوا رَبَّهُم بِفِعلِ أَوَامِرِهِ وَتَركِ نَوَاهِيهِ، لَو تَآمَرُوا بِالمَعرُوفِ وَتَنَاهَوا عَنِ المُنكَرِ وَنَصَحَ بَعضُهُم بَعضًا لَوَجَدُوا بَرَكَةَ ذَلِكَ في أنَفُسِهِم وَأَولادِهِم وَأَموالِهِم وَأَرزَاقِهِم، وَلَكِنَّ الوَاقِعَ يَشهَدُ بِضَعفٍ في الإِيمَانِ وَخَلَلٍ في العَقِيدَةِ وَتَهَاوُنٍ في صَالحِ الأَعمَالِ وَتَغَافُلٍ عَنِ الدَّعوَةِ إِلى اللهِ وَتساهُلٍ في الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ وَقِلَّةٍ في الصَّبرِ وَضَعفٍ في اليَقِينِ، وَمَن يُقَلِّبْ بَصَرَهُ فِيمَن حَولَهُ يَعلَمْ ذَلِكَ وَيَجِدْهُ وَيَلمَسْهُ، وَِإلاَّ فَمَا الذِي جَعَلَ لِلسِّحرِ في هَذَا الزَّمَانِ انتِشَارًا وَلِقَنَوَاتِهِ قَبُولًا، إِنْ لم يَكُنِ السَّبَبُ هو ضَعفَ الإِيمَانِ وَضُمُورَ التَّوحِيدِ وَقِلَّةَ التَّوَكُّلِ وَالاعتِمَادِ عَلَى اللهِ فَمَا هُوَ إِذًا؟! لماذا يُستَهزَأُ بِشَرَائِعِ الدِّينِ في القَنَوَاتِ وَالجَرَائِدِ وَالمَجَلاَّتِ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَعَامَلُ مَعَهَا النَّاسُ؛ يَشتَرُونها بِأَموَالِهِم وَيُذهِبُونَ في مُطَالَعَتِهَا أَوقَاتَهُم وَيُرخِصُونَ في مُتَابَعَتِهَا مَاءَ أَعيُنِهِم وَيُسَمِّمُونَ بِغُثَائِهَا قُلُوبَهُم؟! مَا الذِي جَعَلَ المُسلِمِينَ يَقِلُّونَ في صلاةِ الجَمَاعَةِ وَخَاصَّةً صَلاتَيِ الفَجرِ وَالعَصرِ؟! لماذا يَتَعَدَّى النَّاسُ حُدُودَ اللهِ في زِيجَاتِهِم وَأَفرَاحِهِم وَمُنَاسَبَاتِهِم؟! لماذا يَسمَحُونَ لِنِسَائِهِم بِالتَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ؟! لماذا يُحضِرُ بَعضُهُم المُغَنِّينَ وَالمُغَنِّيَاتِ بِآلافِ الرَّيَالاتِ؟! لماذا يُسرِفُونَ في الوَلائِمِ وَيُبَالِغُونَ في المُهُورِ؟! تَضيِيعُ الأَمَانَةِ وَتَركُ الحَبلِ على الغَارِبِ لِلأَبنَاءِ وَالبَنَاتِ وَالزَّوجَاتِ، وَالسَّفَرُ لِلخَارِجِ في الإِجَازَاتِ لاقتِرَافِ الكَبَائِرِ وَالمُنكَرَاتِ، الصُّوَرُ الفَاضِحَةُ وَالمَقَاطِعُ الفَاحِشَةُ التي تُتَنَاقَلُ في الجَوَّالاتِ، التَّهَاجُرُ وَالتَّقَاطُعُ وَالتَّنَافُسُ على حُطَامِ الدُّنيَا، التَّحَايُلُ وَالكَذِبُ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَالتَّعَامُلُ بِالرُّشوَةِ، الغَدرُ في العُهُودِ وَعَدَمُ الوَفَاءِ بِالعُقُودِ، أَكلُ الرِّبَا وَالإِغرَاقُ في المُسَاهمَاتِ المَشبُوهَةِ، كُلُّ هَذِهِ المُنكَرَاتِ وَغَيرُهَا مَا الذِي سَهَّلَهَا وَهَوَّنَ عَلَى النَّاسِ فِعلَهَا؟! إِنَّهُ ضَعفُ الإِيمَانِ، إِنَّهُ ضُمُورُ التَّوحِيدِ، إِنَّهُ الجَهلُ بِالشَّرعِ، إِنَّهُ تَركُ الدَّعوُةِ إِلى اللهِ وَعَدَمُ التَّآمُرِ بِالمَعرُوفِ وَالتَّنَاهيِ عَنِ المُنكَرِ، إِنَّهُ استِعجَالُ اللَّذَائِذِ الدُّنيَوِيَّةِ الفَانِيَةِ وَقِلَّةُ الصَّبرِ عَلَى الطَّاعَةِ وَطَلَبِ البَاقِيَةِ.
أَلا فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَآمِنُوا بِهِ، وَاعمَلُوا صَالحًا يُنجِيكُم مِن عَذَابٍ أَلِيمٍ، يَا قَومَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغفِرْ لَكُم مِن ذُنُوبِكُم وَيُجِرْكُم مِن عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَن لا يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيسَ بِمُعجِزٍ في الأَرضِ وَلَيسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ. آمِنُوا بِاللهِ وَاعمَلُوا صَالحًا، وَادعُوا غَيرَكُم بِأَلسِنَتِكُم وَبِأَموَالِكُم، كُونُوا قُدُواتٍ حَسَنَةً لِغَيرِكُم، وَاصبِرُوا على ما تَلقَونَهُ في سَبِيلِ أَمرِكُم بِالمَعرُوفِ وَنَهيِكُم عَنِ المُنكَرِ، حَافِظُوا عَلى تَرَابُطِ المُجتَمَعِ وَوَحدَةِ صَفِّهِ، شَارِكُوا في كُلِّ مَا فِيهِ نَفعٌ لِلمُسلِمِينَ أَو تَفرِيجٌ لِكُرُبَاتِ المَكرُوبِينَ أَو دَعوَةٌ لِلجَاهِلِينَ وَتَذكِيرٌ لِلغَافِلِينَ، اِدعَمُوا الدُّعَاةَ وَمُعَلِّمِي القُرآنِ، سَاهِمُوا في دَعمِ مَكَاتِبِ الدَّعوَةِ وَالجَمعِيَّاتِ الخَيرِيَّةِ، اِعمَلُوا على نَشرِ حَلَقاتِ التَّحفِيظِ وَدُورِ التَّحفِيظِ النِّسَائِيَّةِ، تَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى، لِيُقَدِّمِ المَرءُ لِنَفسِهِ وَلَو قَلِيلًا يَجِدْهُ عِندَ رَبِّهِ كَثِيرًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوا عَنهُ وَأَنتُم تَسمَعُونَ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعنَا وَهُم لاَ يَسمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ البُكمُ الَّذِينَ لاَ يَعقِلُونَ وَلَو عَلِمَ اللهُ فِيهِم خَيرًا لأسمَعَهُم وَلَو أَسمَعَهُم لَتَوَلَّوا وَهُم مُعرِضُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا استَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لما يُحيِيكُم وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَينَ المَرءِ وَقَلبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيهِ تُحشَرُونَ وَاتَّقُوا فِتنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُم خَاصَّةً وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ وَاذكُرُوا إِذْ أَنتُم قَلِيلٌ مُستَضعَفُونَ في الأَرضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُم وَأَيَّدَكُم بِنَصرِهِ وَرَزَقَكُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُم وَأَنتُم تَعلَمُونَ وَاعلَمُوا أَنَّمَا أَموَالُكُم وَأَولاَدُكُم فِتنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجرٌ عَظِيمٌ يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللهَ يَجعَلْ لَكُم فُرقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِرْ لَكُم وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ.