فهرس الكتاب

الصفحة 4426 من 5777

تأملات في سورة فاطر

الإيمان, العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير, الملائكة, خصال الإيمان

أمير بن محمد المدري

عمران

مسجد الإيمان

1-كل ضيق وكرب سلاحه الإيمان والتقوى. 2- وقفات مع آيات من سورة فاطر. 3- صور من لطف الله ورحمته بأنبيائه. 4- أسباب تنال بها رحمة الله.

أما بعد: عباد الله ، إن كل مشكلة وكل معضلة وكل ضيق وكرب سلاحه الإيمان والتقوى ، قال جل وعلا: وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [ آل عمران: 120 ] ، وقال: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا [ الطلاق: 2 ] ، وقال: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [ الطلاق: 4 ] ، وقال: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [ الطلاق: 5 ] ، وقال: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [ ا لأ عراف: 96 ] . هذا وعد الله، ومن أصدق من الله قيلا؟! ومن أصدق من الله حديثا؟! اللهم اجعلنا من عبادك المتقين الأبرار.

عباد الله ، سنقف وإياكم مع آيات من سورة مباركة ، إنها سورة فاطر، إنها سورة مكية، تنطلق لتحقق أهداف السورة المكية، فتبني العقيدة وتغرس مكارم الأخلاق وتتحدث عن توحيد الملك الخلاق جل وعلا.

تبدأ السورة المباركة بـ (الحمدُ لله) ، الكلمة العظيمة المباركة كما قال المصطفى: (( والحمد لله تملأ الميزان ) ). تبدأ السورة بـ (الحمد لله) كما بدأت سورة الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:1] ، الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير [سبأ:1] . فما ذُكر الله بأفضل من الحمد، فالحمد كله راجع إلى الله وحده.

و (الحمد لله) هي العبادة الوحيدة التي تستمرّ في الآخرة؛ ففي جنة الله يقول المؤمنون كما قال تعالى: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر:34، 35] ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43] . الله أكبر! فأهل الجنة لا يصلون ولا يصومون، ولكنهم يحمدون الله ويلهمون التحميد كما يلهمون النفس.

عباد الله، المؤمن يحمد الله على كل حال، وبالتالي لا يحزن عليه حبيب؛ لأنه يأتيه دائمًا وهو حامدٌ لله عز وجل، لا يشكو حاله، ولا يشمت عليه عدو؛ لأنه حامد راض بما قسم الله له وبما ابتلاه.

الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [فاطر:1] ، فهو سبحانه مبدع وخالق السماوات والأرض على غير مثال، منشئ هذه الخلائق كلها التي نرى بعضها من فوقنا ومن تحتنا، والتي لا نعرف منها إلا القليل.

أيها المسلمون، لا يحتاج القلب الموصول بالله إلى علم دقيق بمواقع النجوم في السماء وأحجامها ومساراتها ليستشعر الرهبة والروعة في هذا الخلق العظيم. المؤمن يكفيه مشهد واحد ليوحد الله ويحمده ويسبحه، مشهد النور الفائض في الليلة الظلماء، أو مشهد الغروب الزاحف في الظلام الموحي بالوداع والانتهاء، بل يكفي المؤمن زهرة واحدة يتأمل في ألوانها وأصباغها وتشكيلها وتنسيقها ليسّبح الله المبدع.

تأمل فِي نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك

على كثب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريكُ

فيا عجبًا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحدُ

وفِي كل شيءٍ له آيةٌ تدل على أنّه الواحد

الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ ، بعضهم له جناحان، وبعضهم له أربع، يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ من فخامة الأجسام وتفاوت الأشكال والأجنحة. قال تعالى: فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ [فصلت:38] ، وقال تعالى: عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .

وقد رأى النبي جبريل ليلة الإسراء وله 600 جناح، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب، وقال: (( أطّت السماء وحُق لها أن تئط؛ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد لله وراكع ) ).

عباد الله، إن لله ملائكة منذ خلقهم وهم ساجدون، ولله ملائكة منذ خلقهم وهم راكعون، فإذا ما قامت القيامة قالوا: يا رب، سبحانك ربنا ما عبدناك حقّ عبادتك، سبحانك ربنا ما شكرناك حق شكرك، سبحانك ربنا ما قدرناك حق قدرك، سبحانه جل وعلا يزيد في الخلق ما يشاء. خلق آدم من غير أبٍ ولا أم، خلق حواء من أب دون أم، وخلق عيسى من أم بلا أب، خلقنا جميعًا من أم وأب، وجعل أمًا وأبًا ولكن يجعل من يشاء عقيمًا.

فالله يزيد في الخلق ما يشاء، يزيد من بعض الجوارح عند بعض الناس ما يشاء، فمن الناس من يعلم أكثر مما يعلم الناس، ومنهم من يسمع أكثر مما يسمع الناس، يرى أكثر مما يرى الناس، يشم أكثر مما يشم الناس، سبحان من قسم الحظوظ فلا اعتراض ولا ملامة.

قال تعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر:2] . نعم، إنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد.

عباد الله، هذه الآية حين تستقر في قلب المؤمن سيتم التحول العجيب في كل شيء؛ لأن هذه الآية تقطعه عن كل قوّة في السماوات والأرض، وتصله بقوة الله وحده، وتُيئِّسه من كل من في السماوات والأرض، وتصله برحمة الله.

هذه الآية ـ عباد الله ـ تغلق أمام العبد كل باب في السماوات والأرض، وتفتح أمامه باب الله الذي يملك كل شيء وبيده خزائن كل شيء، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

وبعد:عباد الله، ورحمة الله تتجلى في كل شيء، ينام الإنسان على الشوك مع رحمة الله فإذا هو مهاد فيه كلّ الراحة، وينام الإنسان على الحرير وقد أمسكت عنه رحمة الله فإذا هو شوك وألم. سبحان الله! يعالج الإنسان أعسر الأمور مع رحمة الله فإذا هي أيسر الأمور، وقد تخلت عنه رحمة الله فإذا هي من أعسر الأمور وأشقّها.

عباد الله، اعلموا أنه لا ضيق مع رحمة الله، لا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب الجب أو في شعاب الهلاك. فهؤلاء أصحاب الكهف خرجوا من قصورهم التي ما وجدوا فيها رحمة الله وانطلقوا في رحاب الله إلى الكهف، قال تعالى: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا [الكهف:16] .

وها هو ابن القيم يقول:"كنا إذا ضاقت علينا الدنيا انطلقنا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وهو في سجنه، فنستمع إلى ذكر الله فيفرّج الله علينا همنا". شيخ الإسلام ابن تيمية الذي حُبس وسُجن والسجان يغلق الباب وهو يقرأ قول تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13] ، ابن تيمية الذي قال:"ما يفعل أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، وصدري في يدي ربي".

عباد الله، المال والولد والزوجة والقوة والجاه والسلطان تصبح مصادر قلق وتعب ونكد إذا أمسِكت عنها رحمة الله، فإذا فتح الله أبواب رحمته كان فيها السكن والسعادة والطمأنينة. يبسط الله الرزق مع رحمته فإذا هو متاع طيب ورخاء في الدنيا وزاد في الآخرة، ويمسك رحمته جل وعلا فإذا الرزق مصدر قلق وحسد وبغضٍ وبخل. يمنح الله الذرية مع رحمته فإذا هي في الحياة زينة ومصدر فرح واستمتاع ومضاعفة الأجر وخلف صالح، ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاء ونكد وشقاء وتعب. يهب الله القوّة والصحّة مع رحمته فإذا هي نعمة وحياةٌ طيبة وتلذذ بالحياة، ويمسك رحمته فإذا الصحة والقوّة بلاء يحطم الجسم ويفسد الروح. اللهم امنحنا رحمتك في كل شيء. يعطي الله السلطان والجاه مع رحمته فإذا هما أداة إصلاح ومصدر أمن، ويمسك رحمته فإذا هما مصدر قلق على فوتهما ومصدر طغيان وبغي بهما.

رحمة الله وجدها إبراهيم عليه السلام وهو في النار، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] . النار سبب والله رب الأسباب، النار تحرق لكن الله جعلها لا تحرق. رحمة الله وجدها يوسف عليه السلام وهو في غيابت الجُب. رحمة الله وجدها يونس عليه السلام وهو في ظلمات ثلاث، في بطن الحوت وفي ظلمة البحر وفي ظلمة الليل، فانطلق بالتسبيح، فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاّ إِلَهَ إِلاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] . رحمة الله وجدها كليم الله موسى وهو طفل مجرّد من كل قوّة في اليمّ لكن معه رحمة الله ترعاه.

عباد الله، لو غرست هذه الحقيقة في قلب المؤمن لأصبح كالطود الشامخ أمام كل شيء، لا يخاف أحدًا إلا الله، ولا يرجو إلا ثواب الله، ولا يسأل أحدًا إلا الله، ولا يستعين الا بالله، شعاره: وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:107] .

نعم، إنها آية واحدة من القرآن تفتح طريقًا للنور، وتفجر ينبوعًا من الرحمة، وتشق طريقًا ممهدًا إلى الرضا والثقة والطمأنينة والسعادة.

أيها المسلمون، رحمة الله وسعت كل شيء، لكن لا تُنال هذه الرحمة إلا بأمور، منها:

أولًا: الإحسان في كل شيء، الإحسان في العبادة، الإحسان في الصلاة، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. الإحسان في المعاملة مع الناس، الإحسان إلى الناس في دعوتهم إلى الخير، قال تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56] .

ثانيًا: تنال رحمة الله بالتقوى والزكاة والإيمان بالله واتباع محمد ، قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:156، 157] .

ثالثًا: تُنال رحمة الله برحمة الآخرين، فالراحمون يرحمهم الرحمن، ومن لا يرحم لا يُرحم. ولقد دعا النبي لأناس بالرحمة، ف قال: (( رحم الله رجلا سمحًا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحًا إذا قضى ) )، وقال: (( رحم الله رجلا صلى قبل العصر أربعًا ) ).

اللهم ارحمنا أجمعين، وأدخلنا في رحمتك، وامنحنا رحمتك في كل شيء، وأدخلنا دار رحمتك يا رب العالمين. اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، بفضلك عمن سواك، وبطاعتك عن معصيتك. اللهم قوّ إيماننا، وارفع درجاتنا، وتقبل صلاتنا يا رب العالمين.

هذا وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت