فهرس الكتاب

الصفحة 3805 من 5777

فضل الجهاد في سبيل الله 1

العلم والدعوة والجهاد

القتال والجهاد

فرج بن حسن البوسيفي

بنغازي

الأرقم بن أبي الأرقم

1-استمرار فريضة الجهاد إلى يوم القيامة. 2- ما جاء من الأحاديث في فضل الجهاد. 3- من مواقف الصحابة في الجهاد.

بعد: فإن الحق سبحانه كما أمرنا بأداء الواجبات من صلاة وصيام وزكاة وحج أوجب علينا مقاتلة الكفار، وجعل النبي حكم المقاتلة هذا قائما إلى قيام الساعة، فقد جاء في الصحيح: (( لا تزال طائفةٌ من أمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة ) ).

ومما جاء في صحيح السنة في الترغيب في قتال الكفار ما رواه أبو سعيد الخدري قال: أتى رجل رَسُول اللَّهِ فقال: أي الناس أفضل؟ قال: (( مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه ) )، قال: ثم من؟ قال: (( مؤمن في شعب من الشعاب يعبد اللَّه ويدع الناس من شره ) ). وعن سهل بن سعد أن رَسُول الله قال: (( رباط يوم في سبيل اللَّه خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل اللَّه تعالى أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها ) ). وعن سلمان قال: سمعت رَسُول اللهِ يقول: (( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه أجري عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان ) )أي: أمن سؤال القبر. وعن فضالة بن عبيد أن رَسُول اللهِ قال: (( كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل اللَّه، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ـ أي: يضاعف عمله الصالح ولا يتوقف رصيده من الخير إلى يوم القيامة ـ ، ويؤمن فتنة القبر ) ). وعن عثمان قال: سمعت رَسُول اللهِ يقول: (( رباط يوم في سبيل اللَّه خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل) ). وعن أبي هريرة قال: قال رَسُول اللَّهِ: (( تضمن اللَّه لمن خرج في سبيله لا يخرج إلا جهادًا في سبيلي وإيمانًا بي وتصديقًا برسلي فهو ضامن عليّ أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه بما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يكلم ـ أي: جرح يجرح ـ في سبيل اللَّه إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم؛ لونه لون دم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل اللَّه أبدًا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده، لوددت أن أغزو في سبيل اللَّه فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل ) ).

ووعد النبي ـ وهو الصادق المصدوق ـ وعد بالجنة من قاتل في سبيل الله ولو مقدار لحظة فقط، فقد جاء عن معاذ عن النبي قال: (( من قاتل في سبيل اللَّه من رجل مسلم فواق ناقة ـ أي: قدر ما بين الحلبتين ـ وجبت له الجنة، ومن جرح جرحًا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت؛ لونها الزعفران وريحها كالمسك ) ).

ونبّه أمّته إلى أن فضل الجهاد لا يساويه الانقطاع للعبادة مدة سبعين سنة، فعن أبي هريرة قال: مرّ رجل من أصحاب رَسُول اللَّهِ بشعب فيه عُيينة من ماء عذبة فأعجبته، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رَسُول اللَّهِ ، فذكر ذلك لرَسُول اللَّهِ فقال: (( لا تفعل؛ فإن مقام أحدكم في سبيل اللَّه أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر اللَّه لكم ويدخلكم الجنة؟! اُغْزُوا في سبيل اللَّه، من قاتل في سبيل اللَّه فواق ناقة ـ أي: قدر ما بين الحلبتين ـ وجبت له الجنة ) ).

وسئل رسول الله: ما يعدل الجهاد في سبيل اللَّه؟ قال: (( لا تستطيعونه ) )، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: (( لا تستطيعونه ) )، ثم قال: (( مثل المجاهد في سبيل اللَّه كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل اللَّه ) ).

وبيّن أن أفضل الناس في آخر الزمان ـ كما جاء ذلك صريحًا في بعض الروايات ـ من يقاتل في سبيل الله، ومن فرّ بدينه من الفتن، قال: (( من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه؛ يبتغي القتل أو الموت مظانه، أو رجل في غنيمة أو شعفة من هذه الشعف أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير ) ). وقال: (( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل اللَّه، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ) ). وعن أبي سعيد الخدري أن رَسُول اللهِ قال: (( من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا وجبت له الجنة ) )، فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدْها عليّ يا رَسُول اللهِ، فأعادها عليه، ثم قال: (( وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ) )، قال: وما هي يا رَسُول اللهِ؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله ) ). وقال: (( ما اغبرّت قدما عبد في سبيل الله فتمسّه النار ) )، وقال: (( لا يلج النار رجل بكى من خشية حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم ) )، وقال: (( عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) )، ولقد بشّر النبي من يعجز عن الجهاد بأنه إن جهز غازيًا فله أجر من غزا، قال: (( من جهّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا ) ).

ما ذكرته لكم من فضل مقاتلة الكفار وفضل الجهاد في سبيل الله غيض من فيض، ومن يقرأ كتاب الله يجد الآيات بل السور بأكملها ترغّب في القتال، ولقد حفظ التاريخ لصحابة رسول الله مواقفهم الشجاعة في الدفاع عن حرمة الدين وأهله.

فمن هذه المواقف ما جاء عن أنس قال: انطلق رَسُول اللهِ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رَسُول اللهِ: (( لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه ) )، فدنا المشركون، فقال رَسُول اللهِ: (( قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض ) )، قال: يقول عُمَير بن الحمام الأنصاري: يا رَسُول اللهِ، جنة عرضها السماوات والأرض؟! قال: (( نعم ) )، قال: بخ بخ! فقال رَسُول اللهِ: (( ما يحملك على قولك: بخ بخ؟ ) )قال: لا والله يا رَسُول اللهِ، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: (( فإنك من أهلها ) )، فأخرج تمرات من قرنه ـ جُعبة النشاب ـ فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل.

وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: وقال رَسُول اللهِ: (( إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف ) )، فقام رجل رثّ الهيئة فقال: يا أبا موسى، أأنت سمعت رَسُول اللهِ يقول هذا؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه ـ أي: غمد سيفه ـ فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قُتل.

وقال أنس بن مالك: غاب عمّي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رَسُول اللهِ، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن اللَّه أشهدني قتال المشركين ليرينّ الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة وربّ النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت ـ يا رَسُول اللَّهِ ـ ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب:23، 24] .

وعن أنس أن أم الربيع بنت البراء ـ وهي أم حارثة بن سراقة ـ أتت النبي فقالت: يا رَسُول اللهِ، ألا تحدثني عن حارثة؟ ـ وكان قتل يوم بدر ـ فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، فقال: (( يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى ) ).

قال ابن عمر: عُرضت على رسول الله يوم بدر فاستصغرني فلم يقبلني، فما أتت عليّ ليلة قط مثلها من السهر والحزن والبكاء إذ لم يقبلني رسول الله ، فلما كان من العام المقبل عُرضت عليه فقبلني، فحمدت الله على ذلك.

قال رجل: يا أبا عبد الرحمن، توليتم يوم التقى الجمعان؟! قال: نعم، فعفا الله عنا جميعًا، فله الحمد كثيرًا.

قال عمر لجلسائه: أي الناس أعظم أجرًا؟ فجعلوا يذكرون له الصوم والصلاة ويقولون: فلان وفلان بعد أمير المؤمنين، فقال: ألا أخبركم بأعظم الناس أجرًا ممن ذكرتم ومن أمير المؤمنين؟! قالوا: بلى، قال: رويجل بالشام آخذ بلجام فرسه يكلأ من وراء بيضة المسلمين، لا يدري أسبع يفترسه أم هامة تلدغه أو عدو يغشاه، فذلك أعظم أجرًا ممن ذكرتم ومن أمير المؤمنين.

ولما حضر خالدَ بن الوليد الوفاةُ قال: لقد طلبت القتل فلم يقدّر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتّها وأنا متترّس والسماء تمطر إلى الصبح حتى نغير على الكفار. ثم قال: إذا أنا متّ فانظروا سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله.

عن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41] ، فقال: ألا أرى ربي يستفزني شابًّا وشيخًا؟! جهّزوني. فقال له بنوه: قد غزوت مع رسول الله حتى قُبض، وغزوت مع أبي بكر حتى مات، وغزوت مع عمر، فنحن نغزو عنك، فقال: جهزوني. فجهزوه وركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد سبعة أيام، فلم يتغير.

قال أبو إسحاق: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا، لأن الله عز وجل بعث محمدًا فقال: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا [النساء:84] إنما هو في النفقة.

قال أسلم أبو عمران: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، فخرج صفٌّ عظيم من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على صفّ الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب صاحب رسول الله فقال: يا أيها الناس، إنكم تتأوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعزّ الله دينه وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سِرًّا دون رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعزّ الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع فيها، فأنزل الله على نبيه يردّ علينا ما قلنا: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195] ، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو.

قيل للبراء بن عازب: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195] هو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل؟ قال: لا، ولكن هو الرجل يُذنب فيلقي بيديه، فيقول: لا يغفر الله لي أبدًا.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت