فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب, خصال الإيمان
محمد بن عبد الجواد الصاوي
جدة
جامع الراجحي الجديد
1-معنى التوكل. 2- أثر التوكل في نفس المؤمن. 3- التوكل الحق قرين الجهد والعمل. 4- عوائق التوكل وموانعه. 5- الفرق بين التوكل والتواكل. 6- ثمرة التوكل على الله عز وجل. 7- صور من توكل الأنبياء على الله عز وجل.
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى وتوبوا إليه.
أيها المسلمون، يطالعنا الإعلام هذه الأيام بكلمة تتردد كثيرًا على الأسماع، كلمة عاش الكثير من الناس مبناها دون معناها، فُهمت على غير مرادها كثيرًا، وكثيرًا ما فهمت ولم يعمل بها.
روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا جاء إلى النبي ومعه ناقته فقال: أعقلها وأتوكل، أم أتركها وأتوكل؟ قال النبي: (( اعقلها وتوكل ) ).
أيها الإخوة، لقد رجعت أحوال كثير من المسلمين إلى التخلف والضعف؛ لأنهم لم يعيشوا مع أوامر النبي قلبًا وقالبًا، وإنما عاشوها كلمات مجردة ولم يقيموها في حياتهم.
إن التوكل ـ أيها الفضلاء ـ ليس مَدعاة أبدًا للكسل والخور والضعف، أو أنه مدعاة للتهوُّر والطيش، بل التوكل مدرسة عظيمة تربي المسلم على الصلة الحقيقية والمستمرة بالله عز وجل.
أيها الأخ المبارك، لقد أوتي النبي جوامع الكلم، فرسم لهذا الرجل الذي جاءه يريد أن يترك الأسباب ويتوكل، رسم له الطريق واضحًا له وللأمة من بعده بكلمتين يسيرتين، بل كلمتين عظيمتين: (( اعقلها وتوكل ) ).
(( اعقلها وتوكل ) )، قال ابن عباس: (التوكل هو الثقة بالله) . وصدق، التوكل أن تثق في الله وفيما عند الله، فإنه أعظم وأبقى مما لديك في دنياك. وقال الحسن:"إن من توكل العبد أن يكون الله هو ثقته". وقال الإمام أحمد:"هو قطع الاستشراف بالإياس من الخلق".
(( اعقلها وتوكل ) )، يقول ابن مسعود: (إن من ضعف اليقين أن تُرضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تطعمهم ما لم يؤتك الله. إن رزق الله لا يَجُرّه حِرْصُ حريص، ولا ترده كراهية كاره، وإن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط) .
(( اعقلها وتوكل ) )، روى الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله يقول: (( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خِماصًا وتروح بطانًا ) ).
(( اعقلها وتوكل ) )؛ لأن التوكل هو حال المؤمن القوي الذي يجب أن يكون وثيق العزم مجتمع النية على إدراك هدفه بالوسائل الصحيحة التي تقربه إلى الله، وباذلًا قصارى جهده في بلوغ مَأْربه، ليس بالتفريط المعيب والتخاذل الذميم. عن عوف بن مالك قال: قضى رسول الله بين رجلين، فلما أدبرا قال المقضي عليه: حسبي الله ونعم والوكيل، فقال: (( إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكَيْس ـ العقل والفطانة ـ فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل ) )رواه أبو داود وضعفه الألباني.
إذًا فالمرء إذا غُلب على أمره في أي مشكلة من أي نوع فإنه بعد استفراغ جهده يكون ركونه إلى الله عندئذ معاذا يعتصم به من غوائل الانكسار، فهو على الحالين قوي: بعمله أولًا، وبتوكله ثانيًا.
أيها الإخوة المؤمنون، التوكل على الله شعور ويقين بعظمة الله وربوبيته وهيمنته على الحياة والوجود والأفلاك والأكوان، فكل ذلك محكوم بحوله وقوته سبحانه.
(( اعقلها وتوكل ) )؛ فالتوكل قطع القلب عن العلائق، ورفض التعلق بالخلائق، وإعلان الافتقار إلى محول الأحوال ومقدر الأقدار لا إله إلا هو. إنه صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجَد منه الجد.
(( اعقلها وتوكل ) )؛ لأن التوكل صدق وإيمان وسكينة واطمئنان، ثقة بالله وفي الله، وأمل يصحب العمل، وعزيمة لا ينطفئ وهجها مهما ترادفت المتاعب.
بالتوكل تُرفع كَبوات البؤس، وتُزجر نزوات الطمع، فلا يكبح شَرَهَ الأغنياء ولا يرفع ذلَّ الفقراء سوى التوكل الصادق على الحي الذي لا يموت، يقول سعيد بن جبير رحمه الله:"التوكل على الله جماع الإيمان".
المتوكل على الله ذو يقظة فكرية عالية ونفس مؤمنة موقنة، قال بعض الصالحين:"متى رضيت بالله وكيلًا وجدت إلى كل خير سبيلًا"، وقال بعض السلف:"بحسبك من التوسل إليه أن يعلم قلبك حُسن توكلك عليه".
التوكل الذي يَقْوى الإنسان به ضرب من الثقة بالله، ينعش الإنسان عندما تكتنفه ظروف محرجة، ويلتفت حوله فلا يرى عونًا ولا أملًا.
التوكل غذاء الكفاح الطويل الذي قاوم به النبيون وأتباعهم ودعاة دينهم مظالم الطغاة وبغي المستبدين، كما بيّنه الله تبارك وتعالى: وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ?للَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى? مَا اذَيْتُمُونَا وَعَلَى ?للَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ?لْمُتَوَكّلُونَ [إبراهيم:12] .
(( اعقلها وتوكل ) )؛ فالتوكل الحق قرين الجهد المضيء والإرادة المصممة، وليس العجز والكسل، ولم يتحول معنى التوكل من القوة والحزم إلى الضعف والتواكل إلا في العصور التي ضعف فيها الدين وأصبح بين أتباعه لهوًا ولعبًا.
أيها المؤمنون، إن أول بواعث التوكل ومصادره توحيد الله وإفراده بالعبادة، فالرب المعبود سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلى: وَتَوكَّلْ عَلَى ?لْعَزِيزِ ?لرَّحِيمِ ?لَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِى ?لسَّـ?جِدِينَ إِنَّهُ هُوَ ?لسَّمِيعُ ?لْعَلِيمُ [الشعراء:217-220] .
والتوكل أجمع أنواع العبادات وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها، وما ذلك إلا لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة والرضا العميق واليقين الثابت، ولقد جاء الأمر به في كتاب الله في أوجه مختلفة وسياقات متعددة، بل لقد جعله شرطا للإسلام والإيمان، يقول سبحانه وتعالى: إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِ?للَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ [يونس:84] . قال أهل العلم:"فدل ذلك على انتفاء الإسلام وكذلك الإيمان بانتفاء التوكل"، ويقول لنبيه محمد: وَتَوَكَّلْ عَلَى? ?للَّهِ وَكَفَى? بِ?للَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:3] ، ويقول له ولصحابته رضوان الله عليهم: ?لَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ?لنَّاسُ إِنَّ ?لنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَ?خْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـ?نًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا ?للَّهُ وَنِعْمَ ?لْوَكِيلُ [آل عمران:173] ، ويقول جل وعلا في جزاء المتوكلين: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ?للَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ?للَّهَ بَـ?لِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ?للَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْرًا [الطلاق:3] .
هذا هو التوكل في حقيقته وأثره، وما كان أبدًا تواكلًا ولا اتكالية، وما كان ضياعًا ولا إهمالًا للسنن والأسباب.
أيها الفضلاء، إن تحقيق التوكل لا ينافي العمل والأخذ بالأسباب البينة، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة لله، والتوكل على الله بالغيب إيمان بالله، فالمتوكلون في كتاب الله هم العاملون، وإمام المتوكلين نبينا محمد رأينا في سيرته الأخذ بالأسباب، فقد اختفى في الغار عن الكفار، وظاهَرَ في بعض غزواته بين درعين، وتعاطى الدواء، وقال: (( من يحرسنا الليلة؟ ) )، وأمر بغلق الباب وإطفاء النار عند المبيت، وقال لصاحب الناقة: (( اعقلها وتوكل ) )، وقال سبحانه وتعالى لنبيه لوط عليه السلام: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مّنَ ?لَّيْلِ [هود:81] ، ونادى أهل الإيمان: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ [النساء:71] .
(( اعقلها وتوكل ) )؛ فليس التوكل بإهمال العواقب واطراح التحفظ، بل ذلك عند العقلاء والعلماء عجز وتفريط، يستحق صاحبه التوبيخ والاستهجان. لقد جاء أمر الله بالتوكل بعد التحرر واستفراغ الوسع حين قال سبحانه: وَشَاوِرْهُمْ فِى ?لاْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ يُحِبُّ ?لْمُتَوَكّلِينَ [آل عمران:159] ، المؤمن هو من يجمع بين فعل الأسباب والاعتصام بالتوكل، فلا يجعل عجزه توكلًا، ولا توكله عجزًا، إن تعسر عليه شيء فبتقدير الله، وإن تيسر له كل شيء فبتيسير الله.
المسلم المتوكل يخرج من بيته متوجهًا إلى عمله ومهنته، تَزْدلف قدمه من عتبة بابه وهو يقول:"باسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أزلَّ أو أُزَلّ، أو أَضل أو أُضَل، أو أَظلم أو أُظلم، أو أَجهل أو يجهل علي".
أيها الفاضل، ثمة موطن من مواطن العمل، لا يكون على وجهه ولا تتحقق غايته إلا حينما يكون التوكل لله عموده. إنه موطن الصبر والثبات على المواقف وعدم التنازل عنها، وهو الذي يحمل عبأه أنبياء الله عليهم السلام ومن اقتفى أثرهم من أهل العلم والدعوة والإيمان والصلاح والإصلاح، فهم حين يتعرضون لمخاوف مزعجة لا يثبتون على الروع والغبن إلا لأملهم في الله واستنادهم عليه، لا يثبتون إلا بالتوكل الذي ينير أمامهم ظلمات حاضرهم، ويعينهم على مواجهة الأخطار بعزم وثقة واطمئنان، وما نراه من صبر وثقة بالله لدى بعضهم أمرٌ قد يستغربه الضعفاء الواهنون ويستنكرونه، ولذلك حين قال موسى وهارون عليهما السلام بعد أمر الله لهما بدعوة فرعون: رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى? [طه:45] ، أجابهما جل وعلا: قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى? [طه:46] . إنه الشعور الكبير والعميق برعاية الله وعنايته؛ ذلكم هو المؤنس في الموحشات والمشجع في الرهبات.
(( اعقلها وتوكل ) )؛ وَقَالَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا [إبراهيم:13] ، هذه المقولة التي تتردد عبر التاريخ من أعداء الدين في كل زمان ومكان، وقد جاء الجواب على لسان خطيب الأنبياء شعيب عليه السلام بقوله تعالى: قَدِ ?فْتَرَيْنَا عَلَى ?للَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ?للَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء ?للَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا عَلَى ?للَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ?فْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِ?لْحَقّ وَأَنتَ خَيْرُ ?لْفَـ?تِحِينَ [الأعراف:89] . هذا هو المجد الشامخ، والذي لا يناله إلا نفر من المؤمنين المتوكلين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُلْ هُوَ ?لرَّحْمَـ?نُ ءامَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِى ضَلَـ?لٍ مُّبِينٍ [الملك:29] .
اللهم بك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، فاغفر لنا وارحمنا وأنت أرحم الراحمين.
المسلمون، من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى، ومن لم يكن كذلك فهو يظن من ضلاله أن حظوظًا عمياء هي التي تقرر مصائر الحياة والأحياء.
إن المقطوعين عن الله هم عبيد الحظوظ الشاردة والأسباب المبتورة. إن التوكل على الله لا يعرفه العاطلون البطالون، لا يعرفه ضعيف التوكل الذي لا هو عند الوجود يشكر ربه، ولا هو عند العدم يرضى حالته، وهذا من الجهل بالله وصفاته وضعف الإيمان بوعده ووعيده، فلن يتوقع أحد الخذلان والضياع وهو مرتبط بربه معتمد عليه، والله يقول: أَلَيْسَ ?للَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوّفُونَكَ بِ?لَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ ?للَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَن يَهْدِ ?للَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ أَلَيْسَ ?للَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى ?نتِقَامٍ [الزمر:36، 37] ، ويقول جل وعلا: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ?للَّهِ فَإِنَّ ?للَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:49] .
أيها الإخوة، إن المتأمل في حال كثير من الناس اليوم يرى ضعفًا وخورًا وتباينًا كبيرًا في كل شيء، انظر إلى حال أقوام قعدوا عن العمل، ولم يبذلوا سببًا واحدًا، ظنًا منهم أن ذلك من التوكل، وما هو كذلك.
وانظر إلى من انغمسوا في الأسباب المادية وفي الدنيا بزخرفها وبهرجها، ولم يعد الواحد منهم يفكر في ربه وقضائه وقدره، لقد سيطر الهم على أقوام، وأطاح الكرب بآخرين، لم يعرفوا حقيقة معنى التوكل على الله عز وجل.
ألا وإن للتوكل عوائق يجب أن يتنبه لها العاقل حتى لا تطيح به وبواقعه الذي يعيش، ومن تلك العوائق الجهل بمقام الله من ربوبية وأُلوهية وأسماء وصفات، ومنها كذلك الغرور والإعجاب بالنفس، ومنها الرُّكون للخلق والاعتماد عليهم في قضاء الحاجات، وكذلك حب الدنيا والاغترار بها، مما يحول بين العبد والتوكل؛ لأنه عبادة لا تصح مع جعل العبد نفسه عبدًا للدنيا.
(( اعقلها وتوكل ) )، فرق ـ أيها الإخوة ـ بين التوكل والتواكل؛ لأن التواكل هو ترك الكسب والطمع في المخلوقين والاعتماد عليهم بالتخلي عن الأسباب التي وضعها الله عز وجل والانقطاع عن السعي والتقاعد عن العمل وانتظار النتائج من الخلق أو القدر، أو الاتكال على الله أن يخرق له العوائد. والتواكل خِسة هِمة وعدم مروءة؛ لأنه إبطال حكمة الله التي أحكمها في الدنيا من ترتُّب المسببات على الأسباب. ولقد حارب الإسلام التواكل وحذر منه، وهو حرام ليس من الشرع أصلًا، وهو مخالف للدين الحنيف. فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى قومًا جالسين في ركن من المسجد بعد صلاة الجمعة , فيسألهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن المتوكّلون على الله , فيضربهم بدِرته , وينهرهم , ويطلب منهم السعي في سبيل الله، وأن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، مذكرًا إياهم بقوله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ ?لصَّلَو?ةُ فَ?نتَشِرُواْ فِى ?لأَرْضِ وَ?بْتَغُواْ مِن فَضْلِ ?للَّهِ [الجمعة:10] .
والتوكل صدقٌ وإيمانٌ وسكينةٌ واطمئنان، ثقةٌ بالله في الله، وأملٌ يصحب العمل، وعزيمةٌ لا ينطفئ وهجُها مهما ترادفت المتاعب.
المتوكل على الله ذو يقظةٍ فكريةٍ عاليةٍ ونفسٍ مؤمنةٍ موقنةٍ.
توكل على الرحْمن فِي الأمر كله ولا ترغبن في العجز يومًا عن الطلب
ألَم تر أنَّ الله قال لِمريَمَ: وهُزِّي إليك الجذع يسَّاقط الرطب؟!
ولو شاء أن تَجنيه من غير هزّة ولكن كلّ شيء له سبب
أيها الفضلاء، وثمرة التوكل هنا أن المتوكل على الله حين يُقدِّم من الأسباب التي أُمِرَ بها ما يقدر عليه ويَدْخُل في وسعه تُكمل له القدرة الإلهية العليا ما يعجز عنه ولا يدخل في وسعه.
انظر إلى موسى عليه السلام وقد أوحى الله إليه: فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ [الدخان:23] ، فخرج بقومه في جنح الليل، فارين من فرعون وملئه، متجهين ناحية البحر، وشعر فرعون وجنوده بخروجهم، فأتبعوهم مشرقين، يريدون أن يفتكوا بهم، فهم يملكون العَدد والعُدد مع الغيظ والغضب: إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـ?ذِرُونَ [الشعراء:54-56] ، فَلَمَّا تَرَاءا ?لْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـ?بُ مُوسَى? إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ [الشعراء:61، 62] .
لقد نظر أصحاب موسى إلى الأسباب وحدها فقالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، سيدركنا فرعون وجنوده، وينكّلون بنا، ولا طاقة لنا بهم، ولا نجاة لنا منهم، فالبحر أمامنا وهم من خلفنا، ولكن كليم الله موسى لم يقف عند ظواهر الأسباب، بل نظر ببصيرته إلى ما هو أعلى منها، إلى خالق الأسباب وواضع السُنن ومدبر الأمر كله.
لقد فعل موسى ما أُمِرَ به وما قدر عليه، وبقي ما لا يقدر عليه، ولا حيلة له فيه، ولكنه كان موقنًا أن الله معه، ولن يتخلى عنه، وسيهديه إلى حلّ ينقذه ومن معه، لا يعرف ما هو، إلا أنه مستيقن من وقوعه. وكيف لا وقد قال الله له منذ أرسله وأخاه هارون إلى فرعون: لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى? [طه:46] ؟! لا عجب أن قال موسى بكل اطمئنان: كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] .
وقد هداه الله إلى المخرج من المأزق بأمر لم يكن في حسبانه ولا في حسبان أحد: فَأَوْحَيْنَا إِلَى? مُوسَى أَنِ ?ضْرِب بّعَصَاكَ ?لْبَحْرَ فَ?نفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَ?لطَّوْدِ ?لْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ?لاْخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَى? وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ?لاْخَرِينَ إِنَّ فِى ذَلِكَ لايَةً [الشعراء:63-67] . هذه هي ثمرة التوكل إذا انقطعت الأسباب.
وانظر إلى محمد يوم الهجرة، كيف أخذ بكل الأسباب الممكنة للبشر، خطَّط فأحكم التخطيط، ورتب فأحسن الترتيب، وأعدَّ لكل أمر عُدته المناسبة، هيأ من يبيت في فراشه علي بن أبي طالب، ومن يرافقه في رحلته أبا بكر الصِّدِّيق، ومن يدله على الطريق عبد الله بن أُرَيْقِط، واختار الغار الذي يختفي فيه أيامًا حتى يهدأ الطلب عنه غارَ ثور، ولم يختره ناحية يثرب تعمية على القوم، وهيأ من يأتي له بالزاد والأخبار أسماء بنتَ أبي بكر، ومن يُعفي على آثارها بغنمه بعد رجوعها عامر بن فُهَيْرَة.
ومع هذا كله استطاع القوم أن يصلوا إلى الغار، وأن يتوقفوا عنده، وهو ما جعل أبا بكر رضي الله عنه يقول مشفقًا على مصير الدعوة إن مسَّ رسول الله سوء: يا رسول الله؛ لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا! فيرد عليه النبي قائلًا: (( يا أبا بكر؛ ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! ) )وقال الله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ?للَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] .
لقد فعل الرسول الكريم ما قدر عليه، وبقي ما لم يقدر عليه، فتركه لربه وراعيه، يدبره بما يشاء من الأسباب الخفية، أو بغير الأسباب أصلًا إن شاء، فَأَنزَلَ ?للَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ ?لسُّفْلَى? وَكَلِمَةُ ?للَّهِ هِىَ ?لْعُلْيَا وَ?للَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:40] .
لقد كان الزمن الذي بين الكليم موسى والحبيب محمد عليهما الصلاة والسلام زمنًا طويلًا امتد قرونًا، ولكنّ الموقفين متشابهان، وتكاد العبارات تتفق بينهما؛ عبارة موسى عليه السلام: إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] ، وعبارة محمد عليه السلام: إِنَّ ?للَّهَ مَعَنَا ، ولا غرو فهما يصدران من مشكاة واحدة.
بَيْد أن الله أنجى موسى بآية حِسِّية منظورة هي العصا، وأيَّد محمدًا بجنود غير مرئية، نظرًا لأنّ الآيات التي أيَّد الله بها موسى عليه السلام كانت مادية حِسِّية ملائمة لتلك المرحلة في أطوار البشرية، والآية الكبرى التي أيَّد بها محمدًا عليه السلام صاحب الرسالة الخاتمة كانت آية معنوية أدبية هي القرآن الكريم.
وفي غزوة بدر خرج النبي لملاقاة المشركين، وإن كانوا أكثر عددًا وأكثر عُدةً وأعظم غرورًا، ولكن ذلك لم يضعف من عزمه، وفعل ما أمكنه فعله من إحكام وتدبير بعد الاستشارة والاستنارة، ثم ترك ما بعد ذلك لصاحب الأمر سبحانه، فأيدهم بألفٍ من الملائكة مُردفين، وغشاهم النعاس أمنة منه، ونزَّل عليهم من السماء ماءً ليطهرهم به وليربط على قلوبهم، ويثبت به الأقدام، ونصرهم الله ببدر وهم أذلة: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـ?كِنَّ ?للَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـ?كِنَّ ?للَّهَ رَمَى? [الأنفال:17] .
وفي غزوة الأحزاب تجمع المشركون لغزو المسلمين في عقر دارهم: إِذْ جَاءوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ?لاْبْصَـ?رُ وَبَلَغَتِ ?لْقُلُوبُ ?لْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِ?للَّهِ ?لظُّنُونَاْ هُنَالِكَ ?بْتُلِىَ ?لْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:10، 11] .
لقد حفر الرسول الخندق حول المدينة لتعويق المغِيرِين، وبات هو وأصحابه لياليَ عدة في كرب شديد، ونقض يهود بني قريظة العهد، ووقفوا في صف المهاجمين، وهنا لم يكن أمام الرسول والمؤمنين إلا التوكل على ربهم والاستغاثة به: (( اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم ) )رواه البخاري.
وها هي ثمرة التوكل تجيء: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?ذْكُرُواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا [الأحزاب:9] ، وَرَدَّ ?للَّهُ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى ?للَّهُ ?لْمُؤْمِنِينَ ?لْقِتَالَ وَكَانَ ?للَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب:25] .
كذا فلنعتبر, ولنتأمل في كتاب ربنا وسنة نبيه ، ولْنسر في هذه الحياة متوكلين على الله مستعينين به في الأمر كله.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وأجملوا في الطلب، وتوكلوا على الله، فإن الله يحب المتوكلين.
وصلوا وسلموا ـ يا عباد الله ـ على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ...