فهرس الكتاب

الصفحة 3641 من 5777

بدعة عمل المولد

قضايا في الاعتقاد

البدع والمحدثات

مراد وعمارة

باب الوادي

التقوى

1-اتفاق العلماء على بدعية الاحتفال بالمولد. 2- الأصل في الأعياد أنها توقيفية. 3- المعاصي المصاحبة للاحتفال بالمولد. 4- التشبه بالنصارى في عمل المولد.

إتمامًا لما بدأناه أسوق لكم الأدلَّة الشرعيَّة على تحريم الاحتفال بالمولد النبوي، وأختصر لكم ذلك في سبعة أوجه فإليكموها:

الوجه الأوَّل: أنَّ العلماء متَّفقون على أنَّ عمل المولد بدعة محدثة، ومن قواعد الشرع أنَّ كلَّ بدعة فهي ضلالة، ويجب ردُّها وإنكارها، لقوله: (( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ ) ). وتحرير هذا أنَّه لم ينقل عن النبيِّ ولا عن أحد من أصحابه والتابعين لهم في القرون الثلاثة الأولى المفضَّلة أنَّهم خصُّوا هذا اليوم بشيء من العمل أو اتَّخذوه عيدًا، وعدم النقل دليل على الترك، إذ لو فعلوا لنقل، لأنَّ الله تعالى قد عصم هذه الأمَّة من أن تجتمع على كتمان شيء من الدين.

ولا شكَّ أنَّ المقتضي للاحتفال بمولده كان قائمًا، فقد كانوا أقوى الأمَّة حبًّا وإجلالا للنبيِّ ، وكانوا أشدَّ الناس اتِّباعًا له وطاعةً لأمره، ولم يكن يمنعهم من الاحتفال بمولده مانع، ولا يدفعهم عنه دافع، ومع ذلك تركوا إقامته، فهذا الترك منهم هو السنَّة التي يجب اتِّباعها، وضدُّه هو البدعة التي يجب اجتنابها.

والخير كلُّه في اتِّباع من سلف والشرُّ كلُّه في ابتداع من خلف

الوجه الثاني: أنَّ الأصل في الأعياد الشرعيَّة التوقيف من الشارع، فلا عيد إلاَّ ما سنَّه الشارع، ولم يثبت أنَّ الله عزَّ وجل ولا رسوله، أنَّه سنَّ لنا عيدًا سوى عيدين اثنين على مدار العام، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى، وعيد ثالث على مدار الأسبوع وهو يومكم هذا يوم الجمعة، فمن أحدث في الدين عيدًا سوى هذه الأعياد الثلاثة فقد استدرك على الله ورسوله، وقد قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] ، وقال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64] .

فمن جاء بعد انقطاع الوحي وذهاب عصر النبوَّة والخلافة الراشدة وانقضاء القرون الثلاثة الأولى الفاضلة من زمن السلف الصالح، وزاد في الدين شيئًا لم يكن، وهو الاحتفال بالمولد النبوي واتِّخاذه عيدًا، فقد لزمه من الباطل أمور بمقتضى نصِّ الآيتين المذكورتين:

أحدها: أنَّ الله لم يكمل لنا دينه ولم يتمَّ علينا نعمته ونسي أن يشرع لنا الاحتفال بعيد المولد، حتَّى جاء هؤلاء العبيديون الطغام فاستدركوا ذلك على الله تعالى.

الثاني: أنَّ الرسول خان فلم يبلِّغ، إذا كان الله قد شرع ذلك.

الثالث: أنَّ الصحابةَ والتابعين وأتباعَهم الذين هم صفوة الأمَّة وخيارُها اجتمعوا على خيانة عظيمة في الدين، وهي كتمان ذلك إن كان الرسول قد بلَّغ.

فهذه ثلاثة أمور لازمة لكلِّ مبتدع، وكلُّ واحد منها قادح في دين قائله، فليختر منها لنفسه ما يشاء.

ومن المنقول الشائع عن الإمام مالك قوله رحمه الله:"من ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنةً فقد زعم أنَّ محمَّدًا خان الرسالة، لأنَّ الله يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينا". فأين الناس اليوم من قول مالك؟! وأين مالك من ذلك؟! ومالك ما مالك، وما أدراك من مالك، مالك الذي يُتفقَّه له في هذه الدّيار، لا بقوله وقول أصحابه السابقين، ولكن بما يخالفهم من أقوال المتأخِّرين، ويُفتى بمذهبه في جميع القضايا والأحكام، لا على ما جرت به أصوله ومآخذه، ولكن على ما يناقض ذلك وينابذه، ومن ذلك هذه القضيَّة قضية عمل المولد.

الوجه الثالث: أنَّ اليوم الذي ولد فيه النبيُّ هو بعينه اليوم الذي توفِّي فيه، فالنعمة العظمى التي حصلت بمولده قد أعقبتها الرزية الكبرى التي حصلت بوفاته، فليس الفرح فيه بمولده بأولى من الحزن فيه على وفاته، وبماذا يُفرح والدين الذي بُعث به في غربة وإدبار، والنور الذي أنزل معه في تناقص وانحسار؟!

الوجه الرابع: أنَّ يومَ مولد النبيِّ لو كان عيدًا لم يجز صيامه لنهيه عن صيام يوم العيد، ففي الصحيحين عن النبيِّ أنَّه نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى.

وفي مصنَّف ابن أبي شيبة بسند صحيح عن قيس بن السكن قال: مرَّ ناسٌ من أصحاب رسول الله على أبي ذر يوم الجمعة وهم صيام، فقال: (أقسمت عليكم لتفطرنَّ فإنَّه يوم عيد) .

وفي صحيح مسلم أنَّ رجلًا سأل النبيَّ عن صوم يوم الاثنين فقال: (( هو يوم ولدت فيه وفيه أنزل عليَّ ) ). فأخبره بحكمة صيام ذلك اليوم بأنَّه يوم ولد فيه، فإذا وافق يوم مولده يوم اثنين فالسنَّة أن يصوم ذلك اليوم لا أن يفطر فيه، وهذا ينافي جعله عيدًا. أفلا تبصرون؟!

الوجه الخامس: أنَّ الاحتفال بمولد النبيِّ إذا لم يعَدَّ من المواسم الشرعيَّة ولا من الأعياد الدينيَّة فإنَّه لا يخلو من المحرَّمات والمعاصي، ومن أخطرها الشرك بالله تعالى، كتعظيم النبيِّ بالعبادات التي لا يجوز أن تصرف إلاَّ لله تعالى، كدعائه والاستغاثة به وإطرائه بالقصائد والممادح المشتملة على أعظم صور الشرك والإطراء المنهيِّ عنه بقول النبيِّ: (( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، وإنَّما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله ) ).

وإذا خلا من الشرك والقربات البدعيَّة فنفس تخصيصه بالقربات الشرعية بدعة، وهو ما يسمَّى عند العلماء بالبدعة الإضافيَّة.

الوجه السادس: أنَّه عند فرض خلوِّ إقامة المولد من جميع البدع الحقيقيَّة والإضافيَّة فإنَّه لا يخلو من تبذير المال في التجمير بالنيران والشموع وحرائق المفرقعات والإسراف في الطعام والشراب، وقد قال رسول الله: (( إنَّ الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال ) )رواه البخاري ومسلم.

الوجه السابع: أنَّ إقامة الاحتفالات بالمولد النبوي إذا لم يقصد بها التعبُّد وخلت من جميع الآفات المذكورة فإنَّ فيها تشبُّهًا بالنصارى في إقامتهم الاحتفالات بميلاد عيسى بن مريم عليه السلام. وقد نهينا عن التشبُّه بهم، ففي سنن أبي داود بسند صحيح عن النبيِّ قال: (( من تشبَّه بقوم فهو منهم ) ). والمشابهة حاصلة بمجرَّد اتخاذ ميلاد نبيِّنا عيدًا، وإن كان إيقاع ذلك الاحتفال على وجه مخالف للنصارى.

فهذه سبعة أوجه، كلُّ واحد منها دليل بنفسه على تحريم الاحتفال بذكرى المولد النبوي، فكيف بها مجتمعة؟!

هذا وإنَّ من تمام البيان والإمعان في إقامة الحجَّة وقطع المحجَّة أن نجيب عن الشبهات التي يتمسَّك بها المجيزون لهذه البدعة الباطنيَّة، والخطبة اللاحقة إن شاء الله هي الموعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت