فهرس الكتاب

الصفحة 3421 من 5777

زوروا القبور

الرقاق والأخلاق والآداب

الزهد والورع, الموت والحشر

ماجد بن عبد الرحمن الفريان

الرياض

سليمان بن مقيرن

1-فظاعة منظر القبر. 2- الحث على زيارة المقابر. 3- واعظ القبر. 4- تذكر الموت من أسباب خشية الله والعمل الصالح. 5- ثمرة تذكر الآخرة هي العمل لها. 6- الانشغال بالدنيا عن الآخرة من أكبر أسباب ضعف الاستعداد للآخرة.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى.

معاشر المسلمين، إنه واعظ صامت لا يتكلّم، ولكن صوته في أعماق الناس أعلى من صوت الواعظ الجهوري الصوت، لا يملك العبارات المنمقة، ولا يحرك يديه ولا وجهه ليجذب جمهور المستمعين والمشاهدين لخطبته؛ لأن الجاذبية تركزت فيه، وهو يجذب القلوب قبل الأجساد، لا يزال يقول لكل إنسان:"تعال وهلم إليّ، وكل الطرق تمر عليّ"، إنه الواعظ الصامت، إنه الحفرة التي توضع فيها الأجساد بعد أن يبقى أهلها ومالها، إنه القبر، إنه القبر الذي ما نزل فيه قط مَلِك عظامه من ذهب، ولا بطل عضلاته من حديد، ولا أمير جلده من ديباج، ولا غني جوفه خزانة، إنه القبر الذي تتساوى فيه الرؤوس، ولا تصطحب فيه الفلوس، لا يذهب معك إلا عملك الصالح.

أيها المسلمون، إن القبر واعظ بليغ الموعظة، وناصح واضح النصيحة، وبسبب ذلك حث الرسول في أكثر من موضع على زيارة القبور، وزار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقال: (( استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت ) )رواه مسلم، وفي الترمذي: (( فإنها تذكر الآخرة ) )، وزاد ابن ماجه من حديث ابن مسعود: (( وتزهد في الدنيا ) ).

زيارة القبور ـ عباد الله ـ تذكر الموت، تذكِّر مَن طبعُه النسيان بالنّهاية الحتمية وهي الموت، وهذا من شأنه أن يجعل المرء متذكرًا للآخرة، عاملًا لما بعد الموت.

أيها المسلمون، يمعن البعض في قساوة القلوب وغفلتها، ظانين بذلك أنهم سيهربون من الموت فيفلتون منه، وما من شيء تهرب منه إلا تركته وراءك إلا الموت فما يهرب أحد منه إلا وجده أمامه، سيحتضنك الموت الذي تفر منه، هو ينتظرك أبدًا دون تململ، وأنت مع هربك تتقدم إليه دون تراجع، قُلْ إِنَّ ?لْمَوْتَ ?لَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَـ?قِيكُمْ [الجمعة:8] .

أيها المسلمون، إن التراب الصامت في المقابر ما هو إلا واعظ، وزيارة ذلك الواعظ من أكبر أسباب تقوية القلب وإزالة الغشاوة، فأنت عندما تذهب إلى المسجد يوم الجمعة تستمع إلى واعظ واحد، فالمصلون كثيرون والواعظ واحد، ولكن الصورة على العكس في المقبرة، فكل قبر واعظ، والمقبرة مليئة بالوعاظ، وأنت تستمع إليهم في آن واحد، وتعتبر من حالهم، وهذه حالة فريدة لا تكون إلا في ذلك المكان.

أيها المسلمون، إن زيارة القبور تذكر بالموت الذي هو هادم اللذات ومفرق الجماعات، من أكثر ذكره تعلق بالآخرة وزادت خشيته، فبادر بالأعمال قبل لحاق الموت به، يقول رسول الهدى: (( أكثروا ذكر هادم اللذات الموت ) )رواه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان، وزاد الطبراني: (( فما ذكره عبد قط وهو في ضيق إلا وسعه الله عليه، ولا ذكره وهو في سعة إلا ضيقه عليه ) ).

يقول ابن مسعود رضي الله عنه لما سئل: أي الناس أكيس؟ قال: (أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس) ، وقال عمر بن عبد العزيز:"الدنيا سريعة الفناء قريبة الانقضاء، تعِد بالبقاء ثم تخلف في الوفاء، وتنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة وهي سائرة سيرًا عنيفًا ومرتحلة ارتحالًا سريعًا".

أيها الإخوة في الله، لا بد أن نتذكر ذلك اليوم الذي تتوقف فيه الابتسامات والقهقهات، وتلك الحفرة التي يتوقف فيها الجدال والصرخات، ويتوقف العناد والكبرياء والإخلاص والرياء، ويتحول الوجه الفاتن واليد الظالمة واللسان الكذوب والعين الخائنة والقلب القاسي إلى جماجم وأعظم نخرة، ولا يبقى إلا العمل الذي قدمه صاحب القبر، هناك تزول أسئلة الدنيا: من أنت؟ وماذا تملك؟ ولا يبقى إلا سؤال واحدٌ: ما هو عملك الصالح؟ ما هو عملك الذي يحيل قبرك إلى روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار؟ يقول رسول الهدى: (( يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى واحد. يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله ) )رواه مسلم.

معاشر المسلمين، إننا نريد تذكر الآخرة لكي نعمل لها، إن التذكر مطلوب شرعًا ليكون موصلًا إلى العمل الذي هو من أسباب النجاة من النار، ولا ينفع البكاء والندم بتذكر الموت والآخرة إذا لم يقترنا بالعمل، لا بد من العمل، لا بد من العمل للآخرة، لقد أكثرنا من العمل لدار الغرور فلا بد أن نعمل للآخرة.

يا بانيَ الدار المعدّ لها ماذا عملت لدارك الأخرى؟

وممهد الفرش الوثيرة لا تغفل فراش الرقدة الكبرى

أتراك تحصي من رأيت من ال أحياء ثم رأيتهم موتى فلتلحقن بعرصة الموتى ولتنزلن محلة الهلكى

نعم أخا الإسلام، هذا شاعر يقسم على أن كل واحد منا سيلتحق يومًا بأماكن الموتى ومجامعهم، وسينزل في ديارهم، ونحن نؤمن بهذا يقينًا، وأنت تؤمن بهذا يقينًا، وهذه الدنيا بما فيها تشهد على هذا، يقول تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ?لْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ?لنَّارِ وَأُدْخِلَ ?لْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـ?عُ ?لْغُرُورِ [آل عمران:185] .

اللهم ارزقنا عملًا صالحًا نفوز به، اللهم ارزقنا عملًا نرحم به، فيزحزحنا ربنا عن النار ويدخلنا الجنة.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.

أما بعد: فيا عباد الله، لا شك أن الانشغال بالدنيا عن الآخرة هو من أكبر أسباب ضعف الاستعداد وجمود العمل لما بعد الموت، ومن جعل الآخرة همه حسن عمله، يقول الحسن البصري رحمه الله:"ما أكثر عبد ذكر الموت إلا رأى ذلك في عمله، ولا طال أمل عبد قط إلا أساء العمل"، ولهذا قال النبي لابن عمر: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) )، وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) أخرجه البخاري. فقصر الأمل ومعرفة حقيقة الدنيا وزوالها طريق إلى الاهتمام بالآخرة، وما أضر على العبد من التسويف في التوبة والنظر إلى المعمرين من الناس ظنا أن سيكون منهم، يقول ابن الجوزي رحمه الله:"يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدًا، ولا يغتر بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ ـ يعني كبار السن ـ وأكثر من يموت الشبان، ولهذا يندر من يكبر ويعمر، ولذا قال الشاعر:"

يعمّر واحد فيغِرُ قومًا ويُنسى من يموت من الشباب"."

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت