فهرس الكتاب

الصفحة 3220 من 5777

مصيبة بغداد

العلم والدعوة والجهاد

المسلمون في العالم

هيثم جواد الحداد

لندن

المنتدى الإسلامي

1-الإيمان بالقدر سبيل اطمئنان النفس. 2- هدف الأعداء أن يفتنوا المسلم في دينه ويزعزعوا إيمانه. 3- أهداف الحملة الأمريكية على العراق. 4- المعركة مع أعداء الإسلام لا تنحصر في الميدان العسكري فقط. 5- النصر في نهاية المطاف للإسلام تحقيقًا لوعده سبحانه.

إذا أصيب العبد بمصيبة فليحمد الله وليصبر وليحتسب وليرجع إلى ربه، فإن الله هو الذي قدرها وشاءها، فيجب على العبد الصبر، فحينئذ ينشرح صدر المصاب ويطمئن ويسكن قلبه، وهو مع ذلك يؤجر أجرًا كبيرًا، قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] .

قال علقمة:"هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم"، وقال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] .

وإذا لم يصبر المصاب على المصيبة، فإنه يتحسر ويشقى، وتزداد مصيبته، ويخشى عليه أن يتسخط على القدر، ويعترض على تقدير الله فيقع في محذور عظيم، ففي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبيّ بن كعب فقلت له: قد وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي، فقال:... ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار.

فالإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان، التي لا يتم إيمان عبد حتى يؤمن بها كلها، فإذا آمن الإنسان بالقدر إيمانًا كاملًا لا يعتريه شك، اطمأن في حياته، فإذا أصابه شيء علم أنه بقضاء الله وقدره، فيطمئن قلبه.

يقول الحق جل وعلا: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:12] ، فرحمة الله بعباده هي الأصل، حتى في ابتلائه لهم أحيانًا بالضراء، فهو يبتليهم ليُعِدَّ طائفة منهم بهذا الابتلاء لحمل أمانته، وليَمِيْز الخبيث من الطيب في صفوف المسلمين، وليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بينة.

إن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو، ليُكسب المؤمن الطمأنينة بما قدّر له ربه؛ حتى وهو يمر بفترات الابتلاء التي تزيغ فيها القلوب والأبصار, إلا أنه يعلم أن ربه معه بنصره وتأييده، فتنقلب المحنة إلى منحة، وينقلب الخوف إلى رجاء، وينقلب القلق إلى طمأنينة.

ومن حكمة الابتلاء والمصيبة أنها تذكر العبد بذنوبه، وتزيل قسوة القلب، وترجع العبد إلى الله، ليقف ببابه ويتضرع إليه ويستكين، وتقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى المخلوقين، فيقبل على الله وحده. والمصيبة تعرف المصاب قدر نعمة العافية، لأن النعم لا تعرف أقدارها إلا بعد فقدها.

إن ما حصل في العراق من احتلال بغداد قد فاجأ الجميع، ولكن السبب لا يزال غامضًا! وهذا مما يزيد من حالة الذهول، ويعمق الشعور بالإحباط والأسى، ويوسع دائرة التأثير. وهذا ما يريده العدو!

قال رامسفيلد عن هذه الحرب:"إنها حرب إعلامية نفسية". ولقد رأينا التضليل الإعلامي الذي مارسته وتمارسه أمريكا، وكيف أنها قتلت الإعلاميين المنصفين بالصواريخ والدبابات!

والنتيجة أن الحرب ليست صراع أبدان، بل صراع إرادات وعقول، يريدون كسر الإرادة الإسلامية سواء كانت عراقية، أو جميع الشعوب الإسلامية.

لقد جاء سقوط بغداد أسرع مما تخيلته أفلام الهوليود، ومعلوم أن الهوليود سهم حاد من السهام النفسية لمحاربة الإرادة الحرة، تحارب بالوهم والتخييل نفسيًا، وتبسط الهيمنة الأمريكية، ومعروف تعاون الأجهزة الأمريكية الثلاثة: المخابرات CIA ، والبنتاغون، والهوليود.

وهذا الأسلوب من وجهة نظر العدو له الأفضلية، وأكثر فاعلية، لأنه يحفظه من المخاطرة في ميدان المعركة، ويخفي وجهه الوحشي العنجهي القبيح، إذا ما استخدم الآلة العسكرية.

نقول هذا من باب التشخيص، حتى نصل إلى خطورة ما يريده العدو بنا، وهو إيصال الطعنة إلى القلب، وهي أعظم تأثيرًا من الطعن في الجوارح والأبدان. فيفتن المسلم عن دينه، ويسيء الظن بربه، ويرى أنه لا منقذ له إلا أمريكا، ولا يمكن له بأية حال أن يواجه القوة العظمى الأمريكية، وأنها بلغت مبلغ الإله الذي يُدعى رغبًا ورهبًا.

ومن مظاهر ذلك: الشعور بالإحباط، واليأس من روح الله ـ وهو خطير مآله إلى الكفر ـ وتجد الشخص يعترض على القدر، ويجزع فلا يصبر، ويعجز فلا يعمل، عدا أنه يتنازل عن معاداة أمريكا والبراء منها، وقد ينقلب إلى موالاتها، وهذا تحطيم للعقيدة الإسلامية، وتفتيت لها وهي بحق الفتنة، الفتنة عن الدين التي قال الله فيها: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ [البقرة:191] ، فمن يفتن عن دينه ينال ذل الدنيا وخزي الآخرة. أما الذي يقتل مؤمنًا فإنه يغادر الدنيا عزيزًا، ويستقبل الفردوس الأعلى في الآخرة.

هذا ما يراد بنا ولنا، وهذه هي الشباك التي تنصب لنا، فهل نستجيب لها؟! ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله؟! والعياذ بالله.

نعم، إن المصيبة قد حصلت، أولًا: بشن الحرب على العراق، ثانيًا: بوقوع الاحتلال.

والمصيبة بعد الاحتلال أخطر، إنها تفتح أبواب الفتن. وهذا ما يؤدي بنا إلى أن نعي طبيعة المعركة والصراع، وأنها في كل الميادين والمجالات وليس في المجال العسكري فحسب.

إن أمريكا تريد أن تغير المنطقة، هكذا قال كولن باول في الكونجرس، قال:"إننا بعد الانتصار على صدام، سنعيد ترتيب المنطقة ترتيبًا جذريًا، سنرسم خارطتها من جديد، سنبنيها على أسس جديدة لمصلحة أمريكا". هم يريدون تغيير هوية المنطقة، يريدون تغيير هوية التعليم الديني، يريدون أن يحذفوا من القرآن ما يريدون، ويحذفوا من التاريخ ما يحذفون، ويحذفوا من أبواب الفقه أبواب الجهاد، ويحذفوا من التاريخ خالدًا وأبا عبيدة وصلاح الدين وعمر المختار وكل هؤلاء، إنهم يريدون أن يغيرونا ويسلخونا من جلدنا، ولكنا نقول لهم: إنهم يريدون أن يدمروا القوة المادية للعراق، القوة العسكرية للعراق، القوة البشرية للعراق، فمن المعروف أن العراق كوّن قاعدة علمية بشرية طوال هذه العقود من السنوات، وهم لا يريدون أن يبقى للعراق أي قوة، ولذلك هم يريدون أن يلتقوا بالعلماء، وأن يروا العلماء، يريدون نزع الأدمغة، نزع العلم من الأدمغة لا نزع الأسلحة فقط، هذا هدف، وتطال الأهداف المجاهدين في فلسطين، وإخراج الكيان الصهيوني من أزمته الخانقة بسبب الانتفاضة، ثم تعقب ذلك بتغيير جذري في كل البلاد الإسلامية، يسمح باجتثاث كل ماله علاقة بإسلام الجهاد والعزة، وفرض إسلام أمريكاني مشوه خانع، مستعد للتنازل لليهود عن كل حقوق الأمة، ومقدساتها، خاصة القدس.

إن المعركة بيننا وبين أهل الكتاب وأعداء هذا الدين مستمرة، لم تهدأ ولم تنقطع، وربما تكون لها أولويات في مكان دون آخر، ولكنها مستمرة إلى أن تقوم الساعة.

فلا ترتبط قضية الواجب بأن يحدث العدو عدوانًا جديدًا، أو يهاجم بلدًا أو عاصمة إسلامية كما قد نظن، وإن من الخطأ الشديد حصر المعركة في ميدان واحد.

إن المعركة شاملة الميادين، معركة في الميدان الثقافي، وفي الميدان الإعلامي، والميدان الاجتماعي والاقتصادي، وكل ميدان يخدم بعضًا من هذه الميادين ويرتبط به. وما دمنا نعلم أن العدو بهذه الشراسة، والمعركة بهذه السعة، فلا بد أن نستعد للمواجهة في كل هذه الميادين، ونواجه العدو مواجهة عامة، وتحتاج المواجهة إلى الصدق مع الله، والبعد عن الترف واللهو، والبعد عن الوهن (( حب الدنيا وكراهة الموت ) ).

وبقدر طردنا للوهن من قلوبنا، فإنه ينقلب في قلوب أعدائنا، وبقدر ما نتلبس به، يستأسد أعداؤنا علينا،

وسيأتي اليوم الذي يقول فيه الذين خذلوا العراق: أكلت يوم أكل الثور الأبيض، ولا أقول تؤكل دنياهم، فالدنيا عرض زائل، يأكل منه البر والفاجر، بل أقول: يؤكل دينهم الذي هو عصمة أمرهم وعزهم وشرفهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44] .

وإنهم يمكرون مكرًا كبارًا، مكر الليل والنهار، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] .

إن مما ينبغي التأكيد عليه أن سقوط بغداد لم يكن بسبب القوة الأمريكية أو قدرتها وحدها ولا شك في ذلك، إنما ينبغي ربط السقوط والهزيمة بالسنن الربانية التي تحكم النصر والهزيمة.

أما وإن سبب غياب واختفاء القيادة العراقية المفاجيء في أحرج الأوقات، ما زال غامضًا، فيصعب تعيين أي السنن الربانية التي خُولفت فحصل الخلل، حصل فيها الخلل هل هي:

سنة وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] ؟

أم سنة وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [آل عمران:154] ؟ أم سنة وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ... [التوبة:25] ؟

وأسباب وسنن أخرى في النصر والهزيمة، بينتها سورة آل عمران في تحليل أحداث ومصيبة غزوة أحد وغيرها من السور.

ومع ألم المصيبة، لا ننسى الآية التي خفف الله بها على الصحابة مصيبتهم في أحد، حيث قال: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران:139، 140] .

ولنتذكر أنه من الجحود لنعم الله: أن نعيش في ألم المصيبة لتسيطر علينا، ونقول: أنَّى هذا؟ ولا نتذكر نعم الله علينا الكثيرة: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] . نِعم قريبة، أليس من النعم الصمود، تدميرهم في تدبيرهم، كشف زيف القوة الأمريكية، والرعب الذي في قلوبهم، ومشاعر النصر والعزة والتمكين أثناء الصمود في أول المعركة أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:165] ، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120] .

إذا ابتليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله

إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ما لامرئ حيلة فيما قضى الله

اليأس يقطع أحيانا بصاحبه لا تيأسن فنعم القادر الله

أيها المحزونُ لهذه الأمّة، أيّها المكلوم لهذه الغمّة، مهما حاولَ أعداءُ الإسلام، ومهما سعَوا من إنزال أنواعِ الفشَل، وألوان الشلل بالإسلام والمسلمين، فلن يستطيعوا أن يطفِئوا نورَ الله، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8] . وعن تميم الداري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله يقول: (( ليبلغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيتَ مدَرٍ ولا وبَر إلا أدخله الله هذا الدينَ، بعزِّ عزيزٍ أو بذلّ ذليل، عزًا يعزُّ الله به الإسلامَ، وذلاّ يذلّ الله به الكفر ) )أخرجه أحمد، وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إنَّ الله زوى ليَ الأرض، فرأيتُ مشارقَها ومغاربها، وإنَّ أمّتي سيبلغ ملكُها ما زُوِي لي منها ) )أخرجه مسلم.

هذا وعد الله، إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [مريم:61] ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب:37] ، وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [الكهف:98] . هذا وعد الله، فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ [البقرة:80] ، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران:9] ، فَلاَ تَحْسَبَنَّ ?للَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ ?للَّهَ عَزِيزٌ ذُو ?نتِقَامٍ. هذا وعدُ الله، قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا [الإسراء:51] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت