أديان وفرق ومذاهب
مذاهب فكرية معاصرة
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-دعاة القومية من أخطر الأعداء على الإسلام والمسلمين. 2- أفكار دعاة القومية ومعتقداتهم. 3- مفاسد القومية العربية. 4- نصوص في ذم العصبية الجاهلية. 5- التحذير من دعاة القومية. 6- الأخوة والتفاضل بالإيمان والتقوى.
أما بعد: فإن على المسلمين أن يعرفوا أعداءهم وأعداء دينهم، ويقفوا منهم الموقف الذي أمرهم الله به في كتابه العظيم وأمرهم به الرسول الكريم محمد فيما صَحَّ عنه. ومِنْ أخطر الأعداء في مجتمع المسلمين في الدول العربية دعاةُ القومية العربية الذين كشفهم الله عز وجل وفضحهم، وهم من بني جلدتنا ويتكلمون بلغتنا، وهم دعاة إلى أبواب جهنم، مَنْ أطاعهم قذفوه فيها، هم دعاة للشر خاصة في هذه الظروف الراهنة التي تعيشها الدول العربية ويعيشها العالم بأسره، مع أن الذين يتألمون ويخلصون العمل فيها لله هم المسلمون المؤمنون في جميع بقاع الأرض، في هذه الظروف يجب أنْ يُمَاطَ اللِّثَامُ ويُكْشَفَ الْقِنَاعُ عن وجوه دعاة القومية العربية، تلك الوجوه الكالحة الممسوخة وعن أفكارهم ودسائسهم للإسلام والمسلمين لتستبين غاياتهم وأهدافهم وإن كانت مكشوفة لمن أنار الله بصيرته من المسلمين حيث قد قام العلماء والدعاة ـ وفقهم الله ـ من سنوات عدة بكشف أمرهم وبيان حقيقتهم وفضح مخططاتهم، ولم يألوا جهدًا في ذلك، ولكن لم ينتبه المسلمون حتى هذه اللحظة إلى ما قاله العلماء الأفاضل والدعاة المخلصون، خاصة في البلاد العربية، وليس هذا التعميم على إطلاقه، فهناك من قرأ ويقرأ ويعرف الكثير عنهم خاصة من المفكرين المسلمين ومن شباب المسلمين، ولكن الغالبية العظمى في غفلة عما يدور حولهم في العالم بأكمله من أمر الدين، وفي غفلة عما يُحاك ضدهم وضد الإسلام.
ومن الخطوط العريضة لأفكار ومعتقدات دعاة القومية العربية أن أهم مقومات القومية العربية: اللغة والدم والتاريخ والأرض والآلام والآمال المشتركة، إنهم يرون أن العرب أمة واحدة: المسلمون والشيوعيون واليهود والنصارى وجميع الملل والنحل على اختلافها وتعددها أمة قومية عربية، هذه الأمة لها مقومات الأمة لأنها تعيش على أرض واحدة هي الوطن العربي الواحد الذي يمتد من الخليج إلى المحيط، وتلك الحدود بين أجزاء هذا الوطن هي حدود طارئة لا بد أنْ تُزَالَ لتكون للعرب دولة واحدة وحكومة واحدة تقوم على أساس الفكر العلماني الذي يدعو إلى تحرير الإنسان العربي من الخرافات والغيبيات والأديان كما يزعمون، وهذا الفكر القومي العلماني يتبنى شعار: (الدين لله والوطن للجميع) ، والهدف من هذا الشعار إقصاء الإسلام عن أن يكون له أي وجود فعلي، ويقرر بعضهم بأن المرحلة القومية مرحلة حتمية لأنها أعلى درجات التفكير الإنساني، ويقول بعضهم:"إن العروبة هي ديننا نحن العرب المؤمنين العريقين من مسلمين ونصارى لأنها وجدت قبل الإسلام وقبل النصرانية، ويجب أن نغار عليها كما يغار المسلمون على قرآن النبي، والنصارى على إنجيل المسيح".
هذه بعض أفكارهم، وإلا فالكتب مليئة بنشر معتقداتهم وأفكارهم، هذا الصنم الجديد ومعبود العرب وإلههم الذي اتخذوه من دون الله أو أشركوه في العبادة، هو تلك الدعوة الجاهلية الحديثة التي تبناها زعماء دول قد أفضوا إلى ما قدموا، ومنهم مَنْ أَذَلَّهُ الله وأخزاه وتمت الإطاحة به وبنظامه البعثي الاشتراكي، ومنهم من لا يزال على قيد الحياة يواصل المسيرة الضالة، ولا نزال نسمع تلك الكلماتِ الرَّنَّانَةَ تَتَرَدَّدُ على ألسنتهم عبر القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية وفي الجرائد والمجلات حتى من أولئك الذين يقفون ضد طاغوت العراق، تلك هي الدعوة إلى القومية العربية التي قال عنها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وكثر الله أمثاله من العلماء الأتقياء الأوفياء المخلصين الورعين يقول عنها:"إنها دعوة جاهلية إلحادية تهدف إلى محاربة الإسلام والتخلص من أحكامه وتعاليمه... وقد أحدثها الغربيون من النصارى لمحاربة الإسلام والقضاء عليه في داره بزخرف من القول... فاعتنقها كثير من العرب من أعداء الإسلام، واغْتَرَّ بها كثيرٌ من الأخيار ومن قلدهم من الجهال، وفرح بذلك أرباب الإلحاد وخصوم الإسلام في كل مكان"، وقال أيضًا:"هي دعوةٌ باطلةٌ وخطأٌ عظيمٌ ومكرٌ ظاهرٌ وجاهليةٌ نَكْرَاءُ وكَيْدٌ سَافِرٌ للإسلام وأهله".
وها نحن اليوم نرى ماذا جَرَّتْ علينا وعلى العالم بأسره الدعوة إلى القومية العربية، وسوف تتبعها الويلات والحروب الطاحنة وسفك الدماء وهتك الأعراض وسلب الأموال ونهبها وغرس العداوة والبغضاء في القلوب وتفريق الأمة وإيقاظ الفتن، هذه أول النتائج البارزة للعالم مع أن كل شعب يعيش تحت تلك القيادات التي لا تحكم بالإسلام يذوق الويلات، ويعرفُ تمامًا قَدْرَ النعمة في الحكم بكتاب الله وسنة رسوله محمد مَنْ عاش في هذا البلد ومن عاش في غيره، ويعرف من له أدنى بصيرةٍ ضَلالَ أهلِ تلك المذاهبِ والأفكارِ البعيدةِ عن الإسلام، ويعلم أن الخير كل الخير في التمسك بتعاليم دين الإسلام.
ولنستمع إلى بعض الآيات والأحاديث التي تذم كل دعوة إلى العصبية والجاهلية وتنهى عن ذلك، قال تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ [الفتح: 26] . وأوضح عز وجل أنه جعل الناس شعوبًا وقبائل من أجل التعارف لا من أجل التفاخر والتعاظم، بل جعل أكرمهم عنده سبحانه هو أتقاهم وأخشاهم لله تعالى، فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13] ، فإذا كانت الدعوةُ إلى القومية العربية والعصبية دعوةً إلى الجاهلية ومَنْهِيًّا عنها في صفوف المسلمين حتى لو قُدِّرَ أنهم دعوا إليها فما بالنا بدعاة القومية العربية الآن الذين هم دعاة إلى الضلال والكفر، دعاة إلى جميع الأديان باسم القومية العربية لِيَحْكُمَ العربَ أولئك الأراذلُ الأشرارُ البعيدون عن الإسلام؟!
إن الأمر من الخطورة بمكان، يجب أن يتنبه له المسلمون من أصغر رجل فيهم إلى أكبر قائد لهم، يجب أن تكون الدعوة إلى الوحدة والترابط الإسلامي ونبذ القومية العربية التي عشنا وذُقْنَا نارَها التي تَلَظَّتْ وتَسَعَّرَتْ في هذه الأيام وسوف تستمر ما دام هذا الشعار مرفوعًا ويعيش العرب تحت رايته، وها نحن نشاهد ذلك في هذه الأيام وقت مراجعة هذه الخطبة من شوال من عام ألف وأربعمائة وسبع وعشرين من الهجرة النبوية، يجب أن تكون الدعوة الآن إلى وحدة المسلمين في جميع بقاع الأرض كما دعا إلى ذلك الملك فيصل رحمه الله وأُنْشِئَتْ منظمةُ المؤتمر الإسلامي المنبثقة عن رابطة العالم الإسلامي، يجب أن يكون للرابطة دورُها الفعَّالُ من الآن فصاعدًا ويتحرك المسلمون للالتفاف حولها ونبذ كل ما يخالف وحدة الدين الإسلامي وروابطه.
ومما زاد الأمر وضوحًا وحاجة إلى وحدة المسلمين حين اجتمع دعاة القومية العربية في عاصمة دولة عربية، وكان من بين الزعماء الذين يريدون تحريرَ القدسِ شيوعيٌّ لم يذكر اسم الله عز وجل، ولا للإسلام ذكر عنده من أول كلمة له إلى آخرها، وغيره يخلط بحسن نية أو بسيئها، ولكن العتب على المغفلين الذين ساروا مع ذلك الركب يفتون ويتكلمون باسم الإسلام، أولئك المخدوعون لم يتقوا الله ويعرفوا حكم الله ورسوله في هذه الفتن ويعرفوا حقيقة الأمر ويقفوا منها موقف المؤمنين الصادقين المتقين، قال رسول الله: (( ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية ) )، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: (( إن الله قد أذهب عنكم عصبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ) )، وعندما اختصم أنصاري ومهاجري فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، عندها قال رسول الله: (( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟! ) )وغضب لذلك غضبًا شديدًا، وقال عليه الصلاة والسلام: (( إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمسٍ يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ) )، فذكرها ثم قال النبي: (( وأنا آمركم بخمسٍ الله أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثى جهنم ) )، قيل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟! قال: (( وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله ) ). فإذا كان الذي يصلي ويصوم ويزعم أنه مسلم ويدعو بدعوى الجاهلية من حطب جهنم فكيف بمن لا يصلي ولا يصوم بل هو ملحد شيوعي أو بعثي علماني كافر؟! وليس هذا الوصف على إطلاقه على دعاة القومية، فقد يكون منهم المسلم الذي يصلي ويصوم ولكن أفكاره العلمانية والبعثية والقومية العربية قد دخلت فكره وعقله وقلبه ويهتم بها أكثر من تعاليم الإسلام حتى أصبح منتسبًا للإسلام، مع أن دعوته وانتماءَهُ الحقيقي لتلك الأفكار الهدامة، قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85] .
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله.
أما بعد: فقد ورد في الحديث الصحيح التالي ذكره عن رسول الله ما يُوَضِّحُ ويكشف دعاةَ الضلالة اليوم الذين يَدْعُونَ إلى أنواع الباطل والفساد والانحلال وإلى الخلاعة والحرية المطلقة وأنواع الفساد والْبُعْدِ عن الإسلام ومنهجه القويم، مثل القومية العربية والاشتراكية الشيوعية والرأسمالية العلمانية، يرشدهم إلى أولئك الدعاة على أبواب جهنم ويحذرهم من اتباعهم لأن من يجيبهم إلى باطلهم ودعواتهم سوف يُقْذَفُ في نار جهنم، وهذا الحديث الصحيح من أشراط الساعة ومن أعلام دلائل النبوة وصحة رسالة رسولنا محمد حيث أخبر عليه الصلاة والسلام بذلك قبل وقوعه بمئات السنين، وها هو يقع كما أخبر به عليه الصلاة والسلام.
روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث حذيفة رضي الله عنه أنه قال: كان الناس يسألون الرسول محمدًا عن الخير وكنت أسأله عن الشرِّ مَخَافَةَ أنْ يُدْرِكَنِي، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (( نعم ) )، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: (( نعم، وفيه دخن ) )، قلت: ما دخنه؟ قال: (( قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر ) )، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: (( نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ) )، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: (( هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ) )، قلت: فما تأمرني ـ يا رسول الله ـ إن أدركني ذلك؟ قال: (( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ) )، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: (( فَاعْتَزِلْ تلك الْفِرَقَ كُلَّهَا ولو أن تَعَضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) ).
نعم، إنه حديث عظيم جليل يصف لنا واقع وحالة المسلمين اليوم مع حكامهم ومع تلك الفرق والملل والنحل. ونقول لمن كان في هذا البلد أَنْ يَلْزَمَ جماعةَ المسلمين وإمامَهم ودعوةَ الحق، ويَدَعَ ويَهْجُرَ دُعَاةَ الباطل والضلال، وأنْ يحمدَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ على تطبيق شرع الله، وينصحَ ويبذلَ ما في وسعه لتقديم النصيحة لولاة الأمر ولعامة المسلمين فيما يراه مخالفًا لأمر الله ورسوله، كما هو واضح من أحاديث رسول الله. أما من كان تحت حكم الطواغيت في البلاد العربية وغيرها ممن لا يُحَكِّمُونَ القرآن الكريم والسنة المطهرة بل يُحَكِّمُونَ القوانينَ الوضعيةَ فعليهم أن يمتثلوا أمر رسول الله باعتزال تلك الفرق الضالة حتى يدركهم الموت.
ومما ينبغي التنبه له أن دعاة القومية العربية يدعون المسلمين اليوم إلى محاربة الكفار مثل أمريكا وأوروبا مع أنهم مسالمون للمسلمين ليس بينهم حرب ولا إخراج من الديار ولا مقاتلة من أجل الدين، ولكن دعاة القومية يغفلون هم ومعظم المسلمين عن العدو الحقيقي المحارب لنا والذين يريدون إخراج المسلمين من ديارهم وارتدادهم عن دين الإسلام والمظاهرة على ذلك هم أنفسهم من بني جلدتنا من العرب الذين يجب علينا أنْ نُعَادِيَهُمْ لأنهم أعداؤنا الحقيقيون، وتجب محاربتهم وجهادهم بشتى سبل وأنواع الجهاد، وهذا وقت الصحوة للمسلمين، فقد انكشفت عوراتهم وبانت سوءاتهم وانفضحت مخططاتهم، فهل يدرك المسلمون ذلك؟ وهل يعرفون أعداء العقيدة الإسلامية حقًا؟ وهل يغيّرون من واقعهم؟ وهل يَنْتَهُونَ عن موالاتهم للقوميين العرب والبعثيين والعلمانيين والشيوعيين والاشتراكيين والزنادقة والرافضة والشيعة والدروز والموارنة واليهود والنصارى والناصريين وغيرهم من دعاة الضلالة أم أنهم يستمرون على ما هم عليه وكَأَنْ لمْ يَمُرَّ بهم شَيْءٌ على الإطلاق؟ قال تعالى: لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [الممتحنة: 8، 9] .
فعلينا أنْ نَزِنَ كل شيء بميزان الإسلام، وخاصة تلك الدعوة الجاهلية إلى القومية العربية، ولننظر إلى ذلك في السيرة النبوية كيفَ اعْتُبِرَ سلمانُ الفارسيُّ وبلالٌ الحبشيُّ وصهيبٌ الرُّومِيُّ في القمة من سادة قريش تطييبًا لخواطرهم ومواساة لهم لئلا يشعروا بالغربة، بينما كان الكفار من سادة قريش أمثال أبي لهب وأبي جهل وأبي طالب والوليد وغيرهم من ألدّ أعداء الإسلام ولم ينفعهم نسبهم ولغتهم العربية، قال: (( سلمان منا أهل البيت ) )، وكان عمر رضي الله عنه يقول: (أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا) إشارة إلى بلال رضي الله عنه بأنه في الذؤابة والقمة من قريش، وقال: (( لا يأتيني الناس بأعمالهم يوم القيامة وتأتوني بأنسابكم؛ فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا ) )، وفي آخر الحديث السابق ذكره في الخطبة الأولى عن رسول الله: (( لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ) )، وقال: (( المسلمون إخوة، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ) )رواه الطبراني، وأخرج البزار في مسنده من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو لَيَكُوننَّ أَهْوَنَ على الله من الْجُعْلان ) )، وجاء في خطبته عليه الصلاة والسلام: (( يا أيها الناس، إن الله تعالى قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بَرٌّ تقيٌّ كريم على الله تعالى، ورجل فاجر شقيٌّ هَيِّنٌ على الله تعالى، إن الله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13] ) )، وقال عز وجل ناهيًا عباده المؤمنين عن موالاة أعداء الله حتى ولو كان أقرب قريب واتخاذهم أولياء، بل تكون الأخوة في الدين، ومَدَحَهُمْ عز وجل وأثنى عليهم بأنهم حزب الله وأولياؤه: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22] ، وقال عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10] ، وقال: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ) )وشبّك بين أصابعه ، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) )، إلى آخر تلك الآيات والأحاديث، ولمْ يَرِدْ في كتاب الله أو سنة رسوله: (إنما العرب إخوة) ، أو: (العربي للعربي كالبنيان يشد بعضه بعضًا) ، ففي العربِ المسلمُ واليهوديُّ والنصرانيُّ والملحدُ الشيوعيُّ والكفارُ عمومًا على اختلاف مللهم ونحلهم، لذلك فإن الدعوة إلى الاجتماع والتجمع حول وتحت هذه الرايةِ رايةِ القومية العربية لا يجوز أن يدعو إليها مسلم مؤمن بالله عز وجل؛ لأنها منافية لتعاليم الإسلام، إنما الدعوة الحقيقية والاجتماع ووحدة الصف تكون تحت راية الإسلام للمسلمين في جميع بقاع الأرض كما تدعو إلى ذلك منظمة المؤتمر الإسلامي المنبثقة عن رابطة العالم الإسلامي، وأي دعوة لا تدخل تحت شعار الإسلام ولا تلتزم بتعاليمه فَلَنْ تَحْمِلَ للمسلمين خيرًا في دينهم ولا دنياهم، وقد جَرَّبَ العربُ خاصة تلك الدعوةَ وذلك الاجتماع منذ عشرات السنين وعلموا وعرفوا ماذا كانت النتائج على كل المستويات، ورأوا وذاقوا ويلات زعماء القومية أيضًا منذ عشرات السنين الذين يريدون أن يحكموا العالم العربي باسم القومية، وكيف خططوا وفشلوا بعد أن ذاق الناس منهم الويلات منذ نصف قرن تقريبًا، كيف قام الزعيم الأول للقومية العربية من إفريقيا بِضَرْبِ دولةٍ صغيرةٍ في جنوب الجزيرة العربية ليبدأَ مخطَّطَهُ القوميَّ! وكم خسرت الدول من جراء ذلك التهور! ثم جاء خليفته في الشرق العربي وأراد ابتلاع الدولة الصغيرة المجاورة ثم مهاجمة الدول المجاورة لها ليكون زعيمًا قوميًا عربيًا، والجميع يعلم مصيرَهُ، وقال أثناء محاكمته معتزًا بالقومية واعتبر ذلك دفاعًا عن نفسه أمام خصومه في تلك المهازل من المحاكم وما يصدر عنها يقول:"القومية تعني الانتماء إلى القومية العربية وليس المهم في ذلك الدين أو الدم، فمعلوم أن العراق يضم أديانًا مختلفة ولغات وجنسيات متعددة، ولكن المهم عندنا هو الانتماء للقومية العربية بعيدًا عن العرق والدم والدين"، فهل يُرْجَى ممن كان هذا انتماؤهم وعقيدتهم وسلوكهم أن يجلبوا خيرًا للعالم الإسلامي أو العربي والعالم أجمع أيضًا؟! وهل يُرجى منهم الخير واجتماع الكلمة وتوحيد الصف؟! وفي هذه الأثناء وبعدها لا زال الكبير المتغطرس الذي فشل في تخطيطه لِضَمِّ العربِ تحت لوائه، فاتَّجَهَ لقارته العربية وغير العربية ليكون زعيمًا لها، وسوف تكشف الأيام مخططاته وقد انكشف بعد أن أذاق بلاده والبلاد العربية الويلات من جراء أفعاله وتصرفاته الشنيعة، وسمّى تلك الدول: الولايات المتحدة الإفريقية، ولو علم أولئك الزعماء والرؤساء الْمُنْضَمُّونَ تحت ذلك الشعار وتلك التسمية لو علموا مغزاه ومراده لما سكتوا مع وضوح التسمية من أول كلمة، ومعلوم أنه هو القائد وصاحب الفكرة لكنهم لا يعرفون شيئًا عن مقاصده وأهدافه، وكانت له محاولات سابقة مع الدول العربية حيث بدأها بكتابه الذي طبع منه خمسة ملايين نسخة لإغواء الناس ـ والمسلمون في مقدمتهم ـ عن إسلامهم وقرآنهم وسنة نبيهم محمد ، وقد قال خطيبٌ مُفَوَّهٌ قد توفي رحمه الله رحمة واسعة قال: لو طَبَعْتَ ملايين النسخ من القرآن الكريم لكان خيرًا لك مما أقدمت عليه ولكسبت آلاف الملايين من الحسنات.
إذًا فواجب الأمة الإسلامية وخاصة بعد أن رأت وجرّبت هي وغيرها الاجتماع تحت رايات جاهلية ودعوات قومية أنْ تَعِيَ دورَها وتجتمع تحت راية التوحيد راية الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، وإذا لم تجتمع كلمتُها وتُوَحِّد صفَّها وجميع تصرفاتها تحت هذه الراية فإن عواقبها غير محمودة وهي إلى الفرقة والشَّتَاتِ أقْرب وعن طريق الحق والخير أبْعد، قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103] ، وقال عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2] .
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين...