فهرس الكتاب

الصفحة 4431 من 5777

الدوام على الطاعة

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأعمال

علي بن عبد الرحمن الحذيفي

المدينة المنورة

المسجد النبوي

1-عظم حقّ الله تعالى على عباده. 2- فضل الطاعة بعد الطاعة. 3- الحث على المداومة على الصالحات. 4- التحذير من كيد الشيطان. 5- فضل صيام الست من شوال.

أمّا بعد: فاتَّقوا الله بلزومِ ذِكره وشكرِه والقيامِ بعبادتِه ومجانبةِ معصيَتِه، فتقوى الله خيرُ ما اكتسَبتم وأعظَمُ ما ادَّخرتم.

عبادَ الله، إنَّ حقَّ الله عليكم عظيم، وإنَّ أمرَه كبير؛ لما أسدَى إلى الخلق من سَوابغِ النِّعَم، ولما دفَع عنهم من النِّقَم، ولما علّمكم من الكتابِ والسنة، ولما أعانكم عليه من الطّاعات، ولما حفِظَكم من المحرَّمات، قال الله تعالى: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12] ، وقالَ تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7، 8] . وأحبُّ الشكرِ إلى الله ما كان شُكرًا علَى الطاعاتِ والمعافاةِ من المحرَّمات.

أيها المسلمون، ما أحسنَ فعلَ الطاعة بعد الطاعة، وما أقبَحَ فِعلَ المعصية بعد الطاعة، فالعمل الصالح بعد العملِ الصالح زيادةُ ثوابِ الله، والعمل السيّئ بعد الطاعة قد يبطل العملَ أو ينقص ثوابَه، فكما أنَّ الحسنات يذهِبن السيئات كذلك السيئاتُ قد يبطِلنَ الحسنات أو ينقِصنَ أجورَها، قال الله تعالى: وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] ، وعن معاذٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( اتَّقِ اللهَ حيثما كنتَ، وأتبِعِ السيئةَ الحسنَةَ تمحُها، وخالِقِ الناس بخلُق حسن ) ) [1] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33] .

يا من زكَّيتم أبدانَكم بالصّيام والقيامِ وطهَّرتم أموالهم بالزكاةِ والإحسان، يا من عكَفتُم على تلاوةِ القرآن، يا مَن صفَت له ساعاتُ رمضان في طاعةِ الرحمن، داوِموا على الطاعةِ وهَجر المعصية تفوزُوا منَ الله بالرضوانِ وتنجُوا من الخسرانِ، قال الله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] ، يعني: اعبدِ الله حتى يأتيَك الموت، قال الحسن البصريّ رحمه الله:"ليس لعبادةِ المؤمنِ أجلٌ دونَ الموت" [2] ، وقيل لبشرٍ الحافي رحمه الله: إنَّ قومًا يجتَهدون في رمضان، فإذا ذهب رمضانُ تركوا، قال:"بِئس القومُ لا يعرِفون الله إلا في رمضان".

أيّها الناس، إنَّ ربَّكم الذي عبَدتم في رمضانَ هو الربّ العظيم الحقّ الذي هو أحقُّ أن يُعبَدَ في كلِّ زمان ومكان، فعِزُّك ـ يا ابنَ آدم ـ وفوزُك ونجاتُك من كلِّ شرٍّ هو في الذّلّ والخضوعِ لله والحبِّ له ودوام العبوديّةِ لله عزّ وجلّ، قال الله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112] ، وعن سفيانَ بنِ عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسولَ الله، قل لي في الإسلامِ قولًا لا أسأَل عنه أحدًا غيرك، قال: (( قل: آمنتُ بالله، ثم استقم ) )رواه مسلم [3] ، والاستقامة هي دوامُ الطّاعة لله ربِّ العالمين.

بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفَعني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذّكر الحكيم، ونفَعَنا بهديِ سيّد المرسلين وبقولِه القويم، أقول قولي هذَا، وأستغفِر الله العظيمَ الجليلَ لي ولَكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنب، فاستَغفِروه إنّه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه الترمذي في البر (1987) ، والدارمي في الرقاق (2791) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، ثم أخرجه عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ به. وقال:"قال محمود: والصحيح حديث أبي ذر". وهذا الاختلاف من سفيان الثوري، فقد أخرجه أحمد في المسند (5/153) عن وكيع، عن سفيان، وقال في آخره:"قال وكيع: وقال سفيان مرة: عن معاذ، فوجدت في كتابي: عن أبي ذر، وهو السماع الأول". وروي من وجه آخر مرسلًا، ورجحه الدارقطني كما في جامع العلوم والحكم (1/395) . ثم قال ابن رجب:"وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه فبعيد، ولكن الحاكم خرجه وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو وهم من وجهين"، ثم ذكرهما رحمه الله. فالحديث حسن، وقد حسنه الألباني في صحيح الترغيب (2650، 3160) .

[2] أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص7) ، وأحمد في الزهد (ص272) .

[3] صحيح مسلم: كتاب الإيمان (38) .

الحمد لله ربِّ العالمين، الرّحمنِ الرّحيم، مالكِ يومِ الدّين، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له القويّ المتين، وأشهد أنَّ نبيَّنا وسيّدنا محمّدًا عبده ورسوله الصادق الوَعدِ الأمين، اللّهمّ صلّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولِك محمّد وعلى آله وصحبِه أجمعين.

أمّا بعد: فاتقوا الله ـ أيّها المسلمون ـ حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعروةِ الوثقى، فإنَّ تقوَى الله خير زادٍ ليومِ المعاد.

واعلَموا ـ عبادّ الله ـ أنَّ عدوَّكم إبليس وذرّيّته أنهم يرصدونكم في كلِّ طريق خيرٍ كما قال الله تبارك وتعالى عن هذا العدوِّ، قال الله تبارك وتعالى: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:16، 17] ، فالعابدون الطّائعون المديمون للطّاعاتِ هم الشّاكرون لله تبارك وتعالى، والتارِكونَ لعبادةِ اللهِ هم الكافِرون لنعمةِ الله عزّ وجلّ.

واللهُ تبارك وتعالى قد حذَّرنا من هذا العدوِّ فقال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:5، 6] ، وهو لا يدخُل على الإنسانِ إلاّ مِن قِبَل نفسِه وهواه، فاحذروا النفسَ الأمّارة بالسّوء يا عبادَ الله، واحذَروا أن تتَّبِعوا أهواءَكم، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50] ، فأدُّوا حقَّ ربّكم عليكم، وداوِموا على طاعتِه، وفي الحديثِ عن النبيِّ: (( إنَّ الشيطانَ قعَد لابن آدمَ بكلِّ أطرُقه ) ) [1] ، فما من طريقِ خيرٍ إلاّ وقد قعَد لَه فيها؛ يريد أن يصدَّه عن ذلك.

عبادَ الله، وإنَّ أعظمَ النّعم وأجلَّها الطاعةُ بعد الطاعة، وإنَّ الله تبارك وتعالى قد فرضَ عليكم طاعات، وفتح أبوابَ الخيرات، وحثَّكم على عمَل الخير، وحذَّركم من أعمالِ السيِّئات. وإنَّ مما شرعَه رسول الله الصيامَ بعد رمضان، صيامَ ستٍّ من شوّال، وقد قال: (( مَن صامَ ستًّا من شوّال فكأنما صامَ الدهرَ كلَّه ) ) [2] ؛ لأنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالها، فرمضانُ بعشرةِ أشهر، وستّة من شوّال بصيامِ شهرين.

عباد الله، إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال عزّ من قائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال: (( من صلّى عليَّ صلاةً واحِدة صلّى الله عليه بها عشرًا ) ).

فصلُّوا وسلِّموا على سيّدِ الأوّلين والآخِرين وإمامِ المرسَلين.

اللّهمّ صلِّ على محمّد وعلى آلِ محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارِك على محمّد وعلى آل محمّد كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرا...

[1] أخرجه أحمد (3/483) ، والنسائي في الجهاد (3134) ، وابن أبي شيبة (4/204) ، والطبراني في الكبير (7/117) ، والبيهقي في الشعب (4/21) عن سبرة بن أبي فاكه رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (4593) ، والعراقي في تخريج الإحياء (3/13) ، وهو في السلسلة الصحيحة (2979) .

[2] صحيح مسلم: كتاب الصيام (1164) عن أبي أيوب رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت