الإيمان
خصال الإيمان
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1ـ كثرة نعم الله تعالى. 2ـ الدعوة إلى التفكر في نعم الله. 3ـ نعمة الخلق والإيجاد والتكريم والعناية. 4ـ نعمة مبعث محمد بدين الإسلام. 5ـ نعمة العقل. 6ـ وجوب شكر الله بالقلب واللسان والجوارح. 7ـ نعمة الصحة والعافية والنوم وصرف الأذى. 8ـ التحذير من كفران النعم. 9ـ شكر الأنبياء عليهم السلام. 10ـ أصناف الناس تجاه النعم.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، إن لله على عباده نعمًًا عظيمة وآلاء جسيمة، كلما تذكّرها العبد وتذكر وتأمّل فيها دعاه ذلك إلى شكرها والقيام بحقها والثناء على منعمها ومحبته واستعمال تلك النعم فيما يقربه إلى الله. ولكن المصيبة تجاهل تلك النعم والغفلة عنها أو احتقارها وازدراؤها وعدم المبالاة بها، فعياذًا بالله من حال سوء.
أيها المسلم، تفكر في نعم الله عليك، تفكر فيها حقَّ التفكر، وقلِّب النظر في نعم الله، ترى نعمًا عظيمة لا تستطيع عدها ولا إحصاءها، كيف تستطيع وما لحظة من لحظات حياتك إلا ولله عليك فيها نعمة؟! فهي نعم تعجز عن عدها واستقصائها، وصدق الله: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ?للَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل:18] .
أجل، لن نستطيع أن نحصي النعم، لن نستطيع أن نعدّ النعم، لن نستطيع أن نحيط بها، ولكن من تفضل بها علينا يُرضيه منا أن نشكره ونثني عليه، وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7] .
أيها المسلم، تأمل في النعم حقَّ التأمل ترى العجب العجاب، نعمةُ الله عليك بإيجادك من العدم ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ ?ذْكُرُواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَـ?لِقٍ غَيْرُ ?للَّهِ يَرْزُقُكُمْ مّنَ ?لسَّمَاء وَ?لأرْضِ [فاطر:3] ، أوجدك من العدم وربَّاك بالنعم فله الحمد على ذلك. تأمل في مبدأ أمرك: لَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنْسَـ?نَ مِن سُلَـ?لَةٍ مّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَـ?هُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ?لنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ?لْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ?لْمُضْغَةَ عِظَـ?مًا فَكَسَوْنَا ?لْعِظَـ?مَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَـ?هُ خَلْقًا ءاخَرَ فَتَبَارَكَ ?للَّهُ أَحْسَنُ ?لْخَـ?لِقِينَ [المؤمنون:12-14] . خلقك في أحسن تقويم، جعلك في أحسن صورة، ي?أَيُّهَا ?لإِنسَـ?نُ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ?لْكَرِيمِ ?لَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِى أَىّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ [الإنفطار:6-8] ، هُوَ ?لَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ?لأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لا إِلَـ?هَ إِلاَّ هُوَ ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ [آل عمران:6] ، لَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين:4] . خلقك في أحسن صورة، وفضَلك على كثير من خلقه، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ وَحَمَلْنَـ?هُمْ فِى ?لْبَرّ وَ?لْبَحْرِ وَرَزَقْنَـ?هُمْ مّنَ ?لطَّيّبَـ?تِ وَفَضَّلْنَـ?هُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70] . خرجت من بطن أمك، لا تدرك ولا تدري ولا تعلم، سخر الله لك الأبوين، وكلٌ منهما أدى واجبه، فالأب ينفق ويكدح ويسعى لينفق عليك، والأم تحرص وتسعى في راحتك وتربيتك وحضانتك إرضاعًا وحضانة وتنظيفًا وقيامًا بالواجب، حتى تخطيت طور الطفولة إلى أن بلغت ما بلغت، والأبوان قد سخِّرا ويسِّرا لك وألينت قلوبهما وألقي في قلوبهما الرحمة والإحسان والشفقة بك، فسبحان الحكيم العليم القادر على كل شيء. خرجت من بطن أمك لا تدرك شيئًا، فعلمك الله ما جهلت، وَ?للَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـ?تِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ ?لْسَّمْعَ وَ?لأَبْصَـ?رَ وَ?لأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78] .
أيها المسلم، وتفكر في نعم الله عليك، فهناك نعم عظيمة، العبد كلما تدبرها علم قدرها وعظيم شأنها، والله تعالى يذكر عباده بنعمه ليعرفوا قدرها ويشكروا من أنعم بها، وَ?ذْكُرُواْ نِعْمَتَ ?للَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ ?لْكِتَـ?بِ وَ?لْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ [البقرة:231] ، فذكرنا نعمته علينا بقوله: وَ?ذْكُرُواْ نِعْمَتَ ?للَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ ?لْكِتَـ?بِ وَ?لْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ، فيا لها من نعمة، ثم يقول جل وعلا مذكِّرًا عبادَه بهذه النعمة: ?ذْكُرُواْ نِعْمَةَ ?للَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى? شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ ?لنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا [آل عمران:103] ، إذًا فمبعث محمد نعمة أنعم الله بها على العالمين على كل فرد من خلق الله وَمَا أَرْسَلْنَـ?كَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـ?لَمِينَ [الأنبياء:107] ، وَ?ذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ?لأرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ?لنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مّنَ ?لطَّيّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال:26] . فمبعث محمد نعمة من الله علينا، أن أرسل لنا هذا الرسول الكريم، فعرفنا بالله ودلنا على الله، وهدانا إلى صراط الله المستقيم، قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ?للَّهِ نُورٌ وَكِتَـ?بٌ مُّبِينٌ يَهْدِى بِهِ ?للَّهُ مَنِ ?تَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ?لسَّلَـ?مِ وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ ?لظُّلُمَـ?تِ إِلَى ?لنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى? صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ [المائدة:15،16] ، وذكَّر الله نبيه بنعمه ليقوم بشكرها: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى? وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى? وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى? فَأَمَّا ?لْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهرْ وَأَمَّا ?لسَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ [الضحى:6-11] .
أيها المسلم، أعظم النعم نعمةَ الإسلام، فمن رزق نعمةَ الإسلام فقد هدي إلى الخير كله، فهي أعظم النعم وأجلها أن هداك الله للإسلام، فعرفت الحق واهتديت، وكان عندك فرق بين الحق والباطل والهدى والضلال، وقد أضل عن ذلك الأكثرين، فاحمد الله على هذه النعمة، أَفَمَن شَرَحَ ?للَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـ?مِ فَهُوَ عَلَى? نُورٍ مّن رَّبّهِ [ الزمر:22] ، قال تعالى: ?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ?لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [ الفاتحة:6، 7] ، أولئك الذين أنعم الله عليهم فعرفوا الحق من الضلال والهدى من الباطل، فصارت عندهم بصيرة عاشوا على خير، وَمَن يُطِعِ ?للَّهَ وَ?لرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ ?لَّذِينَ أَنْعَمَ ?للَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ?لنَّبِيّينَ وَ?لصّدّيقِينَ وَ?لشُّهَدَاء وَ?لصَّـ?لِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذ?لِكَ ?لْفَضْلُ مِنَ ?للَّهِ وَكَفَى? بِ?للَّهِ عَلِيمًا [النساء:69، 70] . كم صُرِف عن هذا الدين أقوام لهم عقول وأسماع وأبصار، ولكن حيل بينهم وبين الهدى ولله الحكمة في ذلك، وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ?لْجِنّ وَ?لإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَ?لأنْعَـ?مِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لْغَـ?فِلُونَ [الأعراف:179] . وحذرنا من الاغترار بما هم عليه من الباطل وإن نالوا من الدنيا ما نالوا: لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ?لْبِلَـ?دِ مَتَـ?عٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ?لْمِهَادُ [آل عمران:196، 197] .
أيها المسلم، تذكر نعم الله عليك، أنعم الله عليك بالعقل، ومنحك العقل، لتدرك به النافع والضار، وتسخره فيما يقربك إلى الله، وهذا العقل نعمة أنعم الله بها عليك، تميزتَ به عن سائر المخلوقات، أنعم الله عليك بنعمة السمع فتسمع، وبنعمة البصر فترى، وسيسألك عن حق هذه الحياة: إِنَّ ?لسَّمْعَ وَ?لْبَصَرَ وَ?لْفُؤَادَ كُلُّ أُولـ?ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا [الإسراء:35] .
أيها المسلم، النعم عظيمة كثيرة جدًا، لكن المؤمن دائم الشكر لله، دائم الثناء على الله، يشكر الله بقلبه، فقلبه ممتلئ بالإيمان، على يقين أن هذه النعم فضل من الله ساقها الله له، ليس مرجعها جهد ولا قوة، ولكن تفضُّل من رب العالمين، جعل لها أسبابًا، ووفقك للأخذ بها ليتحقق لك ما أراد الله من ذلك. واشكر الله بلسانك، فليكن لسانك ذاكرًا لله، معترفًا بنعم الله، في الحديث: (( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها ) ) [1] . وتشكر الله بأفعالك، فتسخر تلك الجوارح فيما يقربك إلى الله، تستعين بنعم الله على طاعته، ولا تكن النعم سببًا لطغيانك وأشَرَك وبطرك، كَلاَّ إِنَّ ?لإِنسَـ?نَ لَيَطْغَى? أَن رَّءاهُ ?سْتَغْنَى? [العلق:6، 7] . إنك مسؤول عن هذه النعم: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ?لنَّعِيمِ [التكاثر:8] . سنسأل عن هذا النعيم الذي نعيش فيه، سيسأل العبد عن مأكله ومشربه ونعم الله التي منحه إياها: هل أدى حقها؟ هل قام بشكرها أم كان من الغافلين المتجاهلين لها؟
أيها المؤمن، أنعم الله عليك بصحة بدنك، فبدنك سليم من الآفات، معافىً من الأمراض، إنها نعمة سيسألك الله عنها يوم لقاه، أنعم الله عليك بهذه النعم، أنعم الله عليك بأصناف النعم، فاشكر الله عليها وأعد للسؤال جوابًا.
أيها المسلم، أمنك الذي تعيشه، ونعمة الله عليك بذلك، الله جل وعلا أنعم وذكَّرك نعمة أمنك في بلدك، فهي نعمة عظيمة، لا بد للعباد أن يعرفوا قدرها، يقول الله جل وعلا: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءامِنًا وَيُتَخَطَّفُ ?لنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت:67] . أنعم الله عليك، فجعل لك النوم لتستعين به على مصالح دينك ودنياك، جعل الليل لباسًا والنوم سباتًا، جعل هذا النوم راحة لك، فإذا قلَّ نومك ضاعت أمورك واضطربت أحوالك، فسبحان الحكيم العليم فيما يقضي ويقدر. النعم أُنعم عليك بها، ثم أُعطيت قابلية لها، وأعنت على تناولها، وسُهِّل لك هضمها، وكل ذلك من نعم الله عليك، ولهذا كان محمد إذا خرج من قضاء حاجته قال: (( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ) ) [2] ، فصلوات الله وسلامه عليه يذكِّر أمته بهذه النعم ليعرف العبد قدر نعم الله، فلو احتبس البول والغائط عن موعده لكنت في غاية من القلق والاضطراب، فسبحان من تفضل على عبده بما تفضل به من النعم.
أيها المسلم، كلما أعدت النظر في نعم الله عليك وفضل الله عليك عرفت حقًا أننا مقصرون في شكرها، عاجزون عن القيام بها، وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ?لشَّكُورُ [سبأ:13] ، فقليل من العباد من يعرف هذه النعمة، إذا كنت في نعمة فاعرف قدرها، ولا تنظر إلى من فوقك، ولكن تأمل إلى من هو دونك، فتزداد لله شكرًا على نعمته. احذر احتقار النعم، احذر الازدراء بها، فإن تلك من أسباب رحيلها عنك. وإن الشكر ليبقي النعم الموجودة ويأتي بالمفقود، وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] ، وأخبر تعالى أن من فضله لا يزيل النعم عن عباده حتى يكون العباد هم السبب في ذلك، قال جل وعلا: ذلِكَ بِأَنَّ ?للَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّرًا نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى? قَوْمٍ حَتَّى? يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال:53] ، فإذا غير العباد شكره بكفره وغيَّروا الطاعةَ بالمعصية، فإن الله يسلب نعمَه عنهم عقوبةً لهم، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [فصلت:46] ، وَضَرَبَ ?للَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ?للَّهِ فَأَذَاقَهَا ?للَّهُ لِبَاسَ ?لْجُوعِ وَ?لْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [النحل:112] ، فعياذًا بالله من زوال نعمته، ومن تحول عافيته، ومن فجاءة نقمته، فهو أرحم الراحمين، لو أخذ العباد بذنوبهم لما أبقى على وجهها أحدًا، وَلَوْ يُؤَاخِذُ ?للَّهُ ?لنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ [النحل:61] ، ولكن رحمته سبقت غضبه، وحلمه سبق عقوبته، فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، في الحديث يقول جل وعلا: (( أنا والإنس والجن في نبأ عظيم؛ أخلق ويُعبد سواي، وأرزق ويشكر غيري، خيري لهم نافذ، وشرهم إليَّ صاعد، أتحبَّب إليهم بالنعم، ويتباعدون عني بالمعصية ) ) [3] .
أيها المسلم، فكن شاكرًا لله نعمه، مؤديًا حقَّها الذي أوجب عليك. فرائض الإسلام أداؤها شكر لله، واجبات الإسلام أداؤها شكر لله وعونٌ على القيام بشكر هذه النعم، ولذا يقول سيد الأولين والآخرين لما قام الليل حتى تفطرت قدماه: (( أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! ) ) [4] ، فلما أعظم الله عليه النعم كان أعظم الخلق شكرًا لله، طاعةً لله، وقيامًا بحق الله، فهو أخشى الخلق لله، وأتقاهم لله صلوات الله وسلامه عليه أبدا دائمًا إلى يوم الدين، وكلما كان العبد بالله أعرف كان أخوف وأتقى لله، فتأملوا نعم الله، وتدبروها حق التدبر، واشكروا الله عليها بالقلوب والألسن والجوارح، وحافظوا عليها من الزوال، فإنها نعم تبقى مع الشكر، وتترحَّل مع كفرها عياذًا بالله.
نسأل الله أن يديم علينا نعمته، وأن يجعلها عونًا لنا على ما يرضيه، وأن يوفقنا للعمل بشرعه، والقيام بما أوجب علينا، إنه على كل شيء قدير.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء (2734) من حديث أنس رضي الله عنه.
[2] أخرجه ابن ماجه في الطهارة (2734) من حديث أنس رضي الله عنه، قال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/44) :"هذا حديث ضعيف، ولا يصح فيه بهذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، وإسماعيل بن مسلم المكي متفق على تضعيفه"، وهو في ضعيف السنن (60) .
[3] أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (974، 975) ، والبيهقي في الشعب (4563) من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير وشريح بن عبيد الحضرميان عن أبي الدرداء رضي الله عنه لكن ليس فيه من قوله: (( خيري لهم نافذ.. ) )إلى آخر الحديث، وأعله الألباني بالانقطاع؛ فإن عبد الرحمن وشريحا لو يدركا أبا الدرداء، انظر: السلسلة الضعيفة (2371) .
[4] أخرجه البخاري في الجمعة (113) وفي التفسير (4837) ، ومسلم في صفة يوم القيامة (2819، 2820) من حديث المغيرة بن شعبة وعائشة رضي الله عنهما.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى، واشكروه على نعمه يزدكم من فضله وكرمه، والله وصف أنبياءه بالشكر فقال عن نوح: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:2] ، وقال عن إبراهيم عليه السلام: شَاكِرًا لأنْعُمِهِ ?جْتَبَـ?هُ وَهَدَاهُ إِلَى? صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل:121] .
فاشكروا الله على نعمه، اثنوا عليه بما هو أهله، فهو أعطى الكثير فضلًا، ورضي منكم باليسير قرضًا، أن تشكروه على نعمته، وتحمدوه على فضله، كلما قلبت النظر في نفسك وفي بيتك وفي ولدك وفي نعم الله عليك فاعرف أنها نعم ابتليت بها، قال الله عن سليمان عليه السلام: هَـ?ذَا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى أَءشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل:40] .
فمن عباد الله مَن نعمُ الله تزيده شكرًا لربه وخضوعًا لربه وطاعة لربه وتواضعًا لربه، ومنهم مَن نعم الله تبعده عن الله، ويزداد غرورًا وانخداعًا، قال تعالى عن قارون أنه قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى? عِلْمٍ عِندِى [القصص:78] ، لم يقل: من فضل ربي، ولكن قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى? عِلْمٍ عِندِى ، هكذا حال الطغاة الظالمين، وسليمان عليه السلام يقول: هَـ?ذَا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى أَءشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ، فقارون نسب نعمَ الله إلى علمه، وأن علمه هو الذي حقق له ما حقق، ونبي الله سليمان نسب الأمر إلى الله، واعترف بالفضل لصاحب الفضل جل جلاله فقال: هَـ?ذَا مِن فَضْلِ رَبّى ، وأخبر الله جل وعلا عنه أنه قال: رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ?لَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى? وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـ?لِحًا تَرْضَـ?هُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ?لصَّـ?لِحِينَ [النمل:19] ، قال لمعاذ بن جبل: (( يا معاذ، إني أحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على شكرك، وأعني على ذكرك، وأعني على حسن عبادتك ) ) [1] ، وسيد الأولين والآخرين يقول: (( لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) ) [2] .
فالحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة، الحمد لله على فضله بنعمة الإسلام، الحمد على فضله بنعمة الصحة والعافية، الحمد لله على فضله بالأمن والاستقرار، الحمد لله على نعمه العظيمة التي لا نحصيها ولا نستطيع عدَّها، (( من أصبح آمنًا في سربه، معافىً في بدنه، عنده قُوت يومه وليلته، فكأنما حيزت له الدنيا بخذافيرها ) ) [3] .
فلربنا الحمد والشكر لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه وفوق ما أثنى عليه عباده، لا رب سواه ولا معبود بحق إلا إياه، له الحمد أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، حمدًا يليق بجلاله وعظمته، فله الفضل والمنة أولًا وآخرًا، والحمد لله رب العالمين.
واعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار.
وصلوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمد كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم...
[1] أخرجه أحمد (5/247) ، وأبو داود في الصلاة، باب في الاستغفار (1522) ، والنسائي في السهو، باب: نوع آخر من الدعاء (1303) من حديث معاذ رضي الله عنه، وصححه ابن خزيمة (751) ، وابن حبان (2020) ، والحاكم (1/407) ، وقال النووي في الخلاصة كما في نصب الراية (2/235) :"إسناده صحيح"، وصححه الحافظ في الفتح (11/133) ، وهو في صحيح أبي داود (1347) .
[2] جزء من حديث أخرجه مسلم في الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود (486) عن عائشة رضي الله عنها.
[3] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (300) ، والترمذي في الزهد، باب: التوكل على الله (2346) ، وابن ماجه في الزهد، باب: القناعة (4141) ، والحميدي في مسنده (439) من حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري، قال الترمذي:"حديث حسن غريب". وله شواهد من حديث أبي الدرداء وابن عمر وعلي رضي الله عنهم. انظر: السلسلة الصحيحة (2318) .