فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
سيرة وتاريخ
السيرة النبوية, غزوات
عبد الله الهذيل
الرياض
فيحان
1-قصة أصحاب الرجيع. 2- أصحاب بئر معونة. 3- تأثر النبي وأصحابه من هذه الغدرة.
4-محاولة اليهود قتل النبي. 5- إجلاء بني النضير.
أيها الأحبة إلى الله:
وعودًا إلى ما بدأناه من سلسلة في خير هدي، وأهدى حياة شهدت الأرض أخبارها، وأظلت السماء أحداثها، وحملت الأيام نقاءها وصفاءها، فلم تدر بطول زمن، ولم تنس ببعد عهد، فأي الكتاب المحفوظ تنطق بمعانيها، ليستبين الصراط الحق فتثبت عليه أقدام المؤمنين، وتحفظ من زلل في سُبلٍ كفاهم الله شرها، فله الفضل من قبل ومن بعد، وله الحمد في الأولى والآخرة.
عودًا إلى ذلك الحديث المتتابع عن سيرة نبينا وحبيبنا وقرة عيوننا محمد بن عبد الله.
وقد مضى منه اثنتا عشرة حلقةً وقف بنا الحديث فيها عندما انتهت غزوة أحد، وما نزل بالمسلمين فيها من مصاب جعله الله تعالى عبرة تراجع فيها النفوس أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم.
وتمحيصًا يميز الطيب من الخبيث، والمجاهد من المخذ ّ ل، والمؤمن من المنافق، وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالًا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان الآية.
أيها الأحبة في الله:
بعد أن انقضت غزوة أحدٌ ظن أعداء الإسلام من اليهود والإعراب حول المدينة أن شوكة المسلمين قد ضعفت، وعودهم قد وهن، فأظهروا الجرأة في الخيانة والغدر، ورأوا أن أبوابًا من الأمل قد انفتحت أمامهم في الإغارة على المدينة ونهب خيراتها.
وكان من ذلك أن قام علوجٌ منهم بتأليب القبائل حول المدينة للهجوم على المسلمين، كمحاولة بني أسد، ومحاولة خالد بن سفيان الهذلي.
فقد ظنوا أن المدينة ستسلم لهم مفاتحها، فما راعهم إلا وسرية من المسلمين ترد كيدهم، وتجعلهم شتاتًا، كل تشغله نفسه عما في يده عسى أن يعود إلى أهله سالمًا.
ومما كان من غدر في أعقاب أحد ما وقع يوم الرجيع.
ففي شهر صفر من السنة الرابعة قدم على رسل الله وفد من عضل والقارة، وطلبوا من الرسول أن يرسل معهم إلى قومهم جمعًا من أصحابه يعلمونهم الدين، ويُقرؤونهم القرآن، فبعث معه عشرة من أصحابه، في رواية البخاري وفي قول ابن إسحاق أنهم ستة.
وجعل عليهم عاصم بن ثابت الأقلح أميرًا فذهبوا معهم، فلما كانوا بالرجيع - وهو ماء لهذيل - استصرخوا عليهم حيًا من هذيل وهم بنو لحيان، فتبعوهم وأحاطوا بهم، وكانوا قريبًا من مائتي مقاتل، فلجأ الوفد إلى مكان مرتفع، فأعطى الأعراب الأمان للوفد إن نزلوا إليهم، فقال عاصم بن ثابت: (أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر) ، فكان أصحابه معه على هذا، فقاتلوهم حتى قتل عاصم وستة من أصحابه، وبقي ثلاثة، فأعطوهم الأمان من جديد فقبلوا، فلما نزلوا ربطوهم وغدروا بهم، فقاومهم أحدهم فقتلوه، وبقي اثنان وهما خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنّة، فاقتادوهما إلى مكة، وباعوهما على قريش، فأما خبيب فقد اشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل ليقتلوه بالحارث الذي قتله خبيب يوم بدر.
فمكث عندهم أسيرًا، حتى إذا أجمعوا على قتله، استعار موسي (أي موس) من بعض بنات الحارث ليستحد به، فأعارته، وغفلت عن صبي لها فجلس الصبي على فخذ خبيب، فخشيت المرأة أن يقتله انتقامًا، فقال خبيب: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله، فكانت تقول ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله.
فخرجوا من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن الركعتين عند القتل.
ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا، ثم قال:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع
ثم قتل وصُلب.
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فلما خرجوا به من الحرم، اجتمع حوله رهط من قريش فيهم أبو سفيان، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأني جالس في أهلي.
فقال أبو سفيان: ما رأيت في الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا.
وبعثت قريش إلى عاصم لما علموا بقتله ليأتوا بشيء من جسده لأنه قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر. وكان عاصم قد دعا الله تعالى أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر - وهو الزنابير - فحمته من رسولهم فلم قدروا منه على شيء، ولم يستطيعوا أن يقطعوا من لحمه شيئًا.
ولما علم المسلمون بمصرع إخوانهم حزنوا لفقدانهم خيرةً من رجالهم.
وأحس المسلمون أن الأعراب بلغت مطامعهم أن يصطادوا الرجال غدرًا وخيانة.
ولكن هل يعني ذلك أن تتوقف الدعوة ولا تبث في الورى؟!
لا، وكلا..
إن التضحيات في الدعوة إلى الله أمرٌ لابد منه، وسنةٌ مضى عليها الأنبياء وأتباعهم.
فلا تكون الأطماع المترامية في جنبات البوادي عائقًا دون نشر رسالة الخير، فلن تحجب من أنوارها إلا كقدر ما تحجبه كف الصبي من ضوء الشمس.
فما كانت أمثال هذه المواقف العصيبة التي عاشها المسلمون لتوهنهم عن رسالة ملأوا بها قلوبهم، وسخروا لها أيامهم ولياليهم، وسقوا تربتها بصافي دمائهم.
لذلك، أُرسل القراء قبل نجد في نفس الشهر الذي وقعت فيه مأساة الرجيع، ليعلم الغدر وأهله أن الوفاء الحق سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وإن حدثت الأيام بأمثال الرجيع وأشد، وهو ما وقع لأولئك القراء في بئر معونة.
وخلاصة تلك المأساة، أن جاء أبو براء عامر بن مالك المدعو (ملاعب الأسنة) فدعاه الرسول إلى الإسلام، فلم يُسلم ولم يبعد، ثم قال: يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك، لرجوت أن يجيبوهم، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال: أبو براء: أنا جار لهم، فبعث معه سبعين رجلًا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم.
فسار القراء لإبلاغ دين الله، وما كانوا يدرون أنهم يحثون الخطا إلى مصارعهم في أرض انتشر الغادرون في فجاجها.
فساروا حتى بلغوا بئر معونة، فأرسلوا أحدهم - وهو حرام بن مليحان- إلى عامر بن الطفيل - وهو ابن أخ لأبي براء عامر بن مالك - وكان رأسًا في الكفر، فأعطاه حرام، كتاب رسول الله إليه يدعوه إلى الإسلام، فلم ينظر فيه، وأمر رجلًا من أتباعه أن يغتال الرسول، فما شعر حرام إلا وطعنة غدرٍ تخترق ظهره، وتنفذ من صدره، فوقعت على غير كاره لها، بل كم تمنى أمثالها، فإنه ما إن وقعت موقعها منه إلا صاح وقال: (فزت ورب الكعبة) ، (فزت ورب الكعبة) .
هكذا الفوز حقًا.
ولا فوز المناصب ولا الملاعب، ولا المسارح.
(فزت ورب الكعبة) .
ثم استنفر عدوا الله - عامر بن الطفيل - بني عامر لقتال الباقين فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء.
فاستنفر بني سُليم فأجابته عُصية ورعل وذكوان، فجاؤوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله ، فدافع القراء عن أنفسهم حتى استشهدوا كلهم غير كعب بن زيد بن النجار فإنه ارتثّ من بين القتلى، فعاش حتى استشهد في الخندق.
وكان عمرو بن أمية الضمري، والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين، فرأيا الطير تحوم على موضع الوقعة، فنزل المنذر فقاتل المشركين حتى قتل، وأسر عمرو بن أمية، فلما أخبر عامر أنه من مضر جزّ ناصية، وأعتقه عن رقبة كانت على أمه.
ولما رجع عمرو بن أمية لقي رجلين من بني كلاب، فقتلهما وهو يرى أنه قد أخذ ثأر أصحابه، وما شعر أن معهما عهد من رسول الله ، فأمر رسول الله بجمع ديتهما من المسلمين وحلفائهم من اليهود.
لقد تألم رسول الله لأصحابه في بئر معونة وقبلها في الرجيع أشد الألم، وظل يدعو ثلاثين صباحًا على رِعل، وذكوان، ولحيان، وعصية، ويقول: عصية عصت الله ورسوله، فأنزل الله تعالى على نبيه قرآنًا يتلى حتى نسخ بعد (بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه) .
فأي مطلب تطلبه النفس بعد هذا: أن يرضى الله تعالى عنها فلا يسخط عليها أبدًا؟ّ!
أيها الأحبة في الله:
لما ذهب النبي إلى منازل بني النضير ليفاوضهم في دية القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية، أظهرا له الرضا بمعونته، فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بما وعدوا.
فخلا بعضهم إلى بعض وقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن رجل يعلو ظهر هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، ويريحنا منه؟
مساكين، يحسبون أن الذي أرسله وأنزل عليه الكتاب سيتخلى عنه، وغابت عنهم معالم أليس الله بكاف عبده ومعاني: والله يعصمك من الناس.
فانبعث أشقاهم تستشرف نفسه أن يقال له: (قتل محمدًا) .
وجاء الوحي ليفضح مكيدتهم، فنهض رسول الله وخرج إلى المدينة، ولحقه أصحابه فأخبرهم الخبر.
ثم أرسل إلى بني النضير محمد بن مسلمة أن أخرجوا من المدينة ولا تساكنوني فيها، وقد أمهلتكم عشرًا.
فلم يروا بدًا من الخروج، فتجهزوا له، حتى أرسل إليهم عبد الله بن أبي بن سلول أن اثبتوا ولا تخرجوا، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم.
فهنا أحس اليهود أنهم في منعة، فأرسل كبيرهم حيي بن أخطب إلى رسول الله: أنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك.
فلما بلغ النبي جواب حيي كبّر وكبر أصحابه، ثم نهض لمناجزة القوم، فالتجأ بنو النضير إلى حصونهم أقاموا عليهم يؤمون بالنبل والحجارة، فلا يقاتلون إلا في قرىً محصنة أو من وراء جدر.
وفرض عليهم النبي الحصار، واعتزلتهم قريظة، وخانهم عبد الله بن أبي، وحلفاؤهم من غطفان، فكان مثلهم كما أخبر الله تعالى: كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك.
ودام الحصار ست ليال، وقيل خمسة عشرة ليلة، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فاندحروا واستسلموا، فأرسلوا إلى النبي: نحن نخرج عن المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم، وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح. فنزلوا على ذلك، وخربوا بيوتهم بأيديهم، فترحّل أكثرهم إلى خيبر، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وقبض رسول الله أرضهم وديارهم، فكانت خالصة لرسول الله يضعها حيث يشاء، ولم يخمسها لأن الله أفاءها عليه، فكانت تلك الغزوة غزوة بني النضير، وقد أنزل الله تعالى فيها سورة الحشر.
أيها الأحبة في الله:
وقد كان بين المسلمين وكفار قريش في أحدٍ موعدٌ للقاء في بدر بعد سنة.
وهاهو الموعد يقترب، فهل تلاقى الجيشان في بدر مرة أخرى أم لا.
هذا ما سنبدأ به الحديث في الدرس الرابع عشر إن شاء الله تعالى.