فهرس الكتاب

الصفحة 3599 من 5777

نهاية العام وبداية عام جديد

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

اغتنام الأوقات, الولاء والبراء

مراد وعمارة

باب الوادي

التقوى

1-بداية التأريخ الهجري. 2- فضل التاريخ الهجري على التاريخ الميلادي. 3- تعلق المواقيت والأحكام الشرعية بالتاريخ الهجري. 4- الحث على التوبة النصوح.

أيُّها المسلمون، اتَّقوا الله ربَّكم الشكور، مصرفَ الأوقات والدهور، ومجدّد الأيام والأعوام والشهور، فإنَّكم بين خاتمة عام وبداية عام جديد. فعمَّا قريب؛ بعد يوم أو يومين تنصرم هذه السنة ونستقبل أخرى. تذهب الأولى وأنت قد سَجَّلت فيها آثار أعمالك، فأمَّا إذا عملت صالحًا وأحسنت كان عامُك شاهدًا لك بالخير وبركة عليك، فتدخلَ عامك الجديد بنفس جديد، فيه من العمل الصالح المزيد ومن العلم النافع المفيد. وأمَّا إذا كنت في عامك هذا قصَّرت وأسأت فإنَّ عامك مطويّ عمَّا قريب ولن يعود، فبادره قبل الانصرام بتوبة نصوح، تستدرك بها ما فاتك فيه من خير، وتفتتح بها عامك الجديد على خير.

هذا وقد ذكر أهل الأخبار أنَّ المسلمين لم يكونوا يعملون بالتاريخ السنوي في أوَّل الأمر حتَّى كانت خلافة عمر بن الخطاب، فإنَّه جمع الناس فاستشارهم، فقال بعضهم: أرِّخوا كما تؤرِّخ الفرس بملوكها، كلَّما هلك ملك أرَّخوا بولاية من بعده، فكره الصحابة هذا الرأي، وقال آخرون: أرِّخوا بتاريخ الروم، فكرهوا ذلك أيضًا، فقال بعضهم: أرِّخوا من مولد النبيِّ ، وقال آخرون: بل من مبعثه، وقال آخرون: بل من مهاجره، فقال عمر بن الخطاب وكان ملهمًا: الهجرة فرَّقت بين الحقِّ والباطل، فأرِّخوا بها.

واليومَ ـ نرى معظم الأمَّة الإسلاميَّة ـ قد عدلت عن التوريخ بالتاريخ الإسلامي الهجري القمري إلى التوريخ بتاريخ النصارى الميلادي الشمسي الجريجوري، نسبةً إلى البابا جريجوري، وهو توريخ كما لا يخفى لا يَمتُّ إلى ديننا بصلة.

وإذا كان لبعض الناس شبهةٌ من العذر حين استعمر النصارى بلادَهم وأرغموهم على أن يتناسَوا تاريخهم الإسلامي الهجري، فليس لهم الآن أيُّ عذر في البقاء على تاريخ النصارى الميلادي، وقد علمتم أنَّ الصحابة كرهوا التوريخ بتاريخ الفرس والروم، والهدى في اتِّباعهم، والضلالة في مخالفة سبيلهم.

قال الله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36] .

فقوله: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي: هذا هو الشرع المستقيم، فالعجب من أمَّة الإسلام تترك هذا الشرع القويم في باب التوريخ، وهذه أمَّة اليهود لا تزال تورِّخ بتاريخها منذ أزيدَ من خمسة آلاف سنة، وهذه النصارى لا تورِّخ إلا بتاريخها منذ ألفي عام، مع ما في توريخهم من اختلال علمي وديني، كما سنبيِّنه.

فمن المؤسف حقًّا ومن المحزن المخزي ما صارت إليه هذه الأمَّة في مجموعها إلاَّ قليلا منهم، من التوقيت بتاريخ النصارى الميلادي بدلًا من تاريخهم الإسلامي الهجري الذي اتفقت عليه كلمة السلف، الذي شهوره هلالية كما شرع الله وكما كتب في كتابه الأوَّل، وهي الشهور التي جعلها الله تعالى مواقيت للناس كما قال عزَّ وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189] .

فهي مواقيت للناس كلِّهم، عربهم وعجمهم، ذلك لأنَّها علامات محسوسة وآيات مشهودة؛ ظاهرةٌ لكلِّ مبصر، يعرف بها دخول الشهر وانقضاؤه، فمتى رئي الهلال من أوَّل الليل دخل الشهر الجديد وانصرم السابق، قال الله تبارك وتعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسراء:12] .

فجعل سبحانه الليل آية أي: علامة يعرف بها، وهي الظلام وظهور القمر فيه، وللنهار علامة وهي النور وطلوع الشمس فيه، وهذا كما في الآية الأخرى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ [يونس:5] .

فأخبر سبحانه أنَّه علَّق معرفة السنين والحساب على تقدير القمر منازل، وعلى آية النهار، وهي الشمس، فبالشمس يعرف الأسبوع والليل والنهار والأيَّام، وبالقمر تعرف الشهور والأعوام، وبهما يتمُّ الحساب.

وإنَّما جعل الله تعالى الاعتبار بدور القمر، لأنَّ ظهوره في السماء لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب، بل هو أمرٌ ظاهرٌ يشاهد بالأبصار، بخلاف سير الشمس، فإنَّ معرفته تحتاج إلى حسابات دقيقة، فلم يحوجنا إلى ذلك، كما قال النبيُّ: (( نحن أمَّة أمِّيَّة، لا نعرف الكتاب ولا الحساب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا ) ).

أمَّا الشمس فإنَّما علَّق الله تعالى عليها أحكام الليل والنهار؛ من الصلاة والصيام.

فالصلاة تتعلَّق بطلوع الفجر وطلوع الشمس وزوالها ودلوكها وغروبها وغياب الشفق، والصيام موقَّت بمدَّة النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فبالشمس يتمُّ حساب مواقيت اليوم المتعلِّقة بالصلاة والصيام.

وأمَّا حلول شهر الصيام والفطر والأشهر الحرم والحجِّ وعِدَد النساء ومُدد الإيلاء وحلول آجال الزكاة والديون وغير ذلك من الأحكام والشرائع فهي موقَّتة بالأهلَّة. فبالشمس يتمُّ حساب الليالي والأيام، وبالقمر يتمُّ حساب الشهور والأعوام.

هذا هو الدين القيم الذي شرعه الله للناس أجمعين، ليس كالشهور الإفرنجيَّة، فإنَّها شهورٌ وهميَّة، فلا هي ممَّا شرع الله في كتاب صريح، ولا هي ممَّا بني على حساب علميِّ صحيح، بل هي شهورٌ اصطلاحيَّة مختلفة، بعضها واحدٌ وثلاثون يومًا، وبعضها ثمانية وعشرون يومًا وبعضها بين ذلك، ولا يُعلم لهذا الاختلاف من سبب حقيقي محسوس أو معقول، ولا مشروع على لسان رسول.

ولهذا طرحت مشروعات في الآونة الأخيرة لتغيير هذه الأشهر على وجه ينضبط، لكنَّها عورضت من قبل الكنيسة ورفضها القسِّيسون رفضًا شديدًا، تعصُّبًا منهم لباطلهم وتقليدًا لجهالهم.

فانظروا ـ معاشر المسلمين ـ كيف يعارض رجال الدين من النصارى في تغيير أشهر وهمية مختلفة إلى اصطلاح علمي يكون أحسن وأضبط، وأهل الإسلام فعامَّتهم سالكون لسبيلهم المعوجَّة، منحرفون عن سبيل سلفهم الصالح الواضحة المحجَّة.

وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل فقيل له: إنَّ للفرس أيَّامًا وشهورًا يسمُّونها بأسماء لا تعرف، فكره ذلك أشدَّ الكراهة.

هذه ذكرى ولعلَّكم تذكَّرون، أقول ما تسمعون، والله يغفر لي ولكم.

أيُّها المسلمون، نستقبل بعد يوم أو يومين عامًا جديدًا، وليس من السنَّة أن نتخذ أوَّل أيامه عيدا، ولا أن نحدث فيه ما يحدثه الضلال كتبادل التهاني وغيرها من البدع.

فليست الغبطة بكثرة السنين، وإنَّما الغبطة بما أمضاه العبد منها في طاعة الله تعالى.

إنَّ علينا أن نستقبل أيَّامنا وشهورنا وأعوامنا بطاعة ربِّنا، ومحاسبة أنفسنا وإصلاح ما فسد من أعمالنا.

وإنَّ من بديع حكمة الله تعالى أن جعل طرفي العام شهرين محرَّمين، وهما شهر ذي الحجة في خاتمة العام وشهر المحرَّم في فاتحة العام، فكأنَّ في ذلك إشعارًا للمؤمن بأن يختم عمله بالخير ويفتتحه بالخير، فقد هيَّأ الله له في فاتحة كلِّ عام وفي خاتمته شهرًا محرَّمًا تعظَّم فيه الأجور على الطاعات، كما تعظَّم فيه الحرمات.

قال الله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36] .

وشاهد ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم ) )الحديث.

والمقصود أنَّ الله تعالى قد جعل خاتمة كلِّ عام وفاتحته موطنًا يغتنمه العبد للتوبة وإصلاح الحال والزيادة في الخير. فإنَّه إذا افتتح السنة بالطاعة وختمها بالطاعة يرجى أن يكتب له عامه ذاك كلُّه طاعة. فإنَّ من كان أوُّل عمله طاعة وآخره طاعة فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين.

قال قتادة:"إنَّ الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا من الظلم فيما سواه، وإن كان الظلم على كلِّ حال عظيما، ولكن الله يعظمُّ من أمره ما يشاء".

وقال ابن عباس: ( فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ أي: لا تظلموا أنفسكم في كلِّهنَّ، ثمَّ اختصَّ من ذلك أربعة أشهر فجعلهنَّ حرما، وعظَّم حرماتهنَّ، وجعل الذنب فيهنَّ أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم) .

فاغتنم ـ يا أخا الإيمان ـ هذا الشهر المحرَّم للتوبة النصوح تمحُ ما سلف من الذنوب والخطيئات السالفة في الأيام الخالية.

قطعتَ شهور العام لهوًا وغفلةً ولم تحترم فيما أتيت المحرَّما

فلا رجبًا وافيت فيه بحقِّه ولا صمت شهرَ الصوم صومًا متمِّما

فهل لك أن تمحو الذنوب بعبرة وتبكي عليها حسرة وتندُّما

وتستقبل العام الجديد بتوبة لعلَّك أن تمحو بها ما تقدَّما

واعلم ـ أخا الإيمان ـ أنَّ ناصحك كما قيل:

ما كلُّ من وصف الدواء يستعمله ولا كلُّ من وصف التقى ذو تقى

وصفت التقى حتَّى كأنِّي ذو تقى وريح الخطايا من ثيابي تعبق

ولكن كما قال الآخر:

لئن لم يعظ العاصين من هو مذنب فمن يعظ العاصين بعد محمَّد

فهذا ما سمعتم، وقوموا إلى صلاتكم يغفر الله لي ولكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت