فقه
الصلاة, المساجد
ياسر بن عياش الفداوي
الحسينية
مسجد ابن تيمية
1-فضل صلاة الجماعة. 2- الترهيب من ترك الجماعة. 3- فضل المشي إلى المسجد لأداء الصلاة فيه مع الجماعة. 4- حرصه على صلاة الجماعة.
أما بعد: عباد الله، فنظرًا لعزوف كثير من الناس عن صلاة الجماعة وتكاسلهم عنها أحببنا أن نُذَكِّر أنفسنا وإياهم ببعض فضائل صلاة الجماعة، والله الموفق إلى كل خير.
1-من فضائل صلاة الجماعة مضاعفة الأجر، قال النبي: (( صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ) )متفق عليه.
2-ومن فضائلها رفع الدرجات وحطّ الخطيئات، قال: (( صلاة الرجل في جماعة تَضْعفُ على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يُخْرِجُه إلا الصلاة لم يخطُ خطوة إلا رُفِعَت له بها درجة، وحُطّ عنه بها خطيئة، فإذا صلَّى لم تزل الملائكة تُصلِّي عليه ما دام في مُصَلاّه ما لم يُحْدِث: اللهم صلّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة ) )متفق عليه.
3-ومن فضائلها غُفران الذُّنوب، قال: (( من توضّأ فأَسْبَغ الوضوء ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلاّها مع الإمام غُفِرَ له ذنبه ) )رواه ابن خزيمة وصحَّحه الألباني.
4-صلاة الجماعة من سنن الهدى، عن ابن مسعود قال: (من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بِهِن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سُنن الهدى، وإنهن من سُنن الهدى، ولو أنكم صلَّيتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سُنَّة نبيّكم، ولو تركتم سُنّة نبيّكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلَّف عنها إلا منافق معلوم النِّفاق، ولقد كان الرَّجُل يُؤْتى به يُهَادَى بين الرَّجُلَين حتى يُقام في الصَّف) رواه مسلم.
5-أن من حافَظ على الجماعة عاش بخير ومات بخير، وقال: (( أتاني الليلة آتٍ من ربي قال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم؛ في الكفّارات والدرجات ونقل الأقدام للجماعات وإسباغ الوضوء في السَّبَرات وانتظار الصلاة، ومَن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير، وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) )رواه أحمد والترمذي وصحَّحه الألباني.
6-أنها مأمور بها حتى على الأعمى؛ فقد أتى النبي رجلٌ أعمى فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فرخَّص له رسول الله أن يصلي في بيته، فلمَّا وَلَّى دعاه فقال: (( هل تسمع النداء بالصلاة؟ ) )قال: نعم، قال: (( فأجب ) )رواه مسلم.
عباد الله، ولقد ورد الترهيب من ترك الجماعة، قال: (( إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلِّي بالناس، ثم أنطلِق معي برجال معهم حِزَمٌ من حَطَب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأُحَرِّق عليهم بيوتهم بالنار ) )متفق عليه.
ألا وإن مما يدل على فضلها أن من كان شديد الحب للمساجد لأداء الصلاة مع الجماعة فيها فإن الله تبارك وتعالى سيظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) )، وذكر منهم: (( ورجل قلبه معلق في المساجد ) )، يقول الإمام النووي في شرح قوله: (( ورجل قلبه معلق في المساجد ) ):"معناه شديد المحبة لها والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه القعود في المسجد".
عباد الله، بين الرسول أن الخطوات التي يخطوها المرء المسلم إلى المسجد أنها تكتب له، فقد روى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، قال: والبقاع خالية، فبلغ ذلك رسول الله فقال: (( يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم ) )، فقالوا: ما كان يسرنا أن كنا تحولنا. يقول الإمام النووي رحمه الله في شرح قوله عليه الصلاة والسلام:"أي: الزموا دياركم؛ فإنكم إذا لزمتموها كتبت آثاركم وخطاكم الكثيرة إلى المسجد".
ومما يدل على فضل المشي إلى المسجد لأداء الصلاة فيه مع الجماعة أن الله تعالى قد رفع منزلة آثار قاصد المسجد، حتى إن الملائكة المقرَّبين يختصمون في إثباتها والصعود بها إلى السماء، ودليل ذلك عندما سأل الله تبارك وتعالى محمدا في نهاية الحديث بقوله: (( يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت ـ أي: الرسول ـ: نعم، في الكفارات، والكفارات المكث في المساجد بعد الصلاة، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء على المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه ) )حديث صحيح.
ولو لم يكن المشي على الأقدام إلى الجماعات من الأعمال الجليلة ما كانت الملائكة المقربون يتخاصمون في إثباتها والصعود بها إلى السماء.
كما أن المشي إلى الجماعات من أسباب ضمان العيش بخير والموت بخير، فقد جاء في الحديث السابق أنه من فعل ذلك ـ أي: الأعمال الثلاث المذكورة في الحديث ومنها: المشي على الأقدام إلى الجماعات ـ فقد عاش بخير ومات بخير. فما أعظم هذا الضمان! العيش بخير والموت بخير، ومن تعهَّد بذلك؟ هو الله الواحد الذي لا أحد أوفى بعهده منه.
وليس هذا فحسب، بل جعل الله المشي إلى الجماعات أيضا من أسباب تطهير العبد من الذنوب، فقد روى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ ) )، وذكر منها: (( وكثرة الخُطى إلى المساجد ) )حديث صحيح. يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:"كل خطوة واحدة يرفع الله بها درجة، وتحطّ عنه خطيئة، وتكتب له حسنة، وهذه الزيادة الأخيرة (حسنة) في صحيح مسلم".
كما أن أجر الخارج إلى الصلاة المكتوبة من بيته لأداءها مع الجماعة متطهرا كأجر الحاج المحرم، فقد روى الإمام أحمد والإمام أبو داود عن أبي أمامة قال: قال رسول الله: (( من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم ) )حديث حسن.
الله أكبر! ما أعظم أجر الخارج إلى المسجد، وإذا كان هذا الأجر العظيم على الخروج لأداء الصلاة مع الجماعة، فكيف يكون الأجر عند أدائها مع الجماعة؟!
ومما يدل على فضل الذهاب إلى المسجد ما بينه النبي من أن الخارج إلى الصلاة ضامن على الله تعالى، فقد روى الإمام أبو داود عن أبي أمامة عن رسول الله قال: (( ثلاثة كلهم ضامن على الله عز وجل ) )، وذكر منهم: (( ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه، فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة ) )حديث صحيح. ما أوثق هذا الضمان وأعظمه! وأي ضمان يمكن أن يكون أوثق أو مثل ضمان الخالق القادر سبحانه وتعالى؟!
وروى الإمام ابن ماجه عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله: (( بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بنور تام يوم القيامة ) )حديث صحيح. قال الطيبي في شرح الحديث:"في وصف النور بالتام وتقييده بيوم القيامة تلميح إلى وجه المؤمنين يوم القيامة، في قوله تعالى: نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم: 8] ".
وأختم في هذه النقطة بحديث في فضل المشي إلى المسجد لأداء الصلاة مع الجماعة، وهو ما رواه الشيخان عن أبي هريرة عن النبي قال: (( من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح ) )حديث صحيح.
ومما يدل على فضل صلاة الجماعة في المسجد ما قاله الرسول: (( من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر ) ).
ومما يدل على فضل الصلاة مع الجماعة في المسجد ما قاله الرسول: (( لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته ) ). والبش كما يقول الإمام ابن الأثير:"هو فرح الصديق بالصديق".
عباد الله، إن لصلاة الجماعة ولا سيما في الصف الأول فضلا عظيما، وقد بين الرسول في عدة أحاديث هذا الفضل، ومنها قوله: (( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ) )حديث صحيح. وروى الإمام أبو داود عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله: (( وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه ) ).
يقول الشيخ أحمد البنا في شرح قوله: (( على مثل صف الملائكة ) ):"أي: في القرب من الله عز وجل ونزول الرحمة وإتمامه واعتداله".
كما أن الله تعالى وملائكته يصلّون على الصفوف الأولى وميامن الصفوف، فقد قال النعمان بن بشير رضي الله عنهما: سمعت رسول الله يقول: (( إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأولى ) )، وقال عليه الصلاة والسلام: (( إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف ) ).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الحمد لله القائل: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: 103] ، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي كان من وصيته لأمته قبل وفاته: (( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم ) )، صلوات الله وسلامه عليه.
عباد الله، روى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي يقول: (( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة ) )حديث صحيح. وفي الحديث الآخر الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله قال: (( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ) ).
وقد جمع بين هذه الروايات بأن حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في جماعة، والفضل خمس وعشرون، وحديث السبع والعشرين ذكر فيه صلاته منفردا وصلاته في الجماعة، والفضل بينهما، فصار المجموع سبعا وعشرين.
وقال الإمام النووي رحمه الله:"والجمع بينها من ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه لا منافاة بينها، فذكرُ القليل لا ينفي الكثير، والثاني: أن يكون قد أخبر أولا بالقليل ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها، والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة، فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون؛ بحسب كمال الصلاة".
وقال الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله:"وأما التفاوت فهذا ـ والله أعلم ـ كان لعدم نزول فضل الزائد إلا بعد الناقص، فأخبر بخمس وعشرين، ثم أخبر بسبع وعشرين، والله أعلم".
وقد استدل القائلون بأن صلاة الجماعة غير واجبة بهذه الأحاديث، وأن صيغة أفضل تدل على الاشتراك في أصل الفضل، ورد الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله على هؤلاء بقوله:"هذه الأحاديث تدل على فضل الجماعة، وهذا التفضيل لا يلزم منه عدم الوجوب، فصلاة الجماعة واجبة ومفضلة، فلا منافاة بين التفضيل والوجوب، ومن لم يصلها مع جماعة فصلاته صحيحة على الراجح مع الإثم".
عباد الله، الصلاة في الجماعة تعصم العبد من الشيطان، فقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ، أن النبي قال: (( إن الشيطان ذئب للإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية والناحية، وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة ) )، ومعنى: (( ذئب الغنم ) )أن الشيطان مفسد للإنسان بإغوائه كإفساد الذئب إذا أطلق في قطيع من الغنم.
عباد الله، انظروا إلى نبيكم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وحرصه على صلاة الجماعة حتى وهو مريض مثقل، فقد روى الإمام البخاري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلتُ: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ؟ قالت: بلى، ثَقُلَ النبي فقال: (( أصلى الناس؟ ) )قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: (( ضعوا لي ماء في المخضب ) )، قالت: ففعلنا، فاغتسل عليه الصلاة والسلام فذهب لينوء ـ أي: ليقوم ـ فأغمي عليه، ثم أفاق عليه الصلاة والسلام فقال: (( أصلى الناس؟ ) )قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: (( ضعوا لي ماء في المخضب ) )، قالت: فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: (( أصلى الناس؟ ) )فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، والناس عكوف في المسجد ـ أي: مجتمعون ـ ينتظرون النبي لصلاة العشاء، فأرسل النبيّ إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول الذي بعثه الرسول فقال: إن رسول الله يأمرك أن تصلي الناس، فقال أبو بكر وكان رجلا رقيقا: يا عمر، صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام... الحديث.
الله أكبر! كم كان صلوات الله وسلامه عليه حريصا على حضور صلاة الجماعة، يشتد مرضه فيغتسل ثم يغمى عليه فيفيق، فيغتسل للمرة الثانية، ثم يغمى عليه فيفيق، فيغتسل للمرة التالية، كل ذلك لعله يكسب نشاطا يمكنه بفضل الله تعالى من حضور صلاة الجماعة في المسجد.
فالله الله ـ عباد الله ـ في صلاة الجماعة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون: 4-7] .
هذا وصلوا وسلّموا على خير البرية...