فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الذبائح والأطعمة, الكبائر والمعاصي, قضايا المجتمع
فيصل بن عبد الرحمن الشدي
الخرج
جامع العز بن عبد السلام
1-أضرار المخدرات والمسكرات. 2- الأدلة على تحريم المخدرات والمسكرات. 3- جزاء شارب المخدرات والمسكرات في الإسلام. 4- أسباب انتشار وباء المخدرات والمسكرات. 5- العلاج لمن وقع في هذا البلاء.
أما بعد: شمس خطبتنا اليوم تشرق على خُطة صهيونية محكمة، ونور شعاعها يتوجه إلى لُغمٍ خطير جدُّ خطير، يفجر حضارات الشعوب ويهدد قيمها بالزوال وأخلاقها بالدمار.
أحابيل الشر تُغزل في الجهر والخفاء لهذه الخطة لتستهدف الأمة في أعز ما تملك، تستهدف الأمة في شبابها، في مستقبلها، في أملها وفخرها وقوتها، حربٌ طاحنة تطحن في طاحونتها آلاف النساء والرجال، وتمزق عشرات الأجيال. وحوشٌ كاسرة أنشبت مخالب الموت في عنق مجتمعاتنا الإسلامية، في حرب شرسة قذرة وُجهت إلى مكرمة الإنسان السليم وميزه عن الحيوان البهيم ألا وهو العقل. نعم، وجهت إلى العقول لتعطلها، وإلى الطاقات لتضعفها، إنها حرب المخدرات والإدمان، إنها دوامة الضياع والحرمان، ضياع للإيمان، وإغضابٌ للرحمن، وجرائم ومآسي وأهوال، رؤوس الصغار لها تشيب، ومصائب ونكبات أذهلت البعيد والقريب، وما الاغتصاب والسرقة وقتل الوالدين أو أحدهما والنصب والاحتيال إلا ثمرات مُرّة في الغالب نتجت من تلك الشجرة الخبيثة، شجرة المخدرات والإدمان.
ما زالت المجتمعات والأسر والبيوتات تتجرع في كثيرٍ منها مرارة تلك الحرب الشعواء والجريمة الشنعاء. أسرٌ يوم أن وقع بعض أفرادها أو فرد منها في شباك تلك المخدرات أصبحت لا تعرف سوى الرعب والألم والبُكاء والسقم؛ تفكك أسري، تشريد للأطفال، طردٌ من الوظيفة، فشلٌ دراسي وضياع للمستقبل، اختلالٌ في العقل، ضعف للذاكرة، نوبات الصداع، وتلف في خلايا المخ، اكتئاب وهم، وقلق وغم، ومزاج نكد، صورٌ محزنة، ونهايات منتنة، وخاتمات سيئة، وفضيحة في الدنيا وعذابٌ في الآخرة لمن مات وهو على ذلك.
ومن ثمار هذه الجريمة المنكرة ونتاجها المُرَّة الشذوذ الجنسي وجنون الشهوة الذي ربما وصل إلى نكاح المحارم والعياذ بالله. وهذا أحد الأساتذة يقول: كُلفت بالعمل بإحدى الدور التي تُدعى بدور الأيتام، وبدأت العمل فأحببت هؤلاء الأيتام وأحبوني، أطفالٌ كأعمار الزهور، أؤانسهم وأُفرح قلوبهم، لكنه استوقفني طفل يتيم أراه دائمًا مهمومًا مغمومًا كثير التفكير، وأجده أحيانًا يبكي، بعد أن استوقفت أحد الباحثين النفسيين في الدار وسألته عن ذاك الطفل، وقلت: بالله عليك، أخبرني عن حال هذا الطفل، سكت قليلًا وقال: أرجوك لا تُحرجني، كررت عليه الطلب فقال: إن والد هذا الطفل كان يتعاطى المخدرات ووقع على ابنته ثم حملت، وحالتها النفسية سيئة جدًا وأنجبت هذا الولد وهو كما ترى.
دمعي أمام جدار الليل ينسكبُ وجَمرة في حنايا القلب تلتهبُ
وصورة لضياع العمر قاتِمة تسعى إليَّ ومن عينِي تقتربُ
ووحشة في فؤادي أستريح لها كأننِّي بيْن أهل الدار مغتربُ
قاتل الله المخدرات، قاتل الله المخدرات، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وعافنا اللهم مما ابتلي به الناس، رحماك ربي.
إخوة الإسلام، هل رأيتم صور المدمنين وهم ميتون أثناء أخذهم للجرعات، ولم يتم اكتشافهم إلا بعد أن تعفنت أجسادهم. شابٌ في الثلاثين من عمره زاد من جرعة المخدر فانفجر مخّه، ووجد بعد ثلاث أيام متعفنًا في غرفته، أتدرون على أي حال؟! وجد ساجدًا على قطع من المخدرات، وقد تحجرت الدماء في وجهه فأصبح وجهه أسود كالفحم.
سبحانك ما أعظمك! سبحانك ما أحكمك! أعظم بشرع الله وأكبر بملة الإسلام يوم أن حرمت أم الخبائث والآثام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:90، 91] ، وقال أنس: لعن رسول الله في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له. ومثله روي عن ابن عمر عند أبي داود وغيره وهو حديث حسن. وفي مسند الإمام أحمد قال: (( مدمن الخمر إن مات بعثه الله كعابد وثن ) )ورجاله رجال الصحيح، وفي صحيح مسلم قال: (( إن على الله عز وجل عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال ) )، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: (( عرق أهل النار أو عصارة أهل النار ) ).
شاربها في دين الله يجلد ثمانين جلدة، فإذا تكررت منه وهو يعاقب ولا يرتدع قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"يقتل في الرابعة عند الحاجة إليه إذا لم ينته الناس بدون القتل". وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم أن شاربها يُحد وإن لم يسكر ولو شرب قليل. وأجمع أهل العلم على أن شرب الخمر من الكبائر العظام المتوعد عليها بالنار.
وهلمَّ ـ يا رعاكم الله ـ إلى بيان أسباب هذا البلاء وعلل استفحال هذا الداء، فقد يكون البعض قد أخذ بهذه الأسباب أو بعضها تهاونًا في نفسه أو مع أبنائه، وما علم أن النهاية الجحيم الدنيوي والأخروي.
ألا وإن أعظم أسباب انتشار وباء المخدرات والمسكرات بلا منازع وأكبرها بابًا في دخول الواقعين فيها أصدقاء السوء. نعم، عشرات التائبين والنادمين يصدرون قصصهم: وتعرفت على قرناء السوء، وأغراني أصدقاء السوء، وقال لي أصدقاء السوء: جرب... وهلم جرا.
ويا عجبًا من الشباب اليوم، كثيرٌ منهم لا يفرق بين بائع المسك ونافخ الكير، هذا شابٌ يروي قصته وهو حزين وعيناه مملوءتان بالدموع فيقول: كنت وأخي وأختان صغيرتان نعيش مع أبي وأمي، كنا في سعادة وهناء، وأبي كان موظفًا، كانت حياتنا هنيَّة، أبي ذو خلق وأدب، وكذا أمي، كنا أنا وأخي من أوائل الطلاب في المدرسة، كان جو البيت سعيدًا، لكن جاء كابوس مخيف حلَّ ببيتنا وقلبها رأسًا على عقب، شيء لا يصدقه العقل، أبي انقلب من صاحب الابتسامة الرحيم إلى وحش كاسر، لا يعرف إلا الضرب والصراخ، وأمي كانت أول ضحاياه يسبها ويضربها، وهي صابرة ترجو أن يرجع إلى صوابه، نظرنا في حال أبي: لماذا تغير هكذا؟! فإذا هي رفقة السوء جلس معهم قادوا والدي إلى الهاوية بعد أن بادؤوه بحبة واحدة، فأخرى ثم ثالثة، وهكذا حتى ضيع أبي حياته وفصل من وظيفته، وتراكمت الديون علينا، باعت أمي المسكينة كل مجوهراتها، ولكن السم القاتل تمكن من أبي، دخل علينا مرة وهو في حال سكر شديد وهياج منقطع النظير، وهو يصرخ: أعطوني مالًا، فقالت أمي: لا يوجد عندنا مال والبيت كما ترى، إنك ستهلك بدنك بالحرام، اتق الله في دينك، اتق الله في أولادك، فقال لها والدي: أنا لا أعرف بيتًا ولا أولادًا أُريد مالًا، واشتدّ النقاش والصراخ، فاستل أبي سكينًا وطعن بها أمي المسكينة، فسقطت أمي ميتة تتخبّط في دمائها، أي جريمة اقترفتها أمي؟! أي ذنب جنته؟! وأُحيل والدي إلى السجن، وأحيلت أختاي الصغيرتان إلى دار أيتام في مدينة بعيدة عن مدينتنا، وأنا وأخي في دار أيتام أخرى، إنها صحبة السوء دمرت أبي ودمرت حياتنا كلها.
السبب الثاني: إهمال الوالدين وسوء التربية، ومن أراد الدليل على إهمال بعض الآباء فلينظر إلى الشباب وهم في الشوارع وعلى الأرصفة إلى ساعات متأخرة من الليل، بل ـ والله ـ لقد رأيت أطفالًا دون الثامنة وهم في الشوارع يذهبون ويجيئون إلى الساعة الواحدة ليلًا، لا حسيب ولا رقيب، يتعلم هذا الصغير والمراهق التدخين حبًا للتقليد والاستطلاع، ثم سيجارة الحشيش، وهكذا تبدأ البداية بل قل: النهاية، فأين الآباء والأمهات؟! أين الحب والحنان؟! هذا طالبٌ في الصف الثاني المتوسط يقول: إن بعض زملائه يبيع عليه سيجارة الحشيش التي تكلف ما بين 200 إلى 300 ريال يحصل عليها من والده ووالدته وأخواته الكبار، ولم يعلم الأب بتعاطي ابنه لهذا البلاء إلا بعد دخوله دار الملاحظة.
وها نحن هذه الأيام نعيش أيام الامتحانات، فهناك من الطلبة من يعمد إلى تعاطي المنبهات أو المخدرات، وذلك لدفع النوم كما يظنون، أو النشاط كما يزعمون، ولكنها البداية النكدة لو كانوا يعلمون، فأين الآباء والأمهات عنهم؟!
وانظر إلى شُلل الفساد والخراب التي تنتظر أبناءك بعد الخروج من الامتحانات، لتصطاده فبداية الأمر دوران في الشوارع وأنس وضحك، ونهايته إدمان وفحش ورذيلة.
إن الدلال والترف الزائد وتلبية كل ما يريد الأبناء طريق من طرق هذا البلاء، كما أن الضرب والقسوة الزائدة والحط دائمًا من قدر الأبناء طريق من طرق هذا البلاء، إذًا ما الحل؟ الحل لا تكن يابسًا فتكسر ولا لينًا فتعصر، وإنما القصد والتوسط ولين الرقيب المشفق.
السبب الثالث: وسائل الإعلام لا سيما الغربية منها، ويكون أثرها بنشر المستوى الفكري والأخلاقي الهابط، وذلك بإبعاد الشاب عن الدين وبالإثارة الجنسية، وجعل من يسمون بالفنانين نجومًا وكواكب يقتدى بهم ليقلدهم الشباب، وبعضهم مصابون بداء شرب الخمور وإدمان المخدرات.
السبب الرابع: السفر للخارج. لقد أثبتت الدراسات أن نسبة كثيرة من الشباب بدؤوا تعاطي المخدرات أول مرة خارج البلاد باسم السياحة الموهومة، وهي درب في الصياعة المرسومة، حيث الحانات والخمور والمراقص والفجور.
هذا شاب يقول: تزوجت في سنّ مبكرة وأكرمني الله بزوجة صالحة وأبناء منها، ولكن لم أشكر النعمة، جلست أنا وبعض أصحابي نتحدث عن السفر ولذته، فعقدنا العزم على السفر للخارج، وكذبت على زوجتي، وفعلًا سافرنا، وفي إحدى الليالي ذهبنا إلى إحدى النوادي الليلية على سبيل المشاهدة فقط، وهناك بدأت تجربة الخمور، ثم رويدًا رويدًا إلى المخدرات ثم السجن.
السبب الخامس: بعض العمالة الأجنبية وخاصة الكافرة منها، فقد جاءت بعاداتها وتقاليدها ومعتقداتها من إباحة للجنس والمسكرات والانحرافات، والمصيبة اندماج العمالة الأجنبية العزاب في الأحياء السكنية ودخولهم مع الشباب والأحداث، بل ودخول بعضهم للبيوت كالسائقين والخدم والخادمات. وهذه خادمة جاءت من بلادها مدمنة على المخدرات لتعمل لدى أسرة مكونة من أب وأم وفتاة تبلغ من العمر 18عامًا، وتعرفت الخادمة على شاب مدمن من شباب الحي، وذات يومٍ اشترط هذا الشاب المدمن على الخادمة أن تمكنه من بنت هذه الأسرة وإلاَّ سيمنع عنها المخدرات، فوافقت واستغلت يومًا كان والد الفتاة قد سافر فيه ووالدتها خارج المنزل، فوضعت الخادمة مخدرًا للفتاة في الشاي وخدَّرها، فأدخلت الوحش المدمن لاغتصاب الفتاة المسكينة، وعندما أفاقت المسكينة من مفعول المخدر لم تتحمّل فأصيبت بالجنون. فانتبهوا فقد يؤخذ أهل البيت ممن يسكن فيه.
أقول قولي هذا...
أما بعد: السبب السادس من أسباب انتشار المسكر والمخدرات: المشاكل ومصائب الدنيا وهموم الحياة؛ وذلك مثل المشاكل الأسرية التي قد تنتهي بالطلاق ثم ينقسم البيت والأولاد ليكونوا في صراع نفسي، تؤدي إلى تفكك الأسرة لتفر إلى المخدرات ظانة أنها مهربها ومفرّها، وكذا مشاكل الحياة ومصائب الدنيا، الفشل في العمل أو الزواج أو الدراسة وانتشار البطالة والفقر، والشبح المظلم ألا وهو الفراغ ذاك السم القاتل.
السبب السابع ورأسها وأساسها: ضعف الإيمان وانعدام الخوف من الله سبحانه، فما وقع من وقع في دوامة الضياع هذه إلا يوم أن تُجوزت حدود الله، واعتدي على محارم الله، وإلا رب العالمين قد قالها يوم أنزل كتابه وهو أعلم: فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90] .
السبب الثامن والأخير: الوقوع في التدخين، تلك السيجارة الخبيثة سواك الشيطان، ولا شك في حرمتها، أوَتظنّ عندما يبدأ المرء بها بإغراءٍ من الشيطان أن شيطانه يقنع بهذه الخطوة؟! لا، بل يجره إلى ما هو أشد، إلى الحبوب والحشيش، وسجائر المخدر دائمًا في مخيلة شاربها حلم المتعة ونشوة اللذة، وحقًا رب العالمين قال: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [الأنعام:142] .
أخيرًا أيها الإخوة، لا شك أن العلاج هو عكس الأسباب، وأهم العلاج وأعظمه تقوية الإيمان، يقول المؤرخ العالمي تويني في كتابه محاكمة الحضارة:"إن الروح الإسلامية تستطيع أن تحرر الإنسان من ربقة الكحول (الخمر) عن طريق الاعتقاد الديني العميق، والتي استطاعت بواسطتها أن تحقق ما لم يمكن للبشرية أن تحقق في تاريخها الطويل".
والحق ما شهدت به الأعداء. نعم، المواظبة على الصلوات وحضور حلقات الذكر وتنشئة الأبناء على الأخلاق الحميدة أعظم سياج يقي من الشرور، كذلك الحرص على الصحبة الصالحة سواءً للكبار أو الصغار، وكذلك متابعة الأبناء ومعرفة أصدقائهم، وعدم السماح لهم بالسهر لأوقات متأخرة من الليل، وتجنيب الأبناء المشاكل الأسرية.
والحذر الحذر من خبثاء النفوس الذين يروجون مثل هذه المخدرات بوعد المتعة واللذة والنشاط والحيوية، ألا كذبوا لعمرو الله. والبدار البدار لمعالجة من ابتلي بهذه الآفات قبل استفحال الداء عن طريق مستشفيات الأمل واستشارة من يوثق فيه في ذلك، والتعاون يدًا واحدة مع رجال مكافحة المخدرات ورجال الهيئات والشُرط في التبليغ عن المروجين ومحاربتهم لاستئصال الشر من جذوره، عسى الله أن يحفظنا وإياكم بحفظه.