فقه
الصوم
محمد الداه بن أحمد الشنقيطي
نواكشوط
جامع الشرفاء (جامع القرآن)
1-من حكم الأمر بالصوم تحقيق التقوى ، وتذكر نعم الله في المأكل والمشرب والملبس
وغيرها ، والتذكير بالفقراء والمحتاجين من المسلمين ، والتعود على امتثال أمر الله تعالى.
2-حكم الزكاة وفضلها وثواب أدائها. 3- الحكمة من مشروعية زكاة الفطر وبعض أحكامها.
أما بعد:
فإن لشرائع الإسلام حكم بالغة ظاهرة وخفية مذكورة في النص أو ملتمسة، وإن من حكم الصوم التي نص عليها القرآن الكريم مراقبة الله جل وعلا، والصائم يمسك عن الطعام والشراب وكل شهواته طائعًا ممتثلًا أمر ربه فرحًا بذلك مسرورًا قاصدًا التزام أوامر الله وإجتناب نواهيه، يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون.
فالصوم وقاية للمسلم من المعاصي ومدرسة للنفس تتعلم فيها السمو والصفاء والصوم قوة للروح، وعون لها على التغلب على شهوات البدن والجموح بها إلى الحيوانية، فمن تسامى بغرائزه وعمل على تزكية نفسه وتطهيرها فقد أفلح وفاز ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها.
والصوم يقوي العزيمة ويربي الإرادة كما في الحديث: (( الصوم نصف الصبر ) )وفي الحديث: (( الصبر نصف الإيمان ) )فالصائم يصبر طاعة لله على الجوع والعطش وكبت الغرائز وشهواته عن الحلال الذي بين يديه يومًا كاملًا طيلة شهر كامل، فلا شك أنه بذلك يتمرس على قوة الإرادة وصلابة العزيمة، كذلك من حكم الصوم الإحساس والشعور بنعم الله التي لاتحصى من المطعم والمشرب والمنكح والتي أحلها الله وأمد عباده بها، حتى أنهم ألفوها وركنوا إليها ونسوا أن الذي أمدهم بها قادر على سلبها منهم، فإذا فطموا عنها شهرًا من العام تنبهوا عند فقدانها وشكروا مسديها وعرفوا له قيمتها فالتجؤا إليه في كل أمورهم، فلا يعرف قيمة الشبع من لم يذق مرارة الجوع، ولم يعرف قيمة الري إلا عند معاناة حرارة العطش، وهكذا بضدها تتميز الأشياء، ومن حكم الصوم كذلك أن الغني الشبعان يشارك الفقير في الجوع في شهر رمضان فيحس عند ذلك بألم الجوع ومرارة الحرمان، فيلين قلبه وتتحرك عاطفته نحو إخوانه، فيبادر بمد يد المساعدة لهم، فيطعم الجائع ويكسوا العاري، ويتفاعل مع المحتاجين والبأساء والمحرومين، فينال بذلك الثواب العظيم والجزاء الجزيل من رب العالمين، والصيام أولًا وآخيرًا فيه حكمة التعود على امتثال أوامر الله وطاعته فيما أمر، والإنتهاء عما نهى عنه وزجر، وكفى بها من حكمة بليغة يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون.
هذا هو الصوم، شرعه الله تربية للإرادة وتهذيبًا النفس وتعويدًا على الصبر، وتدريبًا على التحمل، وتذكير للغني بأخيه الفقير، وترغيبًا في المواساة والتعاون والتراحم، فهل حقق لك صومك هذه المعاني السامية والأخلاق العالية؟
هنيئًا لك إن كنت لمست هذه الثمار المباركة وأحسست بها في محيط حياتك، وإلا فإن بعض الناس هداهم الله في هذه الأيام لا يعنيهم من رمضان إلا المظهر دون المخبر، والشكل دون المضمون، جعله الله للنفس والروح والحلم والصبر والسكينة والوقار والجد والعبادة والقيام والطاعة، فجعلوه للبطن والمعدة والسباب والشجار، والسهر واللهو والتسلية، ألا فقد خاب هؤلاء وخسروا إن لم يتقوا ويتداركوا قبل أن يحل بهم ما حل بأسلافهم من أهل الترف والإسراف والمجون.
فهل يستيقظ وجدان هؤلاء ويدركوا حكمة الصيام وأن الله جعله موسمًا للجهاد ونشر الإسلام والجد والإجتهاد والعطف على الأرامل والأيتام، ومواساة الفقراء والمحتاجين وسائر الأنام.
وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه ) ) [أخرجه مسلم] .
فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره ، ونضع الموازين بالقسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين.
الحمد لله رب العالمين فرض الزكاة في مال الأغنياء للفقراء والمساكين (( صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في في فقرائهم ) )، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يجازي المحسنين، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، بيّن عن ربه وبلغ البلاغ المبين صلى الله عليه وسلم.
أما بعد:
اعلموا رحمني الله وإياكم أن الزكاة واجبة بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة، جاءت في القرآن الكريم مقرونة بالصلاة التي هي عماد الدين فقال تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وقال الله تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، وأداؤها على وجهها كاملة من أهم أسباب دخول الجنة، وهي نماء وبركة للمال وصاحبه، ومن منعها حل دمه يقاتل حتى يؤديها، إذ هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وقد قاتل أبو بكر الصديق مانعي الزكاة.
عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي أخبرني بعمل يدخلي الجنة قال: (( تعبد الله ولاتشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ) ) [متفق عليه] .
ولعظم شأنها تولى الله بيان مصارفها في كتابه العزيز فقال تعالى: إنما الصدقات....
ولا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي، كما في الحديث.
أما من أغواه الشيطان واتبع الشح والهدى فمنع الزكاة أو تحايل عليها فليستمع إلى ما أعده الله له من العذاب والنكال قال الله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفايح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله أما إلى الجنة وأما إلى النار.
قيل: يا رسول الله فالإبل؟ قال: ولا صاحب إبل لايؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلًا واحدًا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى أما إلى الجنة وأما إلى النار.
قيل يارسول الله فالبقر والغنم؟
قال: ولاصاحب بقر ولا غنم لايؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لايفقد منها شيئًا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه باظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين العباد، فيرى سبيله أما إلى الجنة وأما إلى النار )) [الحديث متفق عليه] .
فهل أحد يقدر على هذا العذاب الأليم؟ بادروا رحمكم الله بإخراج زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم، وإن في المال حقًا سوى الزكاة، وهذه هيئة الإغاثة تنوب عنكم في إيصال ما تقدمونه لأنفسكم إلى إخوانكم، فتنافسوا في دعمها ومساعدتها على القيام بواجبها وواجبكم الذي تقوم به عنكم.
عباد الله: إن دين الإسلام دين التعاطف والتراحم، ويوم العيد هو يوم فرحة وسرور، لذا حرص الإسلام أن يمسح البؤس عن الفقراء في يوم فرحة المسلمين ليكون السرور عامًا شاملًا لأجل ذلك شرع زكاة الفطر.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (( فرض رسول الله زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين ) ) [أخرجه البخاري ومسلم] .
فهي طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين من أواها قبل صلاة العيد فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، وتجب زكاة الفطر بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان، ويجوز بالإتفاق إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين.
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين.