الإيمان
الولاء والبراء
محمد بن عبد الله الهبدان
الرياض
جامع العز بن عبد السلام
1-نشأة المجتمع المسلم في ظل رابطة العقيدة 2- المؤاخاة بين الأوس والخزرج 3- قصة
نوح مع ابنه 4- التمييز العنصري في الغرب 5- رابطة العقيدة الإسلامية تصهر القوميات
المختلفة في المجتمع المسلم
أيها المسلمون: بدأت الدعوة في مكة دعوة سرية، وكان أنذاك قد أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوة الأقربين من قومه وعشيرته، حتى تجمع حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة الأربعين رجلًا، وكانوا قد استخفوا عن أعين الناس في دار الأرقم بن أبي الأرقم لعبادة الله تعالى سرًا من قومهم، وكلهم قد توجهوا الوجهة الجديدة التي تدعو إليها شهادة التوحيد، التي شهد بها قلبه ولسانه وكل جوارحه، ولذا فقد هجر كل واحد منهم من حوله، وأدار له ظهره، وقطع صلته بقرابة الدم وصداقات القوم، وأصبحت شهادة التوحيد منذ شهد بها هي الملاذ والمعتصم، وهي مفرق الطريق بينه وبين أهل الجاهلية.
وحين التقى أولئك النفر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد التقوا بكيانهم كله، والتحمت قلوبهم برباط جديد لم يألفوه من قبل، إنه رباط العقيدة والإخاء في الله.
أيها الأحبة في الله: إن الناس تقوم بينهم روابط وصلات، وصحبة وصداقات، ولكن على أي شيء يلتقي الناس، وعلى أي شيء تقوم هذه الصلات؟ وما سبب وجودها؟
والجواب أيها الأحبة في الله:
إنها إما قرابة الدم، أو اللقاء على الشهوات والملذات، أو المصالح الدنيوية المشتركة، ومن ثم فإنها مهما تقاربت القلوب وتلاصقت تلك الروابط، فإنها لاتصل إلى حد أن تكون كالقلب الواحد، والسبب في ذلك أن هذه الصلات يقوم بينها حاجز يفصل بين القلب والقلب، ألا وهو حاجز الأنانية ، فكل إنسان يقيم سياجا معينا لنفسه، فإذا أاقترب من ذلك السياج أكثر من اللازم حصل التنافر والتناكر، وبدأ بينها الاحتكاك.
ولكن أحبتي في الله نوع واحد، وواحد فقط من الرباط لايحدث فيه ذلك التنافر، لأنه يذيب ذلك السياج الزائف الذي ينصبه الإنسان حول نفسه، ومن ثم تظل القلوب تقترب وتقترب حتى تصبح كالقلب الواحد.. ذلك هو رباط العقيدة، الذي لاينشأ بين إنسان وإنسان من أجل مصالح مشتركة، كلا، ولكنه رباط في الله بين عبدٍ لله وعبدٍ لله، خلا قلباهما من ذلك الكبر الظاهر أو الخفي، الذي يحجز القلوب عن التقارب والتلاصق ، وقد ملأ ه بشئ آخر غير مشاغل الدنيا، ومشاغل الحس القريبة.
ذلك الرباط هو الذي وحد تلك القلوب حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حدث اللقاء بينها في الله، ولله فقط، فتحابت، فالتحمت فتآخت ذلك الإخاء العجيب الذي يتحدث عنه التاريخ!!
كان الصحابة رضوان الله عليهم يسير الاثنان منهم في الطريق، فتفصل بينهما أثناء المسير شجرة فيعودان، فيسلم أحدهما على الآخر شوقًا إليه من تلك اللحظة التي فصلت بينهما في الطريق!!
وبكى أحد الصحابة حزنًا!! لماذا لماذا؟ لأنه فكر في فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار الآخرة، وهو لايطيق فراقه في الدنيا فأنزل الله قوله فيه ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء:69] .
ولما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة آخى بين الأوس والخزرج فذاب ما بينهما من نزاع وصراع استمر ذلك المدى من الزمن الذي لايعلمه إلا الله، وصار بينهم التآلف والإخاء الذي منَّ الله به عليهم بقوله: واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا [آل عمران:103] .
ثم آخى بين المهاجرين والأنصار تلك المؤخاة العجيبة الفريدة في التاريخ حيث كان الأنصار يتنازلون عن شطر ما يملكون للمهاجرين عن طيب خاطر ،ونفس رضية، ومن غير إلزام من الله ولا رسوله.
أيها المسلمون: إن هذه الصلة، وهذه الرابطة هي المعتبرة في كتاب الله عز وجل، وأما غيرها من الروابط والصلات فهي لاتغني من الله شيئا، إذا خلت من رابطة الدين والعقيدة، وقد نبه القرآن في أكثر من موضع أن رابطة العقيدة هي المعتبرة والمعول عليها، وهي التي تفصم الروابط الآخرى كلها وتبقى هي لاتنفصم.
ففي قصة نوح عليه السلام جاء قوله تعالى: ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين [هود:45-47] .
فقد وعد نوح من قبل أن ينجو أهله من الطوفان إلا من سبق عليه القول حتى إذا فار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل [هود:40] .
ولقد دعا نوح ابنه وكان في معزل ليركب في السفينة الناجية فأبى فأدركه الطوفان وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين [هود:42-43] .
فلما قضي الأمر واستوت السفينة على الأرض وقد نجا من نجا وهلك من هلك ملأت الحسرة قلب نوح على ولده الهالك، وراح يسأل ربه كيف غرق وهو من أهله، وقد وعده الله أن ينجو أهله، ووعد الله حق لاريب فيه، هنا ينبهه الله تعالى إلى أن الوشيجة الحقيقة ليست وشيجة الدم، إنما هي وشيجة العقيدة يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح وقد انفصمت وشيجة العقيدة حين أبى الابن أن يؤمن، فانفصمت لها كل الوشائج الآخرى، ولم يعد ابن نوح من أهله مع أنه ابنه كما يؤكد القرآن باللفظ الصريح ونادى نوح ابنه إذن تنفصم كل العلائق والأواصر إذا انفصمت رابطة الدين والعقيدة فلا الابن يبقى ابنا ولا الأخ أخا إذا ارتكب أمرا مخلا بعقيدته ودينه كترك الصلاة بالكلية مثلا، أو الاستهزاء بشيء من معالم الدين أو نحوا من هاتيك القضايا.
أيها المسلمون: إن من يظن أنه يمكن أن يحدث رباط أقوى من رباط العقيدة وأبلغ أثرا منه فليوازن بين مجتمع ذلك الجيل الفريد الذي طبق تلك الحقيقة الغائبة وبين المجتمعات الكبرى في التاريخ، خذ مثلًا المجتمع الأميركي فيكفينا من سوآته ومخازيه موقف البيض هناك من السود، وهم إخوان لهم في الوطن والدين، ومع ذلك كله توجد لافتات في المطاعم ودور السينما مكتوب عليها بكل وقاحة (ممنوع دخول السود والكلاب) وتتكرر هذا الوقاحة بصورة أخرى مجموعة من البيض قد تجمهروا حول واحد من الزنوج يضربونه ويطرحونه أرضًا ويركلونه بأقدامهم حتى تزهق روحه، والشرطي الأبيض قد أدار لهم ظهره حتى ينتهوا من"جهادهم المقدس"فيقيد الحادث ضد مجهول!! هذا مع أن الدين واحد، واللغة واحدة والجنس واحد والوطن واحد يحدث بينهم ما قد علمت.فهل بعد ذلك شك وارتياب ولكن وما يعقلها إلا العالمون.
أما ذلك الجيل الفريد جيل الصحابة رضي الله عنهم فقد انبثقت علاقاتهم من رابطة العقيدة التي صهرت كل فوارق الجنس واللون واللغة ،بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وسائر الصحابة رضوان الله عليهم، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( سلمان منا آل البيت ) ) [1] وقال عمر العربي القرشي عن بلال العبد الحبشي"سيدنا بلال"وقد كان نبي الله يربي أصحابه على هذا المبدأ فعندما قال أبو ذر لبلال الأسود يا ابن السوداء! قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( عيرته بأمه !! أنت أمرؤ فيك جاهلية ) )فيذهب أبو ذر لبلال، ويضع خده على الأرض ويقول له: طأ خدي بقدمك!!
أيها المسلمون: إن هذه الأمة لن يصلح حالها، ويستقيم أمرها إلا بنصبها بين عينيها تلك القمم السامقة، والقدوات العالية، حتى تكون لها نبراسًا يضيء لها الطريق، فتحذي حذوها، وتسير بسيرها، عند ذلك سعيود للأمة عزها التليد وتعود لها كرامتها من جديد.
أيها الأحبة في الله: لابد إن أردنا العزة والكرامة والحياة الكريمة أن تكون علاقاتنا وتصرفاتنا وشؤوننا كلها منبعها هذه العقيدة التي بين جنبينا ،إي ورب الكعبة لو كانت تصرفاتنا مُنبعثة من عقيدة راسخة في قلوبنا لتحقق فينا ذلك التكافل الذي أدى بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنازلوا عن شطر أموالهم لإخوانهم، فقد كفل الأنصار المهاجرين كفالة غير معهودة في التاريخ، تكافل لايقتصر على حدود الأسرة وروابط الدم، إنما يتسع حتى يسع المجتمع الإسلامي كله، ولايقتصر على حدود الزكاة المفروضة فحسب بل يتسع حتى يصبح إنفاقا عامًا في سبيل الله.
لو تحققت فينا تلك العقيدة لتغيرت أحوالنا، وتبدلت أوضاعنا، تبدلت تلك القلوب التي امتلئت حسدا وحقدا، وغيظًا وكمدا ،وتغيرت تلك النفوس التي أُشربت على حب الدنيا وكراهية الموت، ولزالت تلك القطيعة والتدابر التي فشت بين الأنام، ولأحسن الابن إلى والدية غاية الإحسان، ولأصبح الواحد منا يحرص على كرامة أخيه ومشاعره أكثر من حرصه على نفسه التي بين جنبيه.
إنه باختصار شديد زوال الشرور من النفوس وانقطاع الإجرام بين الأنام، وفشو الإحسان بين الناس، وانتشار المحبة والإخاء الذي به تصفو الحياة وتطيب الخواطر وتستريح الضمائر ويهدأ القلب وتسكن النفس.فهل يعي ذلك أبناء قومي؟
فاتقوا الله يا مسلمون وليبدأ كل واحد منا بنفسه ويسعى لإصلاحها ويروضها على هذا المبدأ العظيم، ولاينظر إلى كثرة الهالكين، فإن هذه سنة رب العالمين وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وكما قيل لاتنظر إلى من هلك كيف هلك، ولكن انظر إلى من نجا كيف نجا.
بارك الله..
[1] رواه الحاكم (3/598)
لم ترد.