فهرس الكتاب

الصفحة 5759 من 5777

مواقف للذكرى والاعتبار

الرقاق والأخلاق والآداب

الموت والحشر, مواعظ عامة

عبد الوهاب بن حبيب الله الخوارزمي

جدة

مسجد الجهني

1-وعظ النبي لأصحابه. 2- تذكرة. 3- الأمر بالتقوى.

أما بعد: فيا عباد الله، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ، ويقول جلَّ وعَلا: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ، ويقول جلَّ وعَلا: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.

ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه: خطبنا رسول الله خطبة ما سمعتُ مثلها قط، فقال: (( لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا ) ). وزاد أبو ذر في روايته: (( ولَمَا تلذذتم بالنساء على الفُرُش، ولخرجتم إلى الصُّعدات تجأرون إلى الله ) )، وفي رواية: (( عُرِضَت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم من الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا ) ). فما أتى على أصحاب رسول الله يوم أشد منه، فطأطؤوا رؤوسهم ولهم خنين أي: جعلوا يبكون؛ لأنهم رضي الله عنهم أدركوا بقوله: (( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا ) )أدركوا صورًا شتى، ذَكَروا الجنة وما أعد الله فيها لأهلها من النعيم المقيم، وذَكَروا النار وما فيها من النكال والعذاب الأليم، ذَكَروا عظمة الجبار في انتقامه من الظالمين والعصاة ممن اتبع هواه وكان من الغاوين.

وأنتم ـ يا عباد الله ـ تذكروا أن الدنيا دار فناء ولا بقاء لها ولا لأهلها، قال تعالى: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ. تذكروا النهاية المحتومة لكل حي، وما يكون في آخر المرحلة من نزع الروح والاحتضار ومعاناة سكرات الموت ويا لها من سكرات! تذكروا جمود العينين ويَبْس اللسان ووقوف الجنان عن النبضات، تذكروا وأنتم جثث هامدة قد انقطعت منكم الآمال، تذكروا صورة البعث والنشور وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين، وقبل ذلك تذكروا القبر، واعلموا أن عذاب القبر ونعيمه حق لا مرية فيه، إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، تذكروا قيام الناس من قبورهم لرب العالمين حُفاةً عُراةً غُرْلًا في موقف القيامة وأهواله، تذكروا دُنُوَّ الشمس من الخلائق، تذكروا تطاير صحف الأعمال، إما إلى اليمين وإما إلى الشمال، تذكروا صورة المرور على الصراط منصوبًا على متن جهنم، أنتم فوقه تسيرون وجهنم تحتكم تزفر، تذكروا الصراط ورسول الله واقف عنده يقول: (( اللهم سَلِّم سَلِّم ) )، تذكروا كلاليب جهنم وهي تخطف الناس إلى الهاوية، تذكروا ذلك الصراط الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف، يجتازه الناس على قدر أعمالهم حتى يكون منهم من يُجْتَذَب إلى النار، وتذكروا صور العذاب في النار؛ من حر وسَموم وزمهرير وزقوم، وتذكروا الزبانية الغلاظ الشداد، تذكروا أهلها ينادُون ويستغيثون، لهم فيها بالويل ضجيج، أمانيُّهم فيها الهلاك، وما لهم من أسر جهنم فكاك، قد شُدِّت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ذل المعاصي، ينادُون من فجاجها وشعابها بُكِيًَّا من تَعاظُم العذاب: يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك قد تفلذت منا الكُبُود، يا مالك العدم خير من هذا الوجود، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود، فيجيبهم بعد زمان: قَالَ اخْسَؤوا فِيْهَا ولا بد من الخلود. أين هذا البكاء وأنتم تكفرون؟! أين هذا البكاء وأنتم تزنون؟! أين هذا البكاء وأنتم تغشون وتخدعون وتمكرون؟! أين هذا البكاء وأنتم تمترون؟! ثم يجيبهم الله جلَّ وعَلا قائلًا مصداقًا لقولهم: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ.

تصوَّر ـ يا عبد الله ـ إن كنت عاصيًا ومِتَّ على غير توبة، تذكر نفسك وأنت في أودية جهنم تهيم، ومن طعامها وشرابها تأكل صباحًا ومساءًَ، تذكر إن مت على المعاصي والذنوب، تذكر جسمك هل يتحمل هذا العذاب.

عباد الله، تذكروا أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم والسعادة الأبدية التي لا يعتريها نقصٌ ولا زوالٌ ولا انحلالٌ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا.

يا عبد الله، أين عقلك؟! فرِّق يا مسكين، فرِّق بين النعيم والجحيم، خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا , يا غشاش لنفسه، فرِّق بين الجنة والنار، وبين الصحيح والسقيم، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (( أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر ) )، ثم قال: (( اقرؤوا ذلك في كتاب الله: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ).

عباد الله، إنها الجنة التي لا يَخْرب بنيانها، ولا يَهْرَم شُبَّانها، ولا تبلى ثيابهم، سالمة من الأنجاس والأكدار والتنغيصات والأمراض والأسقام، لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلا قِيلًا سَلامًا سَلامًا ، ويقول الله تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ , اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين.

عبد الله، تزوَّد واستَعِد، فإن أمامك سفرا طويلا، ومكثا في القبور لا يعلم مدته إلا الله، وجليسُك فيه الأعمال، فإن كانت صالحة فهنيئًا لك، وإن كانت سيئة فيا ويلك على مر الأزمان.

اللهم أحسن ختامنا يا رب العالمين, واجمعنا ووالدِينا وجميع المسلمين والمسلمات في جنات النعيم، يا رب العالمين.

وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه...

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، أحمده سبحانه القائل عن نفسه: لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وأتباعه، وسلَّم تسيلمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ.

اتقوا يومًا يوضع فيه الكتاب، وتلاقُون فيه الحساب، يومًا يُنشر لكم فيه واضحًا ملف أعمالكم، وديوان حصيلتكم من خير أو شر، وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ، ويقول جلَّ وعَلا: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا , ويقول جلَّ وعَلا: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.

روى الإمام مسلم رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله فضحك فقال: (( هل تدرون مِمَّ أضحك؟ ) )قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: (( من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب! ألَمْ تُجِرني من الظلم؟! فيقول سبحانه: بلى، فيقول: إني لا أقبل اليوم شاهدًا إلا مني، فيقول تعالى: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا , والكرام الكاتبين شهودًا، فيُختم على فيه، فيقول لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله ـ نعوذ بالله من الخزي والندامة ونعوذ بالله من الفضيحة يوم القيامة ـ ، ثم يُخَلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعْدًا لكن وسُحقًا، فعَنْكُنَّ كنت أناضل ) ).

فاتقوا الله ـ يا عباد الله ـ من ذلك اليوم العظيم والهول الجسيم، اتقوا ذلك الموقف الذي ستُقْدِمون فيه للمساءلة والمحاسبة، وسيُوقَف كل منا بين يدي الله عزَّ وجلَّ متخليًا عنه أقرب قريب وأصدق صديق، كما قال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ.

عباد الله، اسألوا الله عزَّ وجلَّ أن يخفف عليكم الحساب، واسألوه أن يحسن لكم الخاتمة، ودائمًا أكثروا من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، حتى تلقوا ربكم، وأكثروا من قول: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.

عباد الله، صلوا على الناصح الأمين محمد بن عبد الله الذي أمركم الله أن تصلوا عليه بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ، ويقول: (( من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا ) ).

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين يا رب العالمين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت