فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب, اغتنام الأوقات
فيصل بن عبد الرحمن الشدي
الخرج
جامع العز بن عبد السلام
1-سرعة انقضاء الأيام والليالي. 2- حقيقة الدنيا. 3- وقفة محاسبة مع نهاية العام. 4- نماذج من محاسبة السلف لأنفسهم. 5- الوصية بفتح باب المحاسبة مع النفس في نهاية العام.
أما بعد: فوا عجبًا لتلك البوابة، ما أعظمها، ما أوسعها، ما أكبرها، اتسعت لملايين البشر على مر التاريخ، كلٌ يدخل منها ويمضي، دخل منها آدم وموسى وعيسى ومحمد والأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام، دخل منها الأغنياء والفقراء، والكُبراء والحقراء، والرجال والنساء، اتسعت لملايين الأحداث، أممٌ تباد ودولٌ تشاد، حروبٌ طاحنة ونوازل ساخنة، عجبًا لها من بوابة، لم تضق يومًا بالموتى ولا بالمواليد، ولا بالأفراح ولا بالأتراح، عجبًا لها من بوابة قد أشرعت أبوابها يوم أن حط آدم قدمه على الأرض، وستغلق بإذن ربها يوم أن يأذن الله بخراب الدنيا وزوال العالم.
نعم يا رعاكم الله، إنها بوابة الزمن، تلج من بوابتها السنين تلو السنين، وها هو العام الثاني والعشرون بعد الأربعمائة والألف للهجرة قد أزف رحيله وقرب تحويله، ها هو يطوي بساطه ويقوض خيامه ويشدُّ رحاله، وكل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، يا لله! العام الثاني والعشرون قطعناه من أعمارنا، أين ليله؟! أين نهاره؟! أين يومه؟! أين شهره؟! أين صيفه؟! أين شتاؤه؟! أين أفراحه؟! أين أحزانه؟! أين أنفاسه؟! أين لحظاته؟! إي وربي، إنها دوامة الزمن لا تقف لأحد، لا تنتظر أحدا، لا تحابي أحدا.
إخواني، إن الزمان وتقلباته أنصح المؤدبين، وإن الدهر بقوارعه أفصح المتكلمين، من حاسب نفسه في الدنيا خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن في الآخرة منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته.
ما كان شقاء الأشقياء ـ وربي ـ إلا أنهم كانوا لا يرجون حسابا، فوافتهم المنية وهم في غمرة ساهون، يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33] ، اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ [الحديد:20] ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:39] .
سبحان الله! ألم يأن لأهل الغفلة أن يدركوا حقيقة هذه الدار؟! أما علموا أن حياتها عناء ونعيمها ابتلاء، جديدها يبلى وملكها يفنى، ودّها ينقطع وخيرها ينتزع؟!
انظر إليها: ولادة وطفولة، وشباب وشيخوخة، ثم المشيب والهرم، ثم ينتهي شريط الحياة، ولكأنها غمضة عين أو ومضة برق، سرابٌ خادع، وبريق لامع، لكنها سيف قاطع، كم أذاقت بؤسًا، وكم جرعت غصصًا، وكم أحزنت من فرح وأبكت من مرح، وكدرت من صفو وشابت من غير. خدَّاعة مكارة، ساخرة غرارة، كم هرم فيها من صغير، وذل فيها من عزيز، وافتقر فيها من غني، أحوالها متبدلة، وشؤونها متغيرة، لا ترى فيها إلا راحلًا إثر راحل، أيام معدودة وأنفاس محدودة، وآجال مضروبة وأعمالٌ محسوبة.
روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ النبي بمنكبي فقال: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) )، وروى الترمذي وغيره أن النبي قال: (( ما لي وللدنيا؟! ما أنا في هذه الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها ) ).
يروي ابن حجر في الإصابة أن ضرار بن ضمرة قدم يومًا على معاوية فقال له: صف لي علي بن أبي طالب، فكان مما قال فيه: فإنه ـ والله ـ كان بعيد المدى شديد القوى، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، كان ـ والله ـ غزير الدمعة طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، أشهد بالله أني رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قائمٌ في محرابه قابضًا لحيته، يتململ تململ المريض، ويبكي بكاء الحزين، وهو يقول: (يا دنيا، يا دنيا، أبي تعرضت، أم لي تشوفت؟! هيهات هيهات، غرِّي غيري، قد طلقتك ثلاثًا، لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد وبُعد السفر ووحشة الطريق) ، قال: فذرفت دموع معاوية وهو ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء.
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكلُّ يومٍ منها يدنِي من الأجل
النفس تغترّ بالدنيا وقد علمت أن السلامة منها ترك ما فيها
فلا الإقامة تنجي النفس من تلفٍ ولا الفرار من الأحداث ينجيها
وكلُّ نفس لها دورٌ يصبحها من المنية يومًا أو يمسيها
أيها المسلمون، إن هذه الجمعة هي آخر جمعة في هذا العام، وإن سير الزمن الحثيث يباعد من الدنيا ويقرب من الآخرة. كان بعض السلف إذا غربت الشمس من كل يوم جلس عند باب داره يبكي، فيُسأل عن سبب بكائه فيقول: قطعت يومًا من حياتي إلى الدار الآخرة، ولا أدري أهي خطوات إلى الجنة أم أنها خطوات إلى النار. فكم من خطوات مشيناها، ومراحل قطعناها، وأوقات صرفناها.
هلموا ـ يا عباد الله ـ لنحاسب أنفسنا، دعونا نتساءل عن عامنا: كيف أمضيناه؟! وعن وقتنا: كيف قضيناه؟! ثم لننظر في كتاب أعمالنا وكيف طويناه، ونتبين ما قدمناه، فإن كان خيرًا حمدنا الله وشكرناه، وإن كان شرًا تبنا إلى الله واستغفرناه، كفى تجرُؤًا على حدود الله، كفى اقترافًا لمعاصي الله، كفى قسوة للقلوب وتفريطًا في جنب علام الغيوب، كفى ضياعًا للصلاة.
أتى عليك المحرم ومن بعده صفر، وشهر إثر شهر، وأنت تنام عن الفجر والعصر، لم تعرف روضة المسجد لك مكانًا، فأنت دائمًا في صلاتك تقضي، وبسرعة منها تمضي، مالِ حالك لا يتغير؟! زدت في دنياك وتقدمت، ونقصت في آخرتك وتأخرت. إلى متى وأنت تطلق لسانك يفري في أعراض الناس، ينهش لحومهم، غيبة ونميمة كذبا وافتراء؟! إلى متى وأنت ترى بعينيك ما حرم الله؟! أما تخشى أن تحترق هاتان العينان في نار الله؟!
وأنتم يا رعاة البيوت، يا أمناء البيوت، جلبتم آلات اللهو في بيوتكم، ونشأتم عليها صغاركم ونساءكم، وجعلتم الأطباق الفضائية تاج عز فوق رؤوسكم، وعمن لا يصلي من أبنائكم ويفجر ويعصي غضضتم طرفكم، كفى استحيوا من الله حق الحياء.
وأنتم يا من تنتسبون للدعوة والاستقامة، مضى عام كامل وأمتكم كثيرٌ من أبنائها يغرق في أوحال الشهوات والشبهات، ماذا قدمتم لدينكم؟! ثلاثمائة وستون يومًا كم كلمة فيها ألقيتَ؟! كم شريطًا وزّعتَ؟! وكم كتيبًا نشرتَ؟! وكم عاصيًا نصحت؟! وكم مرة وعظت؟! كم اهتدى على يديك؟! ماذا قدمت لدينك؟! ماذا قدمت لأمتك؟!
إخواني، إنا نودع هذا العام وأمتنا مثخنة بجراحاتها متلمظة بمآسيها، كم من مسلمين في هذا العام ماتوا جوعًا، كم من مسلمين هذا العام شردوا من بيوتهم فلا مسكن ولا مأوى، كم من بريء مسكين قتلته رصاصات الغدر والكفر، كم من حرة عفيفة هتك سترها كافر عتلٌ غليظ، كم من بلدٍ استبيحت حرمته وسلبت أراضيه، كم من أرضٍ أُحرقت ظلمًا لا لشيء إلا أن أهلها يقولون: ربنا الله، كم وكم من الصور المؤلمة التي سيحملها عامنا وسيرحل بها في حقيبته.
أيها العام قد طويت جناحًا وتهيأت للرحيل البعيد
سوف تمضي وقد تركت قروحًا داميات بقلبي المجهودِ
أنا ما زلت أنشد الشعر لكن نغمة الحزن لم تفارق قصيدي
نعم، سل نفسك: كم مرة فكرت في حال المسلمين فاغتممت ففاضت عيناك؟! وكم مرة احترق قلبك وأنت تقرأ ما حل بالمسلمين؟! وكم مرة رفعت يديك في ضراعة وخشوع تدعو لإخوانك المساكين المستضعفين؟! وأراك يوم أن أصابك صداع في رأسك دعوت الله وتضرعت، أراك يوم أن جُرح ابنك ومرض سألت الله وتضرعت. فأين هذا التضرع والبكاء لإخوانٍ لك في الإسلام في بلاد شتى؟! لم يصبهم صداع في رأسهم كلا، لم يصبهم صداع لكن شويت رؤوسهم بالنار بقنابل وصواريخ تصب عليهم في الليل والنهار، ولم يجرح أبناءهم أو يمرضوا كلا، بل تقطع أوصال أبنائهم أمام أعينهم، نعم ماذا قدمت لهم؟!
آن ـ والله ـ أن ترجع النفس وتتوب، وتتجه لخالقها وتئوب، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
أما بعد: رضوان ربي على صحابة نبيه، ورحمات ربي على تُباع صحابته، لكَم وكم خلوا بأنفسهم وحاسبوها، وعاتبوها وأنّبوها، فهذا أنس بن مالك يقول: سمعت عمر بن الخطاب لما دخل بستانًا من البساتين وما عنده أحد وقف مع نفسه يناديها قائلًا لها: (عمر أمير المؤمنين!! بخٍ بخٍ، والله يا ابن الخطاب لتتقينَّ الله أو ليعذبنك) ، وبكى يزيد الرقاشي عند موته فقيل له: لم تبكِي؟ قال: أبكي على قيام الليل وصيام النهار، ثم أجهش بالبكاء وهو يردد: من يصلي لك يا يزيد؟! من يصوم لك؟! من يتوب عنك من الذنوب؟!
ونُقل عن ابن الصمة أنه جلس يومًا ليحاسب نفسه فعدَّ عمره فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي واحدٌ وعشرون ألفًا وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلي، ألقى الملك بواحدٍ وعشرين ألف ذنب؟! فكيف وفي كل يومٍ عشرة آلاف ذنب؟! ثم خرَّ فإذا هو ميت. رحمهم الله؛ خافوا فأدلجوا، وزهدوا في الدنيا، وللآخرة قدموا.
أخي يا رعاك الله، اُخلُ بنفسك عند ختام هذا العام، وسلها وخاطبها: بأي شيء هذا العام أودعت؟! استعرض أوراق عامك بأي شي كتبت؟! وعلى ماذا سطرت؟! فإنها ـ والله ـ مدونة عليك، يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة:6] .
قف مع النفس التي طالما للعصيان تجرأت، وللمحارم اعتدت، وللطغيان أسرفت، وللقبيح أكثرت، وقل:
يا نفس توبِي فإن الْموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى مازال فتانا
أما ترين الْمنايا كيف تلقطنا لقطًا فتلحق أُخرانا بأولانا
فِي كل يومٍ لنا ميتٌ نشيعه نرى بِمصرعه آثار موتانا
أين الملوك وأبناء الْملوك ومن كانت تخر له الأذقان إذعانًا
خلوا مدائن كان العز مفرشها واستُفرشوا حُفرًا غُبرًا وقيعانا
عجبًا ـ والله ـ ممن يوقن بالموت ثم ينساه، ويتحقق الضرر ثم يغشاه، ويخشى الناس والله أحق أن يخشاه، يطول عمره ويزداد ذنبه، يبيض شعره ويسوَّد قلبه، قلوب مريضة عز شفاؤها، وعيون تكحلت بالحرام فقل بكاؤها، وجوارح غرقت في الشهوات فحقّ عزاؤها.