الرقاق والأخلاق والآداب
مكارم الأخلاق
علي بن عبد الرحمن الحذيفي
المدينة المنورة
المسجد النبوي
1-منزلة العبد عند الله بالإيمان والخلق. 2- تفاوت الأعمال الحسنة والسيئة. 3- فصل الصدق. 4- حقيقة الصدق: صدق القول وصدق الفعل. 5- أصل الإيمان الصدق. 6- أقبح الكذب.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى بامتثال أمره، والبعد عن غضبه ومعصيته، فإن التقوى باب كل خير، والفجور باب كل شر.
واعلموا ـ عباد الله ـ أن منزلة العبد عند ربه هي بإيمانه وخلقه، وقيمة الإنسان عند الله وعند الخلق هي بهذا الإيمان والعمل الصالح، لا بماله ولا بقوته، قال الله تعالى: وَمَا أَمْو?لُكُمْ وَلاَ أَوْلَـ?دُكُمْ بِ?لَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى? إِلاَّ مَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صَـ?لِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء ?لضّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِى ?لْغُرُفَـ?تِ ءامِنُونَ [سبأ:37] .
ألا وإن الأعمال الصالحة تتفاضل في الثواب، والصفات الحميدة يزيد بعضها على بعض في الأجر والمنازل، بحسب عموم نفعها لصاحبها وللخلق، كما أن الأعمال السيئة والأفعال والصفات القبيحة يعظم عقابها وجزاؤها الأليم بحسب ضررها، وثوران شررها لصاحبها وللخلق، قال الله تعالى: وَلِكُلّ دَرَجَـ?تٌ مّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفّيَهُمْ أَعْمَـ?لَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الأحقاف:19] .
ألا وإن الصدق خلق كريم، ووصف حسن عظيم، لا يتصف به إلا ذو القلب السليم، أمر الله به في كتابه فقال: يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ?لصَّـ?دِقِينَ [التوبة:119] .
الصدق يكشف عن معدن الإنسان وحسن سريرته، وطيب سيرته، كما أن الكذب يكشف عن خبث الطوية، وقبح السيرة. الصدق منجاة، والكذب مرداة. الصدق محبوب ممدوح في العقول السليمة، والفطر المستقيمة، حث على الصدق رسول الهدى ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا ) ) [رواه البخاري ومسلم] [1] .
وقد وعد الله على الصدق ثوابه العظيم، وجزاءه الكبير في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يرزق صاحب الصدق حسن الأحدوثة، ومحبة الله، ومحبة الخلق، وتثمّن أقواله، ويوثق به، ويؤمن جانبه، ويريح الناس من شره، ويحسن إلى نفسه وإلى غيره، ويعافى من الشرور والمهالك، التي تصيب الكذابين، ويطمئن باله وقلبه، فلا يمزّقه القلق والخوف، فعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة ) ) [رواه الترمذي وقال: حديث صحيح] [2] .
وتكون عواقب الصادق في حياته إلى خير، كما في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة تخلقه عن غزوة تبوك، (قلت: يا رسول الله، إني ـ والله ـ لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلًا، ولكني ـ والله ـ لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله عز وجل) [رواه البخاري ومسلم] [3] ، أي أرجو من الله تعالى العاقبة الحميدة في صدقي، وقد كان ذلك.
وأما ثواب الصدق في الآخرة فرضوان الله تعالى، والدرجات العلى في الجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ففي القرآن العظيم قال الله: هَـ?ذَا يَوْمُ يَنفَعُ ?لصَّـ?دِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّـ?تٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأنْهَـ?رُ خَـ?لِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِىَ ?للَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذ?لِكَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [المائدة:119] ، وقال تعالى: وَمَن يُطِعِ ?للَّهَ وَ?لرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ ?لَّذِينَ أَنْعَمَ ?للَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ?لنَّبِيّينَ وَ?لصّدّيقِينَ وَ?لشُّهَدَاء وَ?لصَّـ?لِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] .
فما حقيقة هذا الصدق الذي وعد الله عليه أحسن الثواب، ونجّى صاحبه من العذاب؟
الصدق: صدق قول وصدق فعل.
فصدق القول أن يقول الحق بتبليغ كلام الله تعالى، أو كلام رسول الله ، أو يأمر بحق، أو ينهى عن باطل، أو يخبر بما يطابق الواقع، قال الله تعالى: وَ?لَّذِى جَاء بِ?لصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لْمُتَّقُونَ [الزمر:33] ، وفي الحديث عن النبي: (( المؤمن إذا قال صدق، وإذا قيل له يُصدِّق ) ) [4] .
والصدق في الفعل هو معاملة الله تعالى بصدق نية، وإخلاص، ومحبة، ويقين، واتباع لشرع رسول الله ، ومعاملة الخلق بصدق ورحمة ووفاء، قال الله تعالى: وَلَـ?كِنَّ ?لْبِرَّ مَنْ ءامَنَ بِ?للَّهِ وَ?لْيَوْمِ ?لآخِرِ وَ?لْمَلَئِكَةِ وَ?لْكِتَـ?بِ وَ?لنَّبِيّينَ وَءاتَى ?لْمَالَ عَلَى? حُبّهِ ذَوِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْيَتَـ?مَى? وَ?لْمَسَـ?كِينَ وَ?بْنَ ?لسَّبِيلِ وَ?لسَّائِلِينَ وَفِي ?لرّقَابِ وَأَقَامَ ?لصَّلَو?ةَ وَءاتَى ?لزَّكَو?ةَ وَ?لْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـ?هَدُواْ وَ?لصَّابِرِينَ فِى ?لْبَأْسَاء و?لضَّرَّاء وَحِينَ ?لْبَأْسِ أُولَئِكَ ?لَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ ?لْمُتَّقُونَ [البقرة:177] ، وقال تعالى: مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـ?هَدُواْ ?للَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] .
والإيمان أصله الصدق والتصديق، فالصدق إذًا يكون بالأقوال، ويكون بالأفعال، وقد كان السلف رضي الله عنهم أشد الناس تمسكًا بخلق الصدق مع ربهم، ومع عباد الله، عن سعد بن مالك رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله، إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقًا ما بقيت، فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي) [رواه البخاري ومسلم] [5] .
ووصف الله المهاجرين الأولين بخلق الصدق فقال تعالى: لِلْفُقَرَاء الْمُهَـ?جِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـ?رِهِمْ وَأَمْو?لِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ?للَّهِ وَرِضْو?نًا وَيَنصُرُونَ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لصَّـ?دِقُونَ [الحشر:8] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين، وبقوله القويم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه البخاري في كتاب الأدب [6134] ، ومسلم في كتاب البر [2607] .
[2] أخرجه أحمد (1/200) ، والترمذي في صفة القيامة [2518] ، والنسائي في الأشربة [5711] ، وقال الترمذي:"حسن صحيح"، وصححه ابن حبان [722] ، والحاكم (2/13) ، ووافقه الذهبي ، وهو مخرج في الإرواء [2074] .
[3] أخرجه البخاري في المغازي [4418] ، ومسلم في التوبة [2769] .
[4] ذكره علي القاري في المصنوع [260] ، وقال:"لا يعرف بهذا اللفظ".
[5] تقدم تخريجه.
الحمد لله الملك القدوس السلام، رفع منار الإسلام، وعمّ خلقه بالنعم العظام، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، كشف الله به دياجير الظلام، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه الأئمة الأعلام.
أما بعد:
فاتقوا الله وأطيعوه، وتقربوا إليه بما يرضيه.
أيها المسلمون، إن الصدق خلق يحبه الله ورسوله، ويعرف فضله العقلاء الحكماء، دعا إليه نبي الرحمة ، مع دعوته لعبادة الله وحده أول بعثته، عن أبي سفيان رضي الله عنه أن هرقل سأله عن النبي فقال: فماذا يأمركم؟ قلت: يقول: (( اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم ) )، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. [رواه البخاري ومسلم] [1] ، وقال الله تعالى: إِنَّ ?لْمُسْلِمِينَ وَ?لْمُسْلِمَـ?تِ وَ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ وَ?لْقَـ?نِتِينَ وَ?لْقَـ?نِتَـ?تِ وَ?لصَّـ?دِقِينَ وَ?لصَّـ?دِقَـ?تِ وَ?لصَّـ?بِرِينَ وَ?لصَّـ?بِر?تِ وَ?لْخَـ?شِعِينَ وَ?لْخَـ?شِعَـ?تِ وَ?لْمُتَصَدّقِينَ وَ?لْمُتَصَدّقَـ?تِ و?لصَّـ?ئِمِينَ و?لصَّـ?ئِمَـ?تِ وَ?لْحَـ?فِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ?لْحَـ?فِظَـ?تِ وَ?لذاكِرِينَ ?للَّهَ كَثِيرًا وَ?لذاكِر?تِ أَعَدَّ ?للَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35] .
فكونوا ـ عباد الله ـ من الصادقين في أقوالكم وأعمالكم؛ فإن الصدق باب من أبواب الجنة لا يقرّب أجلا، ولا يمنع رزقًا، ويفوّت مصلحة.
أيها المسلمون، إن من الصدق الابتعاد عن الغدر والخيانة، والمكر والخديعة، وإن أقبح الكذب الكذب على الله تعالى، وإن من أعظم الكذب وأشده الكذب على الإسلام لتحميله ما لا يليق به، واتهامه بما هو منه بريء، وإلصاق الظلم والعدوان به.
الإسلام دين الرحمة والعطف، قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَـ?كَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـ?لَمِينَ [الأنبياء:107] . الإسلام دين العدل والإنصاف والإحسان، قال الله تعالى: إِنَّ ?للَّهَ يَأْمُرُ بِ?لْعَدْلِ وَ?لإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ?لْقُرْبَى? وَيَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ وَ?لْبَغْى [النحل:90] . الإسلام دين الوفاء والأمانة، قال الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِ?لْعُقُودِ [المائدة:1] . وقال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ?لأمَـ?نَـ?تِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ?لنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِ?لْعَدْلِ [النساء:58] .
لقد ابتلي الإسلام بمن يفتري عليه أنواعًا من الافتراءات، ويكذب عليه أنواعا من الكذب، لقد اتّهم المغرضون الإسلام في هذا العصر بالإرهاب والعدوان والظلم والتخريب، ولكن الإسلام بتعاليمه السمحة، وسمو تشريعاته، وكمال أحكامه الرحيمة يحارب ويندد ويمنع الظلم والبغي والعدوان والإفساد في الأرض والإرهاب الذي يستهدف البريئين من الشيوخ والنساء والأطفال والنفوس التي لا ذنب لها من المسلمين أو غير المسلمين، قال الله تعالى: وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ ?للَّهَ لاَ يُحِبُّ ?لْمُعْتَدِينَ [المائدة:87] .
فالإسلام هو الدين الحق الذي يأمر بكل خير وصلاح للبشرية، وينهى عن كل شر وفساد، وضرر للبشرية.
عباد الله، إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، فصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...
[1] أخرجه البخاري في بدء الوحي [7] ، ومسلم في الجهاد [1773] ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.