الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
القضاء والقدر, الكبائر والمعاصي
إبراهيم بن محمد الفارس
المجمعة
جامع الجزيرة
1-وعيد قتل المسلم. 2- توبة القاتل. 3- مفاسد جريمة القتل بغير حق. 4- تقدير الله تعالى لكل ما هو كائن. 5- منزلة الرضا والتسليم لقدر الله تعالى. 6- الصبر عند المصائب. 7- المصائب مكفرات. 8- هدي النبي عند المصائب.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين.
يقول تبارك وتعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93] ، وثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه عن النبي قال وذلك في حجة الوداع: (( فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) )، ويقول: (( كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه ) )، وعن سهل بن حنيف أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أشرف يوم الدار ـ أي: على الخوارج الذين جاؤوا لقتله ـ فقال: أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله قال: (( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق فقتل به ) )؟! فوالله، ما زنيت في جاهليه ولا إسلام، ولا ارتددت منذ بايعت رسول الله ، ولا قتلت النفس التي حرم الله، فبم تقتلونني؟!
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله عند قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا الآية: هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، وموجب قتل العمد القصاص في الدنيا ووعيد في الآخرة. وقال عليه الصلاة والسلام: (( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء ) )متفق عليه، وفي الحديث الآخر: (( لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار ) )، (( ولزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم ) ). وإذا تمالأ جماعة على قتل مسلم عدوانا اقتصّ منهم لما روى مالك عن سعيد بن المسيب أن عمر رضي الله عنه قتل خمسة أو سبعة بفرد واحد قتلوه غيلة، وقال عمر: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم) .
أيها المسلمون، أربع عقوبات عظيمة جازى بها الله سبحانه من قتل مؤمنا متعمدا بغير حق، كل واحدة منها توجل القلب وتفزع النفس: جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ، ويله ما أصبره على نار جهنم! وقد فضلت على نار الدنيا كلها بتسعة وستين جزءا، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وبئسما حصل لنفسه من غضب الرب العظيم عليه، وَلَعَنَهُ فطرده وأبعده عن رحمته، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ، ويل لقاتل المؤمن المتعمد، ويل له من هذه العقوبات، النار وغضب الجبار واللعنة والعذاب العظيم.
ولخطورة هذا العمل اختلف سلف الأمة هل له من توبة؟ فذهب ابن عباس ومن وافقه أن لا توبة له، والذي عليه جمهور السلف والخلف أن له توبة فيما بينه وبين الله عز وجل، فإن تاب وأناب وخشع وخضع وعمل صالحا بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عنها، ومن فعله استحلالا فقد كفر.
أيها المسلمون، إن قتل المسلم عمدا عدوانا جريمة شنعاء وخطر على المجتمع، تورث البغضاء والشحناء والشقاق والعداء، تخلّ بالأمن وتكسب الإثم وتحار الدعوة على فاعلها، ولا يقدم عليها إنسان يؤمن بالله حقا.
ومع هذا كله فإن هذا الوجود الذي لا نعرف منه إلا القليل ولا يكشف لنا منه إلا على قدر الحكمة والمصلحة لا يقع فيه حركة ولا سكون ولا محبوب ولا مكروه إلا وهو مقدر في أصل تصميمه، وواقع في حسبان تكوينه، لا محل فيه للصدفة، ولا سبيل فيه للجزاف، إنما هو تقدير العزيز العليم وإرادة الحكيم الخبير، فكل ما يحصل في هذا الكون منذ نشأته إلى نهايته من أحداث وخير وشر وخوف وأمن وصحة ومرض وإيمان وكفر ومعصية وطاعة ونصح وغش وحياة وموت وحوادث وإصابات وأمراض وأسقام وغير ذلك من الأحداث والأحوال، كل ذلك في علم الله وبقدر الله. روى مسلم في صحيحه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ) ).
إنه لا يسع الإنسان في مقابلة الأحداث والمصائب إلا الرضا والتسليم والصبر والاحتساب، وليس ذلك إلا للمؤمن، يقول تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن: 11] ، قال علقمة:"هي المصيبة تصيب الرجل أو المرأة، فيعلم أنها من عند الله، فيسلم لها ويرضى"، وروى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (( من يرد الله به خيرا يصب منه ) )، وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ) )، وعن أنس رضي الله عنه عن النبي قال: (( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ) )رواه الترمذي وحسنه، وروى الشيخان عن أبي سعيد عن النبي قال: (( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه ) ).
إن الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين، كما قال في حديث أبي يحيى صهيب بن سنان: (( عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) ).
وأهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلي وخيرته لعبده، وتارة يلاحظون ثواب الرضا، وتارة يلاحظون عظمة المبتلي وغناه عن خلقه، وأنه إنما يبتلي عباده لصالح أنفسهم، فيهون ذلك ألم المصيبة ويخفف.
وأما الصبر فأنفعه عند الصدمة الأولى، ولا ينافي ما يظهر على ملامح المصاب من آثار الحزن والتألم من الوجع، والإخبار بالواقع وحزن القلب ودمع العين وأمثال ذلك، فإنما هي غرائز بشرية لا تنافي الصبر والرضا، وفعل الأسباب المباحة لإزالة الآلام لا تنافي الصبر أيضا، وإنما الذي ينافي الصبر أعمال الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والصراخ والعويل والدعاء بالويل والثبور.
والإنسان في هذه الدنيا معرض للأخطاء ومحل للذنوب والخطايا، وفيه نقص وإهمال وغفلة وصدود، وكله تقصير في حق الله، فإذا أحب الله عبده طهره بالمصائب ونقاه من أدران الذنوب، وكان من أشد الناس وجعا حبيب الله وخليله وصفوته من خلقه محمد ، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحدا الوجع عليه أشد من رسول الله. متفق عليه. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على النبي وهو يوعك ـ أي: من الحمى حرارة وألما ـ، فمسته يدي فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكا شديدا! فقال: (( أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم ) )، قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ فقال: (( أجل ) )، ثم قال: (( ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله تعالى به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها ) )متفق عليه.
والله تعالى لم يجعل هذه الدار دار بقاء وسرور، وإنما هي دار سفر وابتلاء واختبار، دار عمل وجهد، والمسافر يصبر على مشقات السفر، وينتظر الوصول إلى دار المقر، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( مثل المؤمن كمثل الزرع، لا تزال الريح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز، لا تهتز حتى تستحصد ) )، وفي الصحيحين من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تفيئها الريح، تصرعها مرة وتعدلها أخرى حتى تهيج، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية على أصلها، لا يفيئها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة ) ). قال النووي رحمه الله:"قال العلماء: معنى الحديث أن المؤمن كثير الآلام في بدنه أو أهله أو ماله، وذلك مكفر لسيئاته ورافع لدرجاته، وأما الكافر فقليلها، وإن وقع به شيء لم يكفر شيئا من سيئاته، بل يأتي بها يوم القيامة كاملة".
وفي الصبر ـ عباد الله ـ خير كثير، فإن الله أمر به ووعد عليه بجزيل الأجر، والعبادة ـ عباد الله ـ لها أسرار تتصل بالله لا يعلمها العبد، فهي زاد الطريق ومدد الروح، وهي عدة الصابرين وقوت المصابين. قال سعيد بن جبير رحمه الله:"لم تعط هذه الكلمات: إنا لله وإنا إليه راجعون نبيًّا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفى على يوسف".
فاتقوا الله أيها المسلمون، واستعدوا لمواجهة طوارق الليل والنهار، وتعرفوا إلى الله في الرخاء يعرفكم في الشدة، وخذوا من صحتكم لمرضكم، ومن فراغكم لشغلكم، ومن حياتكم لموتكم، ومن غناكم لفقركم، ومن قدرتكم لعجزكم، ومن قوتكم لضعفكم، ومن شبابكم لهرمكم.
اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين.
الحمد لله رب العالمين، لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 70] ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 18] ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
أما بعد: فإن الناس يختلفون في الرقة والرحمة، وفي التجلد وكظم الغيظ، والنبي أكمل الناس في كل الأحوال والصفات، وهو المشرع يبين ما يحل وما يحرم، فلما توفي ابنه إبراهيم ذرفت عيناه، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟! فقال: (( يا ابن عوف، إنها رحمة ) ). ولما قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة رضي الله عنهم جلس يعرف فيه الحزن، وهذا هو الاعتدال في هذا الباب، لا تفريط في الحزن حتى يحصل المحذور، ولا تفريط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب، وهو القدوة لكل مسلم.
فاللهم إنا نسألك الثبات عند المصائب والإيمان بك عند النوائب، اللهم إنا نسألك أن تغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته فتوفه عليهما، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك...