فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
موضوعات عامة
مخلوقات الله
عبد الله بن عبد الرحمن الشهري
الطائف
جامع ابن سيف
1-من سنن الله تعالى في هذه الحياة. 2- نعمة الهواء. 3- معتقدات فاسدة عن الريح. 4- حقيقة الريح. 5- آثار الريح. 6- أسماء الريح. 7- الريح في القرآن الكريم. 8- الريح من جنود الله تعالى. 9- أسماء الريح. 10- تنبيه مهم. 11- النهي عن سب الريح.
أيها المسلمون، فقد جرت سنة الله عز وجل في عباده أن يعاملهم بحسب أعمالهم، فإذا اتقى الناس ربهم الذي خلقهم ورزقهم أنزل عليهم البركات من السماء، وأخرج لهم الخيرات من الأرض، كما قال سبحانه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف: 96] ، وقال تعالى: وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن: 16] ، وإذا تمرّد العباد على شرع الله وفسقوا عن أمره أتاهم العذاب والنكال من الكبير المتعال، فإذا كان العباد مطيعين لله عز وجل معظمين لشرعه أغدق عليهم النعم وأزاح عنهم النقم، وإذا تبدل حال العباد من الطاعة إلى المعصية ومن الشكر إلى الكفر حلت بهم النقم وزالت عنهم النعم. فكل ما يحصل للعباد من محن وكوارث ومصائب فبما كسبت أيديهم ويعفو عن كثير، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] .
إن ما نشاهده من هذه الآيات الكونية لهو آية من آيات الله، تجعل المؤمن متصلًا بالله ذاكرًا له شاكرا لنعمه مستجيرا به خائفا من نقمته وسخطه.
عباد الله، إن من نعم الله علينا هذا الهواء الذي نتنفسه، ولشدة الحاجة إليه جعله الله مبذولا متاحا للمخلوقات في كل مكان وبدون ثمن أو مال، ولكن عندما يتلوّث هذا الهواء بالقدر الذي لا يمكن الإفادة منه فإن حال الناس تصبح صعبة وحرجة، تصل ربما إلى حالات من الإغماء أو الاختناق.
لقد كان في جميع الحضارات والأمم السابقة خرافات ومعتقدات خرافية عن الرياح، وكان يسود الظن بأن هناك آلهة مختلفة للرياح والعواصف, وجاء القرآن الكريم ليبين مباشرة بأن الرياح بيد الله الواحد، وأنها مسخرة بإذنه، متناسقة مع باقي المسخرات، وتسير بنظم ثابتة في هذا الكون ليؤازر بعضها بعضًا. والسؤال الآن: ما هي الرياح؟ أو ما هو الريح؟ والجواب جاء على لسان من علمهم القرآن من زمن بعيد أن الريح هي: (حركة أجسام لطيفة غير مرئية) ، أما المصطلح العلمي للرياح الآن فهو: (حركة جزيئات الهواء والغازات المكونة للغلاف الجوي, والرياح توصف ككمية موجهة لها سرعة واتجاه) .
ومن آيات الله أن جعل في هذه الجزيئات الخفيفة القوة الخارقة التي تقلع الأشجار وتهدم الديار, والآن تستخدم في رفع الأثقال وتكسير الأحجار, وهي أيضا الرياح اللطيفة التي تنقل الروائح الجميلة وعبير الأزهار، وتنقل حبوب اللقاح وتسوق السحاب بإذن الله.
الرياح هواء متحرّك عبر سطح الأرض، وقد تهب الرياح ببطء ولُطف شديدين، لدرجة تجعل من الصعوبة الإحساس بها، أو قد تهب بسرعة وعُنف كبيرين لدرجة تجعلها تدمر المباني وتقتلع الأشجار الكبيرة من جذورها. والرياح القوية يمكنها أن تضرب أمواج المحيط العاتية التي من شأنها أن تحطم السفن وأن تغمر الأرض. وبإمكان الرياح إزالة التربة من الأراضي الزراعية، ومن ثم تتوقف المحاصيل عن النمو، وتستطيع ذرات التربة الناعمة التي تحملها الرياح أن تُبلي الصخر وتغير ملامح الأرض.
الرياح أيضًا جزء من الطقس، فاليوم الحار الرطب قد يتحول فجأة إلى بارد إذا ما هبّت الرياح من منطقة باردة، والسحب المُحَمَّلة بالمطر والبرق قد تتكون حيث يلتقي الهواء البارد بالهواء الحار الرطب، وقد تدفع رياح أخرى السحب بعيدًا وتسمح للشمس بأن تدفئ الأرض مرة أخرى. ويمكن للرياح أن تحمل العاصفة الهوجاء إلى مسافات بعيدة.
وتُسمى الرياح وفقًا للاتجاه الذي تهب منه، فعلى سبيل المثال تهب الرياح الشرقية من الشرق إلى الغرب، والرياح الشمالية من الشمال إلى الجنوب.
وجاء ذكر كلمة (رياح) في القرآن الكريم عشر مرات، وذكر لفظة (ريح) أربع عشرة مرة, ولفظ (ريحًا) أربع مرات. وجاء ذكر الرياح مجموعة دائما مع الرحمة (مبشرات, حاملات, مرسلات, ناشرات, ذاريات, لواقح) . وإن كل مرة ذكر فيها الريح مفردة تكون مقترنة بالعذاب (عاصف, قاصف, عقيم, صرصر) ، إلا في سورة يونس في قوله تعالى: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس: 22] , وسورة يوسف في قوله تعالى: وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ [يوسف: 94] ، فورود كلمة الرياح مع الجمع تعني أن الرياح بهذه الصفة المقرونة بها قد يحدث في نفس الوقت على أماكن أخرى من الكرة الأرضية؛ مثل (تصريف الرياح) أو (يرسل الرياح) ، فهي كمرسلات هنا وهناك ناشرات في نصف الكرة الشمالي والجنوبي في نفس الوقت. أما الإفراد فإنها تأتي بمواصفات خاصة كجسد واحد يؤدي غرضا محدودًا, فريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء تؤدي غرضًا بعينه.
أيها المؤمنون، إن الريح جند من جنود الله تعالى التي لا يقاومها شيء، فإذا خرجت عن سرعتها المعتادة بإذن ربها دمرت المدن وهدمت المباني واقتلعت الأشجار وصارت عذابا على من حلت بدارهم، فلما عتا قوم عاد وقالوا: من أشد منا قوة أرسل الله عليهم الريح العقيم، فقال جل وعلا: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات: 41، 42] ، قال البغوي في تفسيره (4/233) :"هي التي لا خير فيها، ولا بركة، ولا تلقح شجرا، ولا تحمل مطرا، ما تذر من شيء أتت عليه من أنفسهم وأنعامهم ومواشيهم وأموالهم إلا جعلته كالرميم أي: كالشيء الهالك البالي، وهو نبات الأرض إذا يبس وديس، قال مجاهد: كالتبن اليابس". وقد سماها الله تعالى (عاتية) في قوله: وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ [الحاقة: 6] ، قال المفسرون: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، وقيل: عتت على الخزنة فخرجت بغير حساب.
كيف لا وهي جند من جنود الله ينصر بها من يشاء من عباده المؤمنين؟! كما حصل في بعض غزوات الرسول ، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الأحزاب: 9] ، روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال:"هي الصبا، كفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم ـ أي: خيامهم ـ حتى أظعنتهم"، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله: (( نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدَبور ) )، والصبا هي الريح الشرقية، والدَبور هي الريح الغربية. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك في وجهه وأقبل وأدبر ، فإذا مطرت سرّ به وذهب عنه ذلك ، قالت عائشة: فسألته فقال: (( إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي ) )رواه مسلم. وكان النبي إذا عصفت الريح قال: (( اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشرما فيها وشر ما أرسلت به ) )رواه مسلم.
وقد قال الله عن قوم صالح عندما أرسل عليهم الريح: فلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ، فلم يظنوا في السحابة التي أظلتهم سوى أنها ظاهرة كونية قد تتسبّب في نزول المطر، خاصة وأنهم كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر، ولكن لم تكن هذه الغمامة سوى العذاب.
ونقل ابن كثير في تفسيره عن عبد الله بن عمرو قال: (الرياح ثمانية، أربعة منها رحمة، وأربعة منها عذاب، فأما الرحمة: فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وأما العذاب: فالعقيم والصرصر وهما في البر، والعاصف والقاصف وهما في البحر، فإذا شاء سبحانه وتعالى حركه بحركة الرحمة، فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته ولاقحا للسحاب تلقحه بحمله الماء كما يلقح الذكر الأنثى بالحمل، وإن شاء حركه بحركة العذاب، فجعله عقيما، وأودعه عذابا أليما، وجعله نقمة على من يشاء من عباده، فيجعله صرصرا وعاتيا ومفسدا لما يمر عليه) .
أيها المسلمون، كما أن الرياح جند من جنود الله يسلطها على من يشاء فإنها أيضا خلق من خلق الله يسخرها لمن يشاء من عباده، قال المولى تبارك وتعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إلى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ، وقال تعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ، قال قتادة:"تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار، وتروح مسيرة شهر إلى آخر النهار، فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين".
والرياح لها أسماء وأنواع، فمنها: البَليل وهي: الريح الباردة ذات الندى، الجَامِلة وهي: الريح السريعة المَرّ، الحاصِبة: التي تجيء بالحصباء، الخَريق: الشديدة البرد تخترق الثياب، الرَّاعفة: الشديدة المطر، السَّموم: الريح الحارة، الصَّبَا: التي تهبّ من نقطة الشرق، الصَّرْصَر: الريح الباردة، اللواقِح: التي تلقّح الشجر، العَقِيم: التي لا تقلع الشجر ولا تحمل المطر، المُتَنَاوِحَة: التي تهبّ من جهات مختلفة، النافخة: الريح التي تبدأ بشدّة، النَّسِيْم: الريح بنفَس ضعيف، المِعْجَاج: التي تثير الغبار، الزوبعة: التي تهبّ من الأرض نحو السماء مثل الإعصار.. وغير ها كثير.
أيها المسلمون، إن مما ينبغي الحذر منه هو نسبة هذه الظواهر إلى الطبيعة كما يسميها بعضهم: (غضب الطبيعة) ! وكما يقول بعضهم: إن هذه ظواهر طبيعية لها أسباب معروفة لا علاقة لها بأفعال الناس ومعاصيهم، كما يجرى ذلك على بعض الألسنة، حتى صار الناس لا يخافون عند حدوثها ولا يعتبرون بها. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله:"ونحن لا ننكر أن يكون لها أسباب حسية، ولكن من الذي أوجد هذه الأسباب الحسية؟ إن الأسباب الحسية لا تكون إلا بأمر الله عز وجل، والله بحكمته جعل لكل شيء سببا؛ إما سببًا شرعيا وإما سببًا حسيًا، هكذا جرت سنه الله عز وجل".
نسأل الله عزّ وجل أن يجعلني وإياكم من الذين إذا وُعِظُوا اتعظوا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا، إنه سميع مجيب.
أيها المسلمون، إن من الناس من يتذمّر عندما يرى الريح والغبار، وربما تطاول فسبها وشتمها، وهذا أمر قد نهى عنه رسول الله حيث قال: (( لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذا الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذا الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به ) )رواه الترمذي (7315) ، وقال: (( لا تسبوا الريح؛ فإنها من روح الله تعالى، تأتي بالرحمة والعذاب، ولكن سلوا الله من خيرها، وتعوذوا بالله من شرها ) )رواه أحمد وصححه الألباني، وقد أخرج الإمام مسلم رضي الله عنه في صحيحه في باب: في معجزات النبي من حديث أبي حميد قال: انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله: (( ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقم منكم أحد، فمن كان له بعير ليشد عقاله ) )، فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء.
ومما ينبغي التنبيه عليه قول بعض الناس:"اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا"، فهذا حديث ضعيف جدا، وإنما الثابت من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام هو ما ذكرناه آنفا.
فاللهم أرسل علينا ريحا طيبة رطبة محملة بالمطر غير المهلك، وقنا شر ريح السموم والعذاب، واجعلنا من عبادك الذين يقدرون نعمك حق قدرها.