فهرس الكتاب

الصفحة 1242 من 5777

بعض أسباب تخلف المسلمين 1

العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة, المسلمون في العالم

ناصر بن محمد الأحمد

الخبر

النور

1-غير الله حالنا بعد أن تغيرت نفوسنا. 2- ظاهرة تخلف المسلمين وضعفهم. 3- حديث

غثائية الأمة وشرحه وانطباقه على الواقع الحالي الذي نعيشه. 4- من أهم أسباب تخلف

المسلمين بعدهم عن الدين. 5- الجهل صورة لبعدنا عن الدين ، ونماذج من هذا الجهل.

أما بعد:

فيا أيها الأخوة المسلمون: قد يسأل سائل ويقول ، لقد كنا نحن المسلمين أعظم أمة في الأرض ، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ، ونؤمن بالله ، كنا أمة نحرر المظلومين في الأرض ، كنا أمة نحقق العدالة بين الناس ، كنا أمة ننشر التوحيد في كل مكان ، حتى دانت لنا الدنيا المعمورة ، فلم تكن فوق كلمتنا كلمة ، ولم تكن أمة في الأرض تتقدم علينا في العلم ، ولا في الإقتصاد، ولا في الأخلاق ، ولا في السياسة ، كنا أمة كما قال القائل:

أمة في الأرض لا يقهرها مجرم بل هي ذل المجرم

فلماذا تبدّل ذلك كله ، وآل أمرنا إلى هذا الواقع المؤلم الحزين؟ ؟

لماذا أصبحت شعوبنا ودولنا متخلفة ، يطلق عليها الدول المتخلفة ، وإذا أرادوا المجاملة في التعبير ، والتأنق فيه ، لكي لا يكسروا مشاعرنا ، قالوا - الدول النامية - أي المتخلفة، والدلالة هي الدلالة.

لماذا كل هذا؟

الجواب يا عباد الله على هذا السؤال تضمته الآية الكريمة ، قال الله تعالى: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين.

أيها المسلمون: لقد قررت هذه الآية الكريمة ، أن الله تبارك وتعالى ، لم يكن ليغير نعمة أنعمها على قوم حتى يكون التغيير منهم هم ، حتى يغيروا ما كانوا عليه من فكر واعتقاد ، حتى يغيروا ما كانوا عليه من خلق ومنهاج.

تلك سنة الله تحققت في الأمم الماضية من آل فرعون والذين من قبلهم من الذين كفروا بآيات الله ، وتعدوا حدوده ، وحاربوه في حياتهم ، بمخالفة شرعه الذي شرع لهم ، ونرى في الآيات أيها الأخوة ، أن العقوبة كانت بسبب ذنوبهم ، كما قال تعالى: فأخذهم الله بذنوبهم وقال عز وجل: فأهلكناهم بذنوبهم.

إنها سنة الله في عباده ، كما قال عز من قائل: ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

وتذكر هذه الآيات من صفات الله هنا ، والله ما تخشع له القلوب ، وتنخلع له الأفئدة ، إنه سبحانه قوي شديد العقاب ، وإنه سميع عليم ، وإنه سبحانه يعاقب الظالمين بالأخذ الشديد والإغراق والإهلاك في الدنيا والآخرة.

أيها المؤمنون عباد الله: إن تخلف المسلمين ظاهرة ، يصعب أن نحصر أسبابها التفصيلية في خطبة قصيرة كهذه، ولكني سأذكر لكم بعد توفيق الله عز وجل ومنه وكرمه ، بعضًا من أهم هذه الأسباب ، لكن قبل الشروع في ذكر الأسباب ، لابد من تصوير واقع الأمة ، لكي يمكننا أن نتخيل إلى أي حد وصلت إليه. لا أحسب أن هذا الواقع المؤلم الحالي للأمة يمكن لنا تصويره أقرب من وصف الرسول صلى الله عليه وسلم له في الحديث الصحيح في وصف المسلمين في آخر الزمان ، وهو حديث ثوبان رضي الله عنه ، قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يوشك أن تتداعى عليكم الأمم ، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن ، فقال قائل:يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ) ) [رواه أبو داود] .

لنا وقفة أيها الأخوة مع بعض جمل هذا الحديث العظيم.

قوله عليه الصلاة والسلام: (( يوشك أن تتداعى عليكم الأمم ، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ) )إنه تصوير نبوي عجيب لا يمكن لأحد أن يصور ويصف حال الأمة بهذا الوصف ، إلا من قال عنه رب العالمين بأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

تأملوا يا عباد الله هذا الوصف وهو تحول المسلمون فيها إلى شيء مأكول، والمأكول لا حيلة له ولا قوة ولا حركة فيه ولا مقاومة.

وعندما يوصف المسلمون بالشيء المأكول ، فهم إلى التمزيق والطحن والمضغ والازدراء ، وما وراء ذلك صائرون، والمسلمون في هذا الوصف النبوي صمّ لا يسمعون تعلن الأمم عزمها على أكلهم ، وتتداعى أمم الكفر إلى ذلك ، ومع ذلك فهم لا يسمعون ، وكيف يسمعون وقد فقدوا الحياة ، وقد يسمعون ولكنهم لا يعون ما يسمعون ، فكانوا هم والصم سواء.

أولسنا نرى اليوم في تصريحات كثير من دول الكفار من النصارى واليهود والشيوعيين ، وغيرهم وفي أعمالهم مثل هذا الإعلان ، الذي يتضمن عزمهم على احتلال بلادنا. بل جاوزوا الإعلان إلى التنفيذ ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، كما حصل في كثير من بلاد المسلمين ، وفي مقدمتها فلسطين:

وأقفرت من بني أبناءها الشهب

واطعلت سفن الإسلام والعرب

وطول صبر على الأرزاء والنوب

ضياع أندلس من قبل في الحقب

بمثلها أمة الإسلام لم تُصب

خلت فلسطين من أبناءها النجب

طارت على الشاطئ الخالي حمائمه

يا أخت أندلس صبرًا وتضحية

ذهبت في لجة الأيام ضائعة

وطوحت ببنيك السيف نازلة

بمثلها أمة الإسلام لم تصب ، ومع ذلك نأكل ونشرب ونلهو ونلعب ، ونتمتع بكل ألوان المتعة ، وكأن الأمر يخص غيرنا ، لا نسمع ، أو نسمع ولا نعي ، وكلا الأمرين مصاب جلل ، له أوخم العواقب وأسوأ النتائج.

المسلمون في هذه الصورة النبوية الرائعة ، محاط بهم من كل جانب ، فالأكلة يتحلقون حول القصعة ، وكذا الكفار اليوم يحيطون بالمسلمين.

وعندما سمع الصحابة رضوان الله عليهم ، ماذا سيكون حال أمتهم في ذاك الزمان تصوروا أن عددهم يومئذٍ عدد قليل ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صحة هذا التصور فقالوا: (( أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله ) )فأجابهم عليه الصلاة والسلام: (( لا.. إنكم يومئذٍ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) ).

لقد نبههم إلى أن الأمور لا تقاس بالكمية وإلى أنه لا ترتفع قيمة الأمة ولا يعز شأنها بكثرة عددها فقط ، لا ، لابد من الكيفية الجيدة ، ويقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسلمين سيكونون في ذاك الزمان كثير، ولكنهم غثاء بغثاء السيل.

إن عددهم اليوم يزيد على مليار نسمة ، وتصل نسبتهم إلى خمس سكان العالم كله ، ولكن هذا المليار من المسلمين ما شأنه ، ما قيمته الفكرية؟ ما قيمته الاقتصادية؟ بل ما قيمته العسكرية؟ وما قيمته السياسية؟ إنهم غثاء كغثاء السيل ، ونحوه سرعان ما تتبدد ، وسرعان ما تتناثر هنا وهناك.

إن الكثرة ليس لها شأن كبير إن تخلت عن النوعية الجيدة ، إن ألف تفاحة فاسدة لا تسد مسد تفاحة واحدة صحيحة ، لو كنت جائعًا وأعطيتك ألف تفاحة فاسدة ، ما تنفعك بشيء ، إن التفاح الفاسد زبالة تجلب الجراثيم وتنشر الروائح الكريهة ، وتأتي بالحشرات ، لكن التفاحة الصحيحة تنشر الشذى الرائع ، وتنعش البدن ، وتفيد الجسم ، وتُمِتعُ آكلها.

إن أزمة المسلمين اليوم أيها الأخوة ، فلنقلها بكل صراحة ، إن أزمتهم ليست في قلتهم، ولكن الأزمة في فسادهم وتخلفهم وبعدهم عن دينهم.

ثم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر هذا الحديث العظيم ، الذي لا يكفيه هذا التأمل القصير ، ذكر بأن هؤلاء المسلمين الغثاء ستنزع من صدور أعدائهم المهابة منهم ، وذلك باتصافهم بصفتين ، هما حب الدنيا وكراهية الموت. قال عليه الصلاة والسلام: (( ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن؟ فقال قائل: يا رسول الله وما والوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ) ).

إن الدنيا تشغل بال أكثر الناس اليوم ، يوظفون لها حياتهم ، يعيشون من أجلها ، ويشقون رغبة في جمع أكبر قدر ممكن من متاعها وعرضها ، نعم هذا حال سواء المسلمين.

وهو أمر سيء مؤلم ، ولكن الأكثر إساءة وإيلامًا أن يكون كثير من الدعاة وطلبة العلم لا يرتفع عن مستوى العامة والدهماء ، فترى الواحد من هؤلاء الدعاة خاضعًا للدنيا التي سيطرت عليه سيطرة تامة ، ولكنه يلبس على نفسه ببعض التعللات ، وبعض المغالطات.

أيها المسلمون: إننا لنقرأ في السيرة النبوية أخبار غزوة أحد ، عندما أصابت المسلمين تلك المصيبة ، فسألوا: أنى هذا؟ من أين هذا؟ فنزل في ذلك قوله تعالى: أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم أصابتكم هذه المصيبة بسبب يعود إليكم.

فنسأل الله عز وجل ، أن يغير حالنا وأن يكشف غم الأمة عنها إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول ما سمعتم..

أما بعد:

وبعد هذه المقدمة الموجزة ، والتي صورت من خلال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حال أمتنا في هذا الزمان ، نبدأ أيها الأخوة ، في ذكر بعض الأسباب ، والتي رأيت أنها في مقدمة الأسباب التي أدت تخلف المسلمين.

وربما لا يسعفنا الوقت في ذكر هذه الأسباب التي جمعتها. لذا فإنه من المحتمل أن نكمل هذا الموضوع الهام في مرة قادمة. إن شاء الله تعالى.

أولى هذه الأسباب وفي مقدمتها ، البعد عن الدين ، بَعُد كثير وكثير من المسلمين عن التمسك بالإسلام التمسك المطلوب.

وإن من أبرز مظاهر البعد عن الدين ، هو الجهل بالدين، الجهل المطبق ، وهذا أمر عام في العالم الإسلامي بالنسبة إلى العامة.

مشكلة المسلمين الأولى جهلهم بدينهم ، مما أدى هذا إلى بعدهم عن الدين.

المصيبة يا عباد الله ، بأن هذا الجهل لا يتمثل في مسائل فرعية ، بل في قضايا كلية ، ومسائل من أصل دين الإسلام.

وهذا له صور كثيرة في واقعنا ، فمن صور الجهل بالدين بالقضايا الكلية الأساسية كبرى مسائل الاعتقاد ، الولاء والبراء مثلًا ، لو فقه المسلمون هذه القضية في دينهم ، فهمًا صحيحًا واقعيًا ، لما أعطو ولائهم لكثير من أعدائهم من مشركين ونصارى ، بل ويدندن في الآونة الخيرة بشأن اليهود أيضًا. أليس هذا جهل مطبق بمسألة الولاء والبراء وخطورتها لو صرفت الولاية في غير محلها.

ولو علم المسلمون أهمية هذه القضية ثم طبقوها تطبيقًا حقيقيًا واقعيًا ، ما ذلوا لأعدائهم ومكنوهم من بلادهم وأموالهم.

فلأن الكثير من المسلمين أعطوا ولائهم للكفار ، فقد ترتب على هذا أن عاثوا في بلاد المسلمين تسلطًا واحتلالًا وفسادًا، بل وخيرات وأموال المسلمين تصب في بطونهم:

سنابك الخير داست عندنا الكتبا

قال الحقيقة إلا اغتيل أو صلبا

ماذا سأقرأ من شعري ومن أدبي

وحاصرتنا فآذتنا ولا قلم

فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أيها المسلمون: ومن صور الجهل بالدين أيضًا. عدم معرفة الكثير من المسلمين ، بل ومنا نحن بأحكام أساسية في الطهارة والصلاة ، وباقي أركان الإسلام.

أطرح سؤالًا في الطهارة في مجلس عام أو عن سجود السهو ، أو غيرها من المسائل الأساسية فمن الذي يجيب؟ إلا من رحم الله عز وجل ، ولهذا تجد الأسئلة تكثر جدًا في رمضان ، والحج ، فلحرص الغالبية على صيامهم ، وجهلهم بالمقابل بأحكام دينهم ، يتخيل أن أي تصرف أفسد صومه ، ولهذا تمر عليك أسئلة غريبة جدًا ، لا علاقة لها بالصيام أصلًا ، تُسأل هل يفسد الصوم.

أما جهل المسلمين بأحكام حجهم ، فالله المستعان ، ترى العجب العجاب في الطواف والرمي ، وغيرها من مناسك الحج.

عدة مرات سمعت أن أشخاصًا سعوا بين الصفا والمروة أربعة عشر شوطًا ، بدلًا من نصفها ، ظانين أن الذهاب والإياب شوطًا واحدًا. هذا مثال خفيف مما يحصل في الحج ، وربما حصل هذا من كبار السن ، فقد يكون عمر الواحد ثلاثين أو أربعين سنة.

فالسؤال الذي يطرح نفسه ، ماذا كان يعمل هذا الرجل أربعين سنة قضاها في الإسلام ، هل تتوقعون أنه كان يعيش الإسلام واقعًا وسلوكًا ، وكانت حياته كلها إسلامية ، لا أظن ذلك بل هو مسلم كما يقال بالتابعية وشهادة الميلاد.

لو قضى نصف هذه المدة في جمع الطوابع أو لعب الورق ، أو غيرها من التوافه التي شغلت ، بل شُغلت بها حياة المسلمين ، لصار خبيرًا ومحترفًا ، بل مستشارًا فيما فرغ نفسه له.

ثم يأتي بعد 40 سنة قضاها في الإسلام ولا يفقه أبسط مسائل الحج أو غيره.

ولو سمعنا مثل هذه الأمور من مسلم عاش في جزر الملايو أو على قمم الهملايا ، أو ولد ونشأ في أدغال أفريقيا ، ربما وجدنا له مسوغًا ، لكن من نشأ وترعرع في أرض الجزيرة ، ويعيش في أرض العلماء ، ووسائل التعلم ميسرة حتى للأجانب ، فماذا يكون عذر هذا أمام الله عز وجل، أن يأتي بعد 30 أو 40 سنة قضاها في الإسلام ويجهل الكثير من أحكام دينه الذي لا تقوم العبادات إلا به.

هذه هي مصيبة المسلمين الكبرى ، جهل أبناءها بدينها ، وما ذكرته من مثال أو مثالين ، يعد أبسط وأتفه الأمثلة، وإلا فواقع المسلمين وحالهم ، وجهلهم بدينهم ، أكثر من هذا بكثير.

فنسأل الله عز وجل ، أن يبصرنا في ديننا وأن يعلمنا ما ينفعنا ، وأن ينفعنا بما علمنا إنه على كل شيء قدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت