فهرس الكتاب

الصفحة 2315 من 5777

خلق الصبر

الرقاق والأخلاق والآداب

أعمال القلوب

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

1ـ فضل الصبر. 2ـ الصبر على طاعة الله تعالى. 3ـ الصبر عن معاصي الله عز وجل. 4ـ الصبر على أقدار الله المؤلمة. 5ـ الصبر خلق الأنبياء عليهم السلام. 6ـ الحاجة إلى الصبر. 7ـ صبر المصطفى.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد، الله إن من الأخلاق الكريمة التي أمرنا بها ربُّنا وأمرنا بها نبينا خلقَ الصبر. والصبرُ خلق كريم، رغَّب الله فيه، وأخبر عن فضل أهله وعن ثوابهم، قال تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?سْتَعِينُواْ بِ?لصَّبْرِ وَ?لصَّلَو?ةِ [البقرة:152] ، وقال: وَبَشّرِ ?لصَّـ?بِرِينَ ?لَّذِينَ إِذَا أَصَـ?بَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ ر?جِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَو?تٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ ?لْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157] ، وقال مبيِّنا عظيم ثواب الصابرين: إِنَّمَا يُوَفَّى ?لصَّـ?بِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] .

وإن المسلم إذا تدبر الصبر في الكتاب والسنة يرى هذا الصبرَ ينقسم إلى أقسام ثلاثة:

فأولها صبرٌ على طاعة الله، فيصبر المسلم على الطاعة؛ لأنه يعلم أن الله خلقه لعبادته، وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] . فيصبر على العبادة صبرَ المحبِّ لها الراغب فيها الذي يرجو بصبره ثواب الله. يصبر على إخلاص الدين لله، وهو يقاوم دواعيَ الرياء والسمعة لعلمه أن الرياء لا ينفع، وأن مراءاة الناس لا تنفعه ولا تحقق له خيرًا ولا تدفع عنه ضررًا. إذًا فهو يلزم عبادةَ الله، يدعو الله مخلصًا له الدين، يصرف كلَّ العبادة لربه صابرًا على ذلك. يصبر على فرائض الإسلام كلِّها، فهو صابر على الصلوات الخمس صبرَ المحبِّ لها الراغبِ فيها، يؤديها عن طمأنينة ورغبة فيها ومحبة لها وتعظيم لها، ليس كحال المنافقين الذين قال الله فيهم: وَلاَ يَأْتُونَ ?لصَّلَو?ةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى? [التوبة:54] لا، بل هو يأتي الصلاة عن رغبة ومحبة، فيصبر على أوقاتها، ويصبر على أدائها، محسنًا أداءَها، محافظًا عليها، مؤديًا لها مع جماعة المسلمين في المساجد، متعلق قلبه بها آناء الليل وأطراف النهار. صابرٌ على زكاة ماله، فيؤديها طيبةً بها نفسه، غيرَ مستكثر لها، ولا ضاجر منها، وإنما يؤديها عن طوع واختيار، شاكرًا لله نعمتَه وفضله عليه. صابر على صومه وحجه. صابر على بره بأبويه، ولا سيما عند كبرهما وضعف قوتهما، فهو يصبر على برهما صبر الكرام، تذكرًا أعمالهما الجميلة وأخلاقهما الفاضلة، وتذكرًا لمعروفهما السابق، فهو يصبر على برهما، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ?لْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَ?خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ?لذُّلّ مِنَ ?لرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ?رْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا [الإسراء:22، 23] ، فلا يضجر منهما، ولا يستطيل حياتهما، ولا يسأم منهما، بل كلما قدم لهما من خدمة يراها حقًا واجبًا عليه، ويرى فضلهما ومعروفهما سابقًا قبل ذلك. إنه صابر على رحمه بصلته لهم، وصبره على أذاهم، وتحمله كل ذلك، صبرًا يرجو به رحمة الله، (( ليس الواصل بالمكافئ، إنما الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها ) ) [1] . صابر ومحتسب على ما قد يناله من أذية من الخلق، فهو يصبر صبر الكرام، وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ?لأُمُورِ [الشورى:43] . صابر في التزام الصدق في الحديث، فلا يسأم الصدقَ ويمله، بل الصدق والوفاء خلق له، فهو صابر على الصدق والوفاء، صابر في تعامله مع الآخرين صبرَ الكرام، فمعاملته طيبة على خلق كريم. ترى أخلاقه وأعماله أعمالًا متواصلة مستمرة، هو ثابت عليها، لكونه موقنًا بها ومصدقًا لها. صابر على أولاده، يأمرهم بالخير، ويربيهم التربية الصالحة، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِ?لصَّلو?ةِ وَ?صْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلتَّقْوَى? [طه:132] .

الدعاة إلى الله صابرون في دعوتهم، قائمون بها خير قيام، مقتدون بأنبياء الله في صبرهم وتحمُّلهم كل المشاق في ذات الله، فَ?صْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ?لْعَزْمِ مِنَ ?لرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ [الأحقاف:25 ] ، فَ?صْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا [المعارج:5] ، فَ?صْبِرْ عَلَى? مَا يَقُولُونَ [طه:130] ، إن الله أمر نبيه بذلك فكان أعظم الناس صبرًا ومع هذا يقول: (( يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ) ) [2] . صبر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، يصبر على ما قد يناله من أذى لأنه يتحمل ذلك في ذات الله، قال الله في وصايا لقمان: وَأْمُرْ بِ?لْمَعْرُوفِ وَ?نْهَ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَ?صْبِرْ عَلَى? مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ?لأُمُورِ [لقمان:17] .

فالصبر على الطاعات عنوان الاستقامة والثبات على الحق، إِنَّ ?لَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ?للَّهُ ثُمَّ ?سْتَقَـ?مُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ?لْمَلَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِ?لْجَنَّةِ ?لَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَفِى ?لآخِرَةِ [فصلت:30،31] .

والمسلم يصبر عن معاصي الله، يصبر عن الأمور التي حرمها الله عليه، يكفُّ نفسه عنها، ويُلزمها الصبرَ والتحمُّل، ويتذكر مقامه بين يدي الله، وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:54] ، ذ?لِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14] . يصبر عن مشتهيات النفس التي تدعو إلى المخالفة، يصبر فيغضّ بصره، يصبر فيحصِّن فرجه، يصبر فيمتنع عن الحرام وكل المغريات التي تدعوه إلى المخالفة، فهو يصبر عنها، ويلزم الأدب الشرعي، صابر في غض بصره وفي تحصين فرجه، صابر عن معاصي الله. صابر في مكاسبه فيلزم الحلال وإن قلَّ، ويبتعد عن الحرام وإن كثر، قُل لاَّ يَسْتَوِى ?لْخَبِيثُ وَ?لطَّيّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ?لْخَبِيثِ [المائدة:100] . صابر في كونه يؤدي الأمانة، يؤدي الحقوق إلى أهلها، صابر في أمانته، صابر في حسن تعامله، فهو يصبر عن معاصي الله، وإن كانت المغريات كثيرة لكنه يتخطاها ويتجاوزها، لأنه يخاف الله ويتقيه. فالمعاملات الربوية مهما حسَّنها أهلها، ومهما كثرت نتائجها وأرباحها لكنها لا تقيم عنده شيئًا، لعلمه أن المرابي محارب لله ورسوله، وأن رسول الله لعن آكل الربا، ولعن موكل الربا، ولعن كاتب الربا، ولعن شاهدي الربا [3] ، إذ لم يصبروا عن هذه المعاملة المحرمة طاعةً لله ومحبة له. يصبر عن ظلم العباد، يصبر عن التعدِّي عليهم، يصبرُ صبرًا يحول بينه وبين انتهاك حرمات الله، لعلمه باطلاع الله عليه، وأن الله يعلم سرَّه وعلانيته.

ثم هو بعد هذا يصبر على أقدار الله المؤلمة التي قد تناله في جسده أو في ماله أو في ولده، فيصبر على قضاء الله وقدره، يؤمن حقَّ الإيمان بأن الله على كل شيء قدير، وأن الله علم الأشياء قبل كونها، وكتبها، وشاءها، وقدرها، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، يؤمن بقضاء الله وقدره، في الحديث: (( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كلَّه خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، أو أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ) ) [4] . إنه أمام المصائب يصبر ويحتسب، لماذا؟ لعلمه أنها جارية بقضاء الله، مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ?لأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَـ?بٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ?للَّهِ يَسِيرٌ لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى? مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـ?كُمْ [الحديد:22،23] ، مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ?للَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِ?للَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] ، قال علقمة:"هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم". يصبر على ما أصابه، وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ ?لْخَوفْ وَ?لْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ ?لأمَوَالِ وَ?لأنفُسِ وَ?لثَّمَر?تِ وَبَشّرِ ?لصَّـ?بِرِينَ [البقرة:154] .

فالصابرون المحتسبون يتلقون المصائب بالصبر والتحمل، يتلقونها أولًاَ بالصبر عليها، ثم ثانيًا يتلقونها بالرضا، فلا تحمل نفوسهم تسخطًا على قضاء الله وقدره، ولكن الرضا والتسليم، لأنهم أهل إيمان، فيصبرون ويحتسبون، ولا يظهر منهم ضجر ولا تسخط على قضاء الله وقدره.

أشد الناس ابتلاءً الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة شدّد عليه وإلا خفف عنه، وقال: (( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط ) ) [5] . فهو يصبر على ما يصيبه في بدنه من بلاء، يصبر على البلاء الذي أصابه في بدنه، وفي الحديث: (( لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) ) [6] ، و (( ما يصيب المؤمنَ من نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه ) ) [7] . يصبر على ما يصيبه في فقد ولده، فيعلم أن ذلك بقضاء الله وقدره، فيصبر ويحتسب، ويرضى عن الله جل وعلا، يصبر على ما يصيبه في ماله، ويعلم أن هذا بقضاء الله وقدره، فيرضى ويسلم.

هكذا المؤمن أمام المصائب، يصبر في أول وهلة، وعند أول المصيبة، صبرٌ يمليه الإيمان الصادق. مرَّ النبي بامرأة تبكي عند قبرٍ فنهاها، فقالت: إليك عني، فلم تُصَب بمصيبتي، فلما أُخبرت أنه النبي أتته، فلم تجد عند بابه بوابًا، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك، قال: (( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) ) [8] ، أي: عندما تأتي المصائب يكون هناك تفاوت المؤمنين، فالمؤمنون يتلقون المصائب بالصبر والاحتساب والرضا عن الله وطمأنينة النفس بذلك.

إحدى بنات النبي أرسلت إليه تقول: إن ابنها في الاحتضار فليحضر، فقال: (( مروها فلتصبر، وإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى ) )، فأرسلت أن يحضر فأتى، فرُفع الصبي إليه فإذا روحه تقعْقع، فذرفت عيناه بالدموع، فقال له أحد الصحابة‍‍!! فقال: (( إنها رحمة ينزلها الله في قلب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله الرحماء ) ) [9] ، وقال أيضًا في موت ابنه إبراهيم: (( إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا لفراقك ـ يا إبراهيم ـ لمحزونون ) ) [10] ، هكذا جمع بين الرحمة الفطرية وبين الصبر والرضا عن الله، صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدّين.

فصبر المسلم على المصائب إنما هو من ثمرات الإيمان الصادق بأن الله حكيم عليم فيما يقضي ويقدر، قال بعض العلماء: للمسلم أمام المصائب أمور، أولًا: أن يؤمن بأن هذا قضاء الله وقدره، ثانيًا: أن يعلم أن الدنيا منقضية وزائلة، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى? وَجْهُ رَبّكَ ذُو ?لْجَلْـ?لِ وَ?لإكْرَامِ [الرحمن:26] ، وَلَن يُؤَخّرَ ?للَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَ?للَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:11] ، وأن هذا التقدير تقدير الحكيم العليم، حكيم عليم فيما يقضي ويقدر، فلا اعتراض ولا ملامة، ولكن صبرٌ واحتساب ورضا عن الله، وأكمل المؤمنين من جمع بين الصبر على المصيبة والرضا عن الله جل وعلا وطمأنينة النفس بذلك، يرجو ما عند الله من الثواب الذي وعد به الصابرين الصادقين، إِنَّمَا يُوَفَّى ?لصَّـ?بِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] .

فمن صبر على طاعة الله وصبر عن محارم الله وصبر على قضاء الله واطمأنت نفسه وسلم لله في قضائه وقدره فذاك من المؤمنين حقا. جعلني الله وإياكم من الصابرين الشاكرين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري في الأدب، باب: ليس الواصل بالمكافئ (5991) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

[2] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى عليه السلام (3405) ، ومسلم في الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (1062) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بنحوه.

[3] أخرجه مسلم في المساقاة (1598) من حديث جابر رضي الله عنهما.

[4] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، باب: المؤمن أمره كله خير (2999) من حديث صهيب رضي الله عنه بنحوه.

[5] أخرجه الترمذي في الزهد (2396) ، وابن ماجه في الفتن (4031) ، والقضاعي في مسند الشهاب (1121) ، والبيهقي في الشعب (9782) من حديث أنس رضي الله عنه، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وحسن إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة (146) .

[6] أخرجه أحمد (2/287) ، والترمذي في الزهد (2399) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: (( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ) )، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2280) .

[7] أخرجه البخاري في المرضى (5642) ، ومسلم في البر والصلة (2573) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما.

[8] أخرجه البخاري في الجنائز (1283) ، ومسلم في الجنائز (926) من حديث أنس رضي الله عنه.

[9] أخرجه البخاري في الجنائز (1284) ، ومسلم في الجنائز (923) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه بنحوه.

[10] أخرجه البخاري في الجنائز (1303) ، ومسلم في الفضائل (2315) من حديث أنس رضي الله عنه بنحوه.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

اتقوا الله واصبروا واحتسبوا، ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?صْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] .

أيها المسلم، في كتاب الله بيان صبر أنبياء الله، قال تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى? رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ ?لضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ?لرَّاحِمِينَ [الأنبياء:82] ، قال الله: فَ?سْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ [الأنبياء:83] ، وقال: إِنَّا وَجَدْنَـ?هُ صَابِرًا نّعْمَ ?لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44] ، فوصفه بأنه صابر وقال عن يعقوب عليه السلام: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف:18] ، وقال: إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ?للَّهِ [يوسف:86] . هكذا صبر أهل الصدق والوفاء، صبرٌ على قضاء الله، ورضًا بما قدر الله، وطمأنينة بالنفس لذلك.

أيها المسلم، إن الصبر عون لك في كل أحوالك، ومن فقَدَ الصبر فقد الخير كلّه، فكن صابرًا في أحوالك كلها.

الزوجان لا بد من مشاكل في الغالب بينهما، فصبرُ الرجل على امرأته وتحمُّله نقصها وقصورَ قدراتها عونٌ له على استمرار الحياة الزوجية، وضجره ومعاتبتُه مما يقلِّل تحمله ويفسد الثقةَ بينهما.

صبر المرأة على زوجها مما يسبِّب صفاءَ الحال وتعاونَ الجميع على الخير والتقوى.

صبر المسلم على أولاده، ومحاولة جمع كلمتهم، والصبر على ما قد يناله منهم خيرٌ كثير، ولهذا نُهي المسلم أن يدعو على نفسه أو ولده، فلعلها أن توافق ساعةَ إجابة، بل يصبر على الأبناء والبنات، يرجو من الله الفرج والتيسير، ولا يحمله الضجر على الدعاء عليهم، فربما حلّت بهم عقوبة يندم عليها ولا ينفع الندم.

فالصبر عون للعبد على كل خير، صبرٌ يعينه على الاستقامة على الطاعة، وصبر يعينه على الكفّ عن المعاصي، وصبر يعينه على تحمل الأقدار والرضا بها والطمأنينة، جعلني الله وإياكم من الصابرين.

أيها المسلم، إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، فهو خير الناس صبرًا، يأتيه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق على قريش أخشبي مكة فيقول: (( لا، أتأنَّى بهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا ) ) [1] . يُدمُون وجهَه ويقول: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ) [2] ، هكذا كان خلقه ، كان خلقه الصبرَ في كل أحواله، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا أبدًا إلى يوم الدّين.

صَبَر في الدعوة إلى الله، وصبر على أخلاق الناس، وصبر على ما قد يسمع من أذى، يقول له قائل لما قسم الغنائم مرة: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله [3] ، وقال له قائل: اعدل يا محمد، فإنك لم تعدل، فقال: (( ويحكم، من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! ) )، وقال: (( ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟! يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً ) ) [4] . ما انتصر لنفسه، ولا انتقم لنفسه، ولكن صبرٌ واحتساب، قال الله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ?للَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ ?لْقَلْبِ لانْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَ?عْفُ عَنْهُمْ وَ?سْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ?لأَمْرِ [آل عمران:159] ، وقد أمرنا الله أن نستعين بالصبر في كل أمورنا: وَ?سْتَعِينُواْ بِ?لصَّبْرِ وَ?لصَّلَو?ةِ [البقرة:44] ، فالصبر عون لنا على كل ما يهمنا في أمر ديننا ودنيانا.

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

و صلوا ـ رحمكم الله ـ على محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صل وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين وإمام المتقين محمد بن عبد الله فصلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائما إلى يوم الدّين...

[1] أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (3231) ، ومسلم في الجهاد، باب: ما لقي النبي (1795) من حديث عائشة رضي الله عنها بنحوه.

[2] أخرجه الطبراني في الكبير (5694، 5862) ، والبيهقي في الشعب (1448) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وصححه ابن حبان (973) ، وقال الهيثمي في المجمع (6/117) :"رجاله رجال الصحيح". قال الحافظ في الفتح (11/ 196) :"المراد بالمغفرة في قوله في الحديث الآخر: (( اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )العفو عمَّا جنوه عليه في نفسه لا محو ذنوبهم كلها، لأن ذنب الكفر لا يمحى، أو المراد بقوله: (( اغفر لهم ) )اهدهم إلى الإسلام الذي تصح معه المغفرة، أو المعنى: اغفر لهم إن أسلموا والله أعلم".

[3] أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب: ما كان النبي يعطي المؤلفة قلوبهم.. (3150) ، ومسلم في الزكاة (1062) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

[4] أخرجه البخاري في المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام (3610) وفي المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب وخالد (4351) ، ومسلم في الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم (1064) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه بنحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت