فهرس الكتاب

الصفحة 1677 من 5777

الحياء

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

خصال الإيمان, مكارم الأخلاق

محمد بن مجدوع الشهري

جدة

جامع أبي هريرة

1-فضل الحياء وأثره. 2-الحياء من الله. 3- الحياء من الناس. 4- خطورة المؤامرة على الحياء. 5- الفرق بين الحياء والخجل.

عن عِمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الحياءُ لا يأتي إلا بخير ) ) [متفق عليه] . وفي رواية: (( الحياءُ خيرٌ كُلُه ) ).

عبادَ اللهِ: إنَّ وجودَ الحياءِ في الإنسانِ يدفعُهُ إلى المحاسِنِ ويُبْعِدُهُ عنِ القبائِح، وإذا زالَ الحياءُ من الإنسانِ ارتكبَ المعاصيَ والآثامَ في الخلوةِ، وأمام الأقاربِ والجيرانِ، قال صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ مِمَّا أدركَ الناسُ من كلامِ النبوةِ الأولى: إذا لمْ تَسْتَحِ فَافْعَلْ ماشِئْتَ ) ) [رواه البخاري] .

والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان، ولقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شديدَ الحياءِ، يقول عنه الصحابيُّ الجليلُ أبو سعيدٍ الخدريِّ - رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ حياءً من العذرَاءِ في خِدْرِها، فإذا رأى شيئًا يكرهُهُ عَرَفْنَاهُ في وجْهِهِ) [متفق عليه] .

والعذراءُ البنتُ التي لم يَسبقْ لها نِكاحٌ، وخِدرُها موضعُها الذي تُصانُ فيه عن الأعْيُنِ، يرحمُ الله أبا سعيدٍ الخُدريِّ ورضي الله عنه يضْرِبُ لنا مثلًا بالبِنتِ البكرِ.. كيفَ لو رآها وقد أُهْمِلَتْ، تَذْهبُ معَ السائِقِ وحْدَهَا، وتذْهبُ إلى الأسواقِ وتَتَحدَّثُ مع الباعةِ والخيَّاطِينَ ولا فرقَ بينها وبين المرأة العجوز، بل إنَّ بعضَ المسلمينَ في كثير من بلدان العالم الإسلامي تَركُوا بناتِهم يَخْتلِطنَ مع الرِجالِ في التعليمِ والعَمَلِ، لأنه قد نُزِعَ الحياءُ منهم وقلّتِ الغيرةُ فيهم، وإذا فُقِدَ الحياءُ تدّرجَ الإنسانُ من سيِّىءٍ إلى أسوأِ، وهَبط من رَذيلةٍ إلى أكبر منها.

وما هو الحياءُ الحقيقيُّ عباد الله ؟ إنه الابتعاد عمَّا حرَّمَ اللهُ وحِفْظُ الجوارِحِ أنْ تُستعْمَلَ في معصيةِ اللهِ، فَهلْ منَ الحياءِ أن تستعمِلَ اللسانَ في الغيبةِ والنَّمِيمَةِ والكذِبِ وقولِ الزورِ والسبِّ والشتمِ والنيلِ من الآمرين بالمعروفِ والناهينَ عن المنكرِ ؟ وهل من الحياءِ أن تستعملَ نِعْمةَ السمعِ في استماعِ المُحرماتِ مثل الغِناءِ والموسيقى والغِيبةِ والنميمةِ ؟ وهل من الحياءِ أن تستعملَ ما وهبك اللهُ من مواهِبَ في الشعرِ والقصةِ والرسمِ والفصاحةِ في نشرِ الرذيلةِ في المُجْتمعِ؟

وهل من الحياءِ أن تنْظُرَ إلى ما حرم عليكَ النظُرُ إليه من النساءِ الأجنبياتِ كمن يُشاهِدُ ذلك في التِلْفازِ وفي الشارِعِ وغيره.

ورحم الله ابن القيم القائِل:

هبِ البعثَ لم تأتِنا رُسْلُه وجَاحِمَةُ النارِ لم تُضْرمِ

أليسَ منَ الواجِبِ المُسْتَحِقِّ حياءُ العبادِ من المُنْعِمِ

عِبادَ اللهِ: إنه واجِبٌ علينا أنْ نُراقِبَ اللهَ ونستحي منهُ في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ. قال الشاعِر:

وإذا خلوتَ بِريبةٍ في ظُلْمَةٍ والنَّفْسُ داعيةٌ إلى الطُغْيانِ

فاستحي من نظرِ الإلهِ وقُلْ لها إنَّ الذي خلقَ الظلامَ يَرَاني

عِبادَ اللهِ:

إنَ خُلُقَ الحياءِ يحْتاجُهُ كُلُّ مُسْلِمْ، بل إنه شُعبةٌ من شُعبِ الإيمانِ قال صلى الله عليه وسلم: (( الإيمانُ بِضْعٌ وسبعونَ شُعْبة، أفضلُها قولُ لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عنِ الطريق، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان ) ).

فالحياءُ يقودُكَ إلى توحيدِ الله سُبْحانهَ وإفرادِهِ بالعِبادةِ لأنه المُنْعِمْ، فالنفسُ تستحي من الله أن تجعلَ له نِدًا أو تجْعلَ معه شريكًا.

وحياؤكَ من والِدِاكَ يقودُكَ إلى بِرِهما والإحْسانِ إليهما.

وحياؤكَ من الناسِ يقودُكَ إلى رفعِ الأذى عنهم. وحياؤكَ من ضيفِكَ يقودُكَ إلى إكْرامِه، قال ابنُ القيمِ رحِمَهُ الله: فالحياءُ هو من أعظمِ الأخلاقِ وأكْرَمِها ذلك لأنه مصدرُ الفضائِلِ، فالولدُ يبرُ بوالديهِ بسبب الحياءِ، وصاحِبُ الدارِ يُكْرِمُ ضيفَهُ بسبب الحياءِ، والعبدُ يفي بالموعدِ بسبب الحياءِ أيضًا، لذلك عندما سُئِلَ المصطفى عليه الصلاة والسلام قالَ: (( إنَّ لِكُلِ دين خُلُقًا وخُلُقُ الإسلامِ الحياء ) ) [مروي بإسناد حسن عن أنس] .

أيها الإخوةُ الكِرام:

كمْ نحنُ في حاجةٍ إلى تربيةِ أنفُسِنا وأبنائِنا على خُلُقِ الحياءِ وإذا أردتَ أن تعْرِفَ فضلَ التربيةِ على هذا الخُلُقِ فانظُرْ إلى من نزع الله الحياءَ من وجُوهِهِم من ذُكورٍ وإناثٍ في أي وادٍ يهيمون، وفي أي مُصيبةٍ يقعون، ولا حول ولا قوةَ إلا بالله.

فلكَ أخي الكريم أنْ تَتَصورَ إلى أي مدى سوف تكونُ تعاسةُ الحياةِ إذا زالَ الحياءُ، فكيفَ بِكَ لو رأيتَ المرأةَ وهي تقودُ السيارةَ وتُزاحِمُ الرجالَ في طُرُقاتِهِم فكيفَ ستكونُ الحياةُ بعْدَ ذلكَ؟

وهُناكَ مِنْ الذين نزعَ اللهُ الحياءَ مِنْ قُلوبِهِم مَنْ يتمنى ذلك، ولكِنْ نقولُ: خيبَ اللهُ سَعْيهُمْ وجَعَلَ كيدَهُمْ في نُحورِهِم، وكيفَ بِكَ لو رأيتَ الشبابَ مِنْ أبناءِ الإِسلام يلْعَبُ بالكُرةِ والمؤذِنُ يؤذِنُ لِلصلاةِ ولا يُلقي لذلك بالًا، فكيف ستكونُ الحياةُ في غُرْبةٍ لِلدينِ كهذهِ الغُرْبة؟

وكيفَ بِكَ لو رأيتَ امرأةً تُشَجِعُ فريقًا كُرويًا تَغْضَبُ لِغضَبِهِ وتَفْرحُ لِفرحهِ؟ إنه خُرُوجٌ عنِ الفِطْرَةِ وأيُّ خُرُوجْ.

عِباد اللهِ أرأيتُمْ إنَّ الحياءَ خُلُقٌ عظيمْ يحْفَظُ لِلرَجُلِ هيْبَتَهُ ورُجولَتَهُ ويَحْفظُ لِلمرأةِ عِزْتَها وأُنوثتَهَا، ويُلْبِسُ الشَّابَ الْجَمالَ والْكرَامةَ.

فالأبُ عليهِ أن يُربي ولده على الحياءِ، والأمُ عليها أن تُربي بنتها على الحياءِ والمُدرِسُ عليه أن يُربي تلاميذَهُ على الحياءِ، وبهذا تمشي سفينةُ الحياةِ التي هي أصلُ اشْتِقاقِ الحياءِ منها، فكأن حياةً لا حياءَ في أهلِها ليست بحياة ،والأمرُ كذلك واللهِ عِبادَ اللهِ.

اللهُمَ ارزُقْنَا الفِقْهَ في الدينِ والحياءَ مِنْكَ يا ربَ العالمين، وفقني الله وإياكُمْ لما يحب ربُنا ويرضى وأسْتَغْفِرُ الله العليَّ العظيمَ لي ولكُمْ ولِسائِرِ المُسْلِمينَ مِنْ كُلِ ذنبٍ فاسْتَغْفِروه إنه هو الغفورُ الرحيم.

الحمْدُ لِلهِ الذي جعَلَ مِنْ صِفاتِهِ الحياءَ قال صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: (( إنَّ اللهَ حيَيٌّ كريمْ يَسْتَحي مِنْ عبدِه إذا رفع يديهِ إليهِ أن يرُدَهُما صِفْرًا ) ).

وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحْدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أن نبينا مُحمدًا عبد اللهِ ورسولُه كان أشدَّ حياءً مِنْ العَذراءِ في خِدْرِها.

عِبادَ اللهِ: اعلموا أن الحياءَ يختلِفُ تمامًا عن خُلُقٍ آخر يُشْبِهُه، ولكِنهُ يُخَالِفُه في معناه، إنه خُلُقُ الخجَلِ المذمومِ، فالخَجَلُ خُلُقٌ نابِعٌ عن خوَرٍ وجُبْن،ٍ والحياءٌ نابِعٌ عن شجاعةٍ وطيبِ معْدنٍ، فإنَ الذي يرى صاحِبَ المُنْكرِ ولا يُنْكِرُ عليهِ بِحُجَةِ الحياءِ مِنْه، فإنْه لمْ يَفْقَه معنا الحياءَ، وإلا فإن الحياءَ خير كله كما قال المُصْطفى صلى الله عليه وسلم في الْحَديث، قال الإمامُ النووي في شرحِ هذا الحديثِ: وأما كونُ الحياءِ خيرًا كُلُه، ولا يأتي إلا بخيرٍ، فَفَدْ يُشْكِلُ على بعضِ الناسِ من حيثُ أن صاحِبَ الحياءِ قد يسْتحي أن يواجه بالحقِ من يُجِلُه فيتْرُكَ أمْرَه بالمعْروفِ ونهيه عنِ المُنْكرِ، وقدْ يحْمِلُه الحياءُ على الإِخْلالِ بِبعضِ الحُقوقِ وغيرِ ذلك مما هو معْروفٌ في العادةِ.

وجوابُ هذا ما أجابَ بِهِ جماعةٌ مِنْ العُلَماءِ - أن هذا المانِعَ الذي ذكرناه ليس بحياءٍ حقيقة بل هو عجْزٌ وخورٌ ومهانة، وإنما تسْميته حياءً مِنْ إطلاقِ بعضِ أهلِ العُرْفِ أطْلقوه مجازًا لِمُشابهته الحياء الحقيقي، وإنما حقيقة الحياء خُلُقٌ يَبْعثُ على تركِ القبيح ويمْنَعُ مِنْ التقْصير في حقِ ذي الحق.

فلذلك عِبادَ اللهِ ينبغي عليكُمْ أنْ تُراعوا هذه المسْألة وتُربوا أبناءكُمْ على الحياءِ لا على الخَجَلِ، فهذا عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنْه يُدْخِلُه عُمرُ بن الخطابِ رضي الله عنه على أشياخِ بدر ويسألُهم عن تفْسيرِ قوله تعالى: إِذَا جَاء نَصْرُ ?للَّهِ وَ?لْفَتْحُ وَرَأَيْتَ ?لنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ?للَّهِ أَفْو?جًا فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَ?سْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوبَا [سورة العصر] . فقال بعْضُهُمْ: أمر الله نبيه إذا فتح الله عليه أن يسبح بحمد ربه ويستغفره، وسكت بعْضُهم، فقال: ما تقولُ فيها يا ابن عباس، قال: قلت:ُ هذا نعيُّ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم في نفسه، فلم يمنع ابن عباس رضي الله عنه على صِغَرِ سِنِه أن يقول ما يعْتقِدُ أنه صواب، فليس له حينذاك وقد وجه له السؤال إلا أن يقولَ ما يعْتقِده ولو خالفَ فيه أشياخَ بدرٍ رضي الله عن الجميع، إنها التربيةُ العالية المنيفة التي مزجت الشجاعةَ مع حُسنِ الطبعِ والأدب.

فمِنْ هُنا نعلمُ أنْه ينْبغي أن تُعَلِمَه الحياءَ مِنْ اللهِ بِأن لا يكذب، وألا يعْتدي على الآخرين، ويحْتَرِمَ المسْلمين في طُرُقاتِهِم، وأن لا يتَهاون في صلاةِ الجماعةِ، فبعضُ الناسِ ولدُه يبْلُغُ سِنَ العَشْرِ سِنين ولا يرى أنه لازِمٌ عليه إحضارُه وأمرُه بالصلاةِ ولا يُراقِبه على ذلك حتى ينشأ الولدُ بعيدًا عن بيتِ الله فتتخطفه الشياطين والعياذُ بالله. ولنْ يستقيمَ حالُ الأبناءِ حتى يسْتقيمَ حالُ الأباءِ، فهمُ القُدْوةُ لهم إذا رأوهم على حالٍ تشبهوا بهم.

وبعضُ النساءِ- وهذه أيضًا مسئوليةُ الرِجالِ - تكون ابنتهم في سنِ السابعةِ أو الثامِنةِ ويُلْبِسونها القصيرَ مِن الثيابِ حتى تبدو سوقُهنَ، ورُبْما أفخاذُهنَ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، فمتى تتربى البنتُ على الحياءِ.

أخي المسلِمَ الكريم: إن الحياء مِنَ اللهِ أن تحضُرَ إلى الصلاةِ في أحسنِ لباسٍ، فإن كُنْتَ عامِلًا وتتَسِخُ ملابِسُكَ من أثرِ العملِ فاجْعل لِنفسِكَ ثوبًا خاصًا لِلصلاةِ حتى تقِفْ بين يدي اللهِ في أحسن زينتِكَ.

وأنتَ يا من مَنَّ اللهُ عليك بالسَعةِ والمال هل مِنْ الحياءِ أن تَحْضُرَ إلى المسجِدِ بِقَميصِ البيتِ الذي لا ترضى أن تُقابِلَ به رئيسك في العملِ فضلًا عنْ مُقابلة رب ِالعالمين؟

فاتقوا الله عِباد الله واستحيوا مِن الله حق الحياءِ قال تعالى: يَـ?بَنِى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَ?شْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ?لْمُسْرِفِينَ.

عِبادَ اللهِ: نحن في هذه الأيامِ مُقْبِلونَ على شهرٍ عظيمٍ اختصه الله بمزيدِ فضله وجعَلَه لكم نِعْمةً منه ورحمة ليُضاعِفَ لكم به الأعمالَ ويقيكمْ من كيدِ الشيطان، فهل من الحياءِ مِمَن هذا عطاؤه، ومنُّه أنْ نُفرِط في استقبالِه، فابدؤوا باركَ الله فيكم في الاستِعداد ِله قبلَ أن يأتيَكُمْ، لا تَشْتَغِلوا فيه بقضاءِ الحاجاتِ والنومِ في نهارِه واللعِبِ في ليلِه، وأحسِنوا الأدبَ مع اللهِ واستحيوا منه حق الحياء،

قال صلى الله عليه وسلم: (( استحيوا مِنْ اللهِ حقَ الحياءِ؟ قالوا وكيفَ نسْتحي مِنْ الله حق الحياءِ ؟ قال: أن تحفظَ الرأس وما وعى، والبطنَ وما حوى، وأن تذكُرَ الموتَ والبِلى، ومن أراد الآخِرةَ. ترك زينة الحياةِ الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا مِنْ الله حقَ الحياءِ ) ) [مروي بإسناد حسن عن ابن مسعود] .

اللهم ارزُقْنا الحياءَ مِنْكَ ومِنْ كُلِ ما يستحيا مِنْه، وجنبنا الخجَل والزللَ وسوء الظنِ.

عباد الله اتقوا الله واعلموا أنكم مُلاقوه فهيئوا لأنفُسِكُمْ ما يرضى به الله عنْكُمْ وباللهِ التوفيق، وصل اللهم وسلم على نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلِمْ تسْليمًا كثيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت