فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب, الألوهية
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-تقلب المؤمن بين الخوف والرجاء. 2- مصير المؤمنين ومصير الكافرين. 3- حقيقة الرجاء. 4- ضرورة اقتران الرجاء بالعمل الصالح. 5- خصال المؤمنين. 6- سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، يقول الله جل جلاله في كتابه العزيز: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ?لَّيْلِ سَـ?جِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ ?لآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ?لَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ?لَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو ?لألْبَـ?بِ [الزمر:9] .
أيها المسلم، هذا خلق المؤمن في هذه الدنيا، بين خوفٍ من الله، وبين رجاءٍ لفضله وكرمه، بين خوفٍ من عقوبة الله وشدة بأسه، وانتقامه ممن خالف أمره، وبين قوة رجاء وأملٍ وطمع في سعة رحمة الله وفضله، وتجاوزه وإحسانه، فمتى قام بقلب المؤمن هذان الأمران: الخوف والرجاء، فإنه يرجى للمسلم خير، فإن المؤمن كلما وجد من نفسه تهاونًا وتساهلًا وكسلًا عن الطاعة وضعفًا في الأداء وجرأة على المحارم ذكّرها خوف الله وبأسه وانتقامه وأنه قادر على كل شيء، وكلما وجد من نفسه يأسًا وقنوطًا ذكرها رجاء الله، وقوَّى ثقتها بالله، فبهذين الأمرين يستقيم حال المسلم.
والله جل وعلا في كتابه العزيز قد ذكر لنا أخلاق المؤمنون، صفات المؤمنين، أعمالهم، وما أعد لهم من الثواب العظيم: وَتِلْكَ ?لْجَنَّةُ ?لَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] ، إِنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف:30] .
وذكر لنا أخلاق المكذبين الضالين، والمنحرفين عن المنهج القويم، وما توعّدهم به من العذاب الأليم: إِنَّ ?لْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـ?لِدُونَ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَـ?هُمْ وَلَـ?كِن كَانُواْ هُمُ ?لظَّـ?لِمِينَ [الزخرف:74-76] ، قال تعالى: ?عْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ شَدِيدُ ?لْعِقَابِ وَأَنَّ ?للَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة:98] ، وقال: نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ?لْعَذَابُ ?لألِيمُ [الحجر:49، 50] .
أيها المسلم، لا تكون راجيًا لله حقًا حتى تؤدي العمل، وتؤدي السبب، فالرجاء لله لا يكون إلا بعد الأعمال الصالحة، ترجو من الله قبول ذلك العمل، والإثابة عليه، أما مجرد رجاء مع تهاونٍ وتعطيلٍ للأوامر وارتكاب للنواهي، فتلك الأماني، والغرور، قال تعالى: إِنَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَ?لَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَـ?هَدُواْ فِي سَبِيلِ ?للَّهِ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة:218] ، فبأعمالهم الصالحة التي عملوها إخلاصًا لله وقيامًا بالواجب صاروا ممن يرجون رحمة الله، أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ ?للَّهِ وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، فالرجاء بلا عمل أمانٍ كاذبة، قال تعالى مبيّنا فساد هذا التصور، تصور الرجاء مع ترك العمل الصالح: أَمْ حَسِبَ ?لَّذِينَ ?جْتَرَحُواْ ?لسَّيّئَـ?تِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ سَوَاء مَّحْيَـ?هُمْ وَمَمَـ?تُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21] ، ما داموا في الحياة متفاوتين فهم كذلك بعد الموت متفاوتين، قال تعالى: أَفَنَجْعَلُ ?لْمُسْلِمِينَ كَ?لْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35، 36] .
يا من يرجو جنة الله وعفوه، يا من يرجو مغفرة الله وتجاوزه، يا من يرجو رضاء الله عنه، قدم عملًا صالحًا، ائت بالأسباب التي أمرك الله بها ليتحقق لك الرجاء، وأما الرجاء بلا عمل فتلك الأماني الكاذبة، قال تعالى: لَّيْسَ بِأَمَـ?نِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ?للَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا [النساء:123] ، ثم قال: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ?لصَّـ?لِحَـ?تَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ ?لْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء:124] .
أيها المسلم، قوِّ الرجاء مع العمل الصالح، فالأعمال الصالحة يكون بها الرجاء حقًا، قال تعالى: فَ?سْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ الآية [آل عمران:195] ، المهم من ذلك أن يكون رجاؤك لرحمة الله، ورجاؤك لجنة الله، ورجاؤك لرضى الله عنك واقعًا بعد أعمال صالحة عملتها وتقربت بها إلى الله، قال تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـ?لِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا [الكهف:110] .
أيها المسلم، إن الله جل وعلا توعّد المخالفين لأمره بالوعيد الشديد: أَفَأَمِنَ ?لَّذِينَ مَكَرُواْ ?لسَّيّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ?للَّهُ بِهِمُ ?لأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ?لْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى? تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ. [النحل:45-47] .
والله تعالى يصف عباده المؤمنين ويذكر أعمالهم الصالحة: إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ ?لَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ?للَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـ?تُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـ?نًا وَعَلَى? رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?لَّذِينَ يُقِيمُونَ ?لصَّلَو?ةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـ?هُمْ يُنفِقُونَ أُوْلئِكَ هُمُ ?لْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَـ?تٌ عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4] ، قال بعض السلف:"ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال" [1] .
قيل للحسن رحمه الله: إنا نصاحب أقوامًا يؤمِّنوننا، قال:"لأن تصحب أقوامًا يخوِّفونك حتى تزداد أمنا أحب إليَّ من أقوام يؤمنونك حتى تزداد خوفًا" [2] ، فإن من يقوي رجاءك مع تهاونك بالأعمال فذا خادع لك، وإنما يقوى الرجاء مع قوة العمل، ولهذا عند الاحتضار المؤمن المستقيم على الطاعة والهدى إذا بُشر بالنعيم المقيم أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وغير المؤمن إذا نظر إلى مقعده من النار وحاله السيئة بعد ذلك كره لقاء الله، فكره الله لقاءه. فالمؤمن يرجو لقاء الله لما قدم من عمل صالح خالصٍ لله، يدل على قوة الرجاء. وأما الرجاء بلا عمل فإنما هو الإتلاف والأماني والخداع الذي لا ينتج شيئًا.
فلنكن - إخوتي - راجين لله مع أعمالنا الصالحة، خائفين من بأسه وعقوبته، فإن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء، إذا أراد أن يقلب قلب عبدٍ قلبه، وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـ?رَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110] ، ومحمد كثيرًا ما يقول: (( اللهم مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك ) )، فسئل فقال: (( إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه ) ) [3] .
فنسأله تعالى أن يثبتنا على دينه، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يعيننا على شكره وذكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه البيهقي في الشعب (1/80) عن الحسن البصري رحمه الله.
[2] أخرجه ابن المبارك في الزهد (303) ، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (ص259) ، وأبو نعيم في الحلية (2/150) .
[3] أخرجه أحمد (6/91) ، والنسائي في الكبرى (7737) ، والترمذي في القدر (2140) ، وابن ماجه في الدعاء (3834) من حديث أنس رضي الله عنه، وحسنه الترمذي، وقال:"وفي الباب: عن النواس بن سمعان وأم سلمة وعبد الله بن عمرو وعائشة"، وصححه الألباني في ظلال الجنة (223) ، وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه مسلم في القدر (2654) .
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار جامعٌ بين الخوف والرجاء، سأل النبي رجلًا من أصحابه فقال له: (( ماذا تدعو في صلاتك؟ ) )قال: يا رسول الله، أسأل الله الجنة، وأستعيذ به من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، قال: (( حولها ندندن ) ) [1] ، يقول الرجل: يا رسول الله، أنا عندي أمران، أسأل الله الجنة أقول: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أعوذ بك من النار، ما أحفظ الدعاء الذي تدعو به أنت، ولا الذي يدعو به معاذ، إنما أقتصر على الكلمتين اللتين أحفظهما، أسأل الله الجنة، وأستعيذ به من النار، قال: (( حولها ندندن ) )أي: كل دعائنا وكل تضرعنا وكل طاعاتنا حول الأمرين: أن نسأل الله الجنة ونستعيذ به من النار، فهذه هي الغاية من كل شيء، سؤال الله الجنة، والاستعاذة به من النار، وصدق الله: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ?لنَّارِ وَأُدْخِلَ ?لْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـ?عُ ?لْغُرُورِ [آل عمران:185] .
فهذا الصحابي رضي الله عنه ما كان يحفظ إلا: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أعوذ بك من النار، والنبي أقرّه على أمره، وأخبر أن كل الأدعية وإن طالت أو قصرت فمردها إلى أمر واحد: سؤال الله الجنة، والاستعاذة به من النار، فمن زحزحه الله عن النار وأدخله الجنة فقد نال الفوز العظيم، والعطاء الجزيل.
نسأل الله أن يدخلنا وإياكم جنته، ويعيذنا وإياكم من ناره، إنه على كل شيء قدير.
واعلموا - رحمكم الله - أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد....
[1] أخرجه ابن ماجه في الإقامة (910) ، وفي الدعاء (3847) من حديث الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وصححه ابن حبان (868) ، وأخرجه أحمد (3/474) ، وأبو داود في الصلاة (792) من طريق الأعمش ، عن أبي صالح ، عن بعض أصحاب النبي ، وذكره الألباني في صحيح أبي داود (710) .