فهرس الكتاب

الصفحة 2637 من 5777

فضل الدعاء وآدابه

الرقاق والأخلاق والآداب

الدعاء والذكر

علي بن عبد الرحمن الحذيفي

المدينة المنورة

المسجد النبوي

1-كل شيء بقضاء وقدر. 2- فضل الدعاء. 3- حقيقة الدعاء. 4- وجوب إخلاص الدعاء. 5- حاجة الإنسان الماسة إلى الدعاء. 6- آداب الدعاء. 7- أسباب إجابة الدعاء وموانعه.

أما بعد: فاتقوا الله وأطيعوه، وتوبوا إليه واستغفروه.

أيّها المسلمون، اعلَموا أنّه لا يكون شيءٌ في الأرض ولا في السماء إلا بقضاءٍ من الله وقدر، ولا يحدُث أمر محبوب أو مكروه إلا بمشيئة الله تبارك وتعالى وخلقه، قال الله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـ?هُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ و?حِدَةٌ كَلَمْحٍ بِ?لْبَصَرِ [القمر:49، 50] .

فالله تبارك وتعالى هو الذي يدبِّر الأمور، وهو العليم بذات الصّدور، قال الله تعالى: ?للَّهُ ?لَّذِى رَفَعَ ?لسَّمَـ?و?تِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ?سْتَوَى? عَلَى ?لْعَرْشِ وَسَخَّرَ ?لشَّمْسَ وَ?لْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبّرُ ?لأَمْرَ يُفَصّلُ ?لآيَـ?تِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد:2] .

جعل للسعادةِ أسبابًا، وللشقاء أسبابًا، ورتّب المسبّبات على أسبابها، فخلق الأسبابَ، وخلق آثارَ الأسباب، ولا يحكُم مشيئتَه وإرادته شيء، فلو شاء لخلق وأوجدَ الشيءَ بلا سبب، قال الله تعالى: فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ [البروج:16] ، وقال تبارك وتعالى: أَلاَ لَهُ ?لْخَلْقُ وَ?لأمْرُ تَبَارَكَ ?للَّهُ رَبُّ ?لْعَـ?لَمِينَ [الأعراف:54] .

والدعاءُ أكرم شيء على الله، شرعه الله لحصول الخير ودفع الشر، فالدعاءُ سبب عظيم للفوز بالخيرات والبركات، وسببٌ لدفع المكروهات والشرورِ والكربات، وفي الحديث: (( لا ينجي حذرٌ من قدر، والدعاء ينفع مما نزل وممَّا لم ينزل ) ) [1] .

والدعاءُ من القدَر ومن الأسبابِ النافعة الجالبة لكلِّ خير والدافعة لكل شرّ، وقد أمر الله عز وجلّ عبادَه بالدعاء في آياتٍ كثيرة من القرآن، قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمْ ?دْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ?لَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ د?خِرِينَ [غافر:60] .

وحقيقةُ الدعاءِ تعظيمُ الرغبةِ إلى الله تعالى في قضاءِ الحاجاتِ الدنيوية والأخروية، وكشفِ الكربات، ودفعِ الشرور والمكروهات الدنيويّة والأخروية.

والدعاءُ تتحقَّق به عبادةُ ربِّ العالمين؛ لأنَّه يتضمَّن تعلّقَ القلب بالله تعالى، والإخلاصَ له، وعدمَ الالتفات إلى غير الله عز وجل في جلبِ النفع ودفع الضرّ، ويتضمَّن الدعاءُ اليقينَ بأنّ الله قدير لا يُعجزه شيء، عليم لا يخفى عليه شيء، رحمن رحيم، حيّ قيّوم، جواد كريم، محسِن ذو المعروف الذي لا ينقطع أبدًا، لا يُحَدُّ جودُه وكرمه، ولا ينتهي إحسانُه ومعروفه، ولا تنفد خزائن بركاته. فلأجلِ هذه الصفات العظيمة وغيرِها يُرجى ربُّنا ويُدعى، ويسأله من في السموات والأرض حاجاتِهم باختلاف لغاتِهم.

ويتضمَّن الدعاءُ افتقارَ العبد وشدةَ اضطرارِه إلى ربّه، وهذه المعاني العظيمةُ هي حقيقةُ العبادة لربّ العالمين.

فما أعظمَ شأنَ الدعاء، وما أجلَّ آثارَه، ولهذا جاء في فضل الدعاء ما رواه أبو داود والترمذي من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي قال: (( الدعاءُ هو العبادة ) )قال الترمذي:"حديث حسن صحيح" [2] ، وعن أنس رضي الله عنه عن النبي قال: (( الدعاء مخُّ العبادة ) )رواه الترمذي [3] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( ليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء ) )رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم [4] .

ولمّا كان الدعاء هو العبادة فإنّه لا يكون إلا لله، فلا يُدعى من دون الله ملكٌ مقرَّب، ولا نبيّ مرسَل، ولا يُدعى من دون الله وليّ ولا جنّيّ، ولا يُدعى من دون الله مخلوق من المخلوقات، قال الله تعالى: وَأَنَّ ?لْمَسَـ?جِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ?للَّهِ أَحَدًا [الجن:18] ، وقال تبارك وتعالى: وَ?لَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ?للَّهِ إِلَـ?هَا ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ?لنَّفْسَ ?لَّتِى حَرَّمَ ?للَّهُ إِلاَّ بِ?لْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذ?لِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَـ?عَفْ لَهُ ?لْعَذَابُ يَوْمَ ?لْقِيـ?مَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:68، 69] ، ومن دعَا مخلوقًا من دون الله نبيًّا أو ملكًا أو وليًّا أو جنيًّا أو ضريحًا ونحوه أو شجرا أو حجرا فقد وقع في الشرك الأكبر، قال الله تعالى: وَمَن يَدْعُ مَعَ ?للَّهِ إِلَهَا ءاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ?لْكَـ?فِرُونَ [المؤمنون:117] ، وقال تبارك وتعالى: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ?للَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ?لظَّـ?لِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ ?للَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ?لْغَفُورُ ?لرَّحِيمُ [يونس:106، 107] ، وقال تبارك وتعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـ?ئِكَةِ أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَـ?نَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ?لْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ [سبأ:40، 41] .

عبادَ الله، المسلمُ في كلِّ ساعةٍ وفي كلّ وقت مضطرّ إلى الدعاء لحصول خير ينفعه في الدنيا والآخرة، ولدفع شرّ ومكروه يضرّه في الدنيا والآخرة، فمن وُفّق للدعاء فقد فتح الله له بابَ خيرٍ عظيم، فليلزمه، وليسأل المسلمُ ربّه كل حاجة له، صغيرةً أو كبيرة، كما قال النبي: (( ليسأل أحدُكم ربه حاجتَه حتى شسعَ نعله ) ) [5] .

ولو تفكَّر المسلمُ في كلّ نعمة وحاجة صغيرة أو كبيرة، لعلِم يقينًا أنّه لا قدرةَ له على إيجادها والانتفاع بها لولا أن الله أوجدها وساقها إليه بقدرته ومنِّه وكرمه، ومن هوَّن شأنَ الدعاء واستحقره فقد بخَس نفسَه حظَّها من خير عظيم، وأصابَه من الشرّ بقدر ما زهد في هذا الباب.

واعلم ـ أيها المسلم ـ أن الإجابةَ مع الدعاء، سواء كانت عاجلةً أو آجلة، قال عمر رضي الله عنه: (إنّي لا أحمل همَّ الإجابة، ولكني أحمل همّ الدعاء، فإذا ألهِمتُ الدعاء فالإجابة معه لأنّ الله وعد بها) [6] ، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( ما على الأرضِ مسلمٌ يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من الشر والسوء مثلَها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ) )، فقال رجل من القوم: إذًا نكثر، قال: (( الله أكثَر ) )رواه الترمذي، وقال:"حديث حسن صحيح" [7] ، ورواه الحاكم من رواية أبي سعيد وزاد فيه: (( أو يدَّخر له من مثلها ) ) [8] يعني في الآخرة.

واعلم ـ أيها المسلم ـ أن الدعاء عظيم النفع جليل القدر، له نفعه وله خيره وبركاته في الدنيا والآخرة.

أيها المسلم، كُن دائمًا ملازمًا للدعاء، متعلّقًا قلبك بالله تبارك وتعالى، وارغَب إلى الله عز وجل لقضاءِ حاجاتِك كلّها؛ فإنه على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا خلقَ أسبابَه، أو أوجدَه بقدرته ومشيئته. وأشرِك ـ أيها المسلم ـ في دعائك الإسلامَ والمسلمين بالدعوة الصالحة، أئمتَهم وعامتّهم وعلماءهم، بأن يعزَّ الله الإسلامَ وأهلَه في كل مكان، ويحفظَ الإسلامَ وأهله في كلّ مكان، ويخذلَ أعداءَ الإسلام والمسلمين، ويكفَّ شرَّ أعداء المسلمين، ويبطِل كيدهم ومكرَهم، لا سيما في هذا العصر الذي تعدّدت فيه مصائبُ المسلمين، وكثرَت همومهم وغمومُهم، ووصلوا إلى حالةٍ لا يقدر أن ينجيَهم إلا الله تبارك وتعالى، اقتداءً برسول الله الذي أمره الله تعالى بقوله: فَ?عْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـ?هَ إِلاَ ?للَّهُ وَ?سْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ [محمد:19] ، وفي الحديث عن النبي: (( من لم يهتمَّ بأمرِ المسلمين فليس منهم ) ) [9] .

بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ?دْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ?لْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ?لأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـ?حِهَا وَ?دْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ ?للَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ?لْمُحْسِنِينَ [الأعراف:55، 56] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين، وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه أحمد (5/234) ، والطبراني في الكبير (20/201) ، من طريق إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن معاذ رضي الله عنه. قال الهيثمي في المجمع (10/146) :"شهر بن حوشب لم يسمع من معاذ، ورواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز ضعيفة"، وهذا منها. وله شاهد من حديث عائشة عند البزار (2165- كشف الأستار) ، والطبراني في الدعاء (133) ، والحاكم (1/492) ، قال الهيثمي في المجمع (10/146) :"وفيه زكريا بن منظور، وثقه أحمد بن صالح المصري وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات"، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (1014) . وشاهد ثان من حديث ابن عمر عند الترمذي في الدعوات (3548) ، وفي إسناده عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، وهو متفق على ضعفه، قال الترمذي:"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، وهو ضعيف في الحديث، ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه". وله شواهد أخر في سند كل منها مقال.

[2] سنن أبي داود: كتاب الصلاة، باب: الدعاء (1479) ، وسنن الترمذي: كتاب التفسير (2969) ، وأخرجه أيضا أحمد (4/267) ، وابن ماجه في الدعاء، باب: فضل الدعاء (3828) ، قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح"، وجوّد إسناده ابن حجر في الفتح (1/49) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1312) .

[3] سنن الترمذي: كتاب الدعوات (3371) ، وقال:"حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة"، وضعفه الألباني في أحكام الجنائز (ص247) ثم قال:"لكن معناه صحيح بدليل حديث النعمان".

[4] أخرجه أحمد (2/362) ، والترمذي في الدعوات، باب: ما جاء في فضل الدعاء (3370) ، وابن ماجه في الدعاء، باب: فضل الدعاء (3829) ، والطبراني في الأوسط (2544، 3718) ، قال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمران القطان"، وصححه ابن حبان (870) ، والحاكم (1/490) ، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (3087) .

[5] أخرجه الترمذي في آخر الدعوات (3612 - المستدرك في آخر الكتاب) ، والطبراني في الدعاء (25) ، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (2/289) من طريق قطن بن نسير الصيرفي، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال: حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه. وصححه ابن حبان (866) ، وقال الترمذي:"هذا حديث غريب، وروى غير واحد هذا الحديث عن جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، عن النبي ، ولم يذكروا فيه عن أنس". ثم أورده من طريق صالح بن عبد الله، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن النبي ، وقال:"هذا أصح من حديث قطن، عن جعفر بن سليمان". ورواه البزار في مسنده (3135) عن سليمان بن عبد الله الفيلاني، عن سيار بن حاتم، عن جعفر، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ثم قال:"لم يروه عن ثابت سوى جعفر". وذكره الهيثمي في المجمع (10/150) وقال:"رجاله رجال الصحيح، غير سيار بن حاتم وهو ثقة"، وحسنه الحافظ ابن حجر في زوائد البزار.

[6] انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/706) .

[7] أخرجه الترمذي في الدعوات، باب: انتظار الفرج وغير ذلك (3573) ، والطبراني في الأوسط (147) ، قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه"، وصححه المقدسي في المختارة (317) ، وأورده الألباني في صحيح الترمذي (2827) .

[8] مستدرك الحاكم (1/493) ، وأخرجها أيضا أحمد (3/18) .

[9] أخرجه الحاكم (4/320) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وفي سنده إسحاق بن بشر ومقاتل بن سليمان، قال الذهبي في التلخيص:"ليسا بثقتين ولا صادقين". وأخرجه البيهقي في الشعب (7/361) من حديث أنس رضي الله عنه وضعفه. وأخرجه الطبراني في الصغير (ص188) من حديث حذيفة رضي الله عنه، وفي سنده جعفر بن أبي عبد الله، هو وأبوه ضعيفان. وعزاه الهيثمي في المجمع (10/248) إلى الطبراني من حديث أبي ذر رضي الله عنه وقال:"فيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو متروك". وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (309، 310، 311، 312) .

الحمد لله ربِّ العالمين، الرحمن الرحيم، أحمده سبحانه وأشكره على فضله العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله القوي المتين، وأشهد أن نبيَّنا وسيّدنا محمدًا عبده ورسوله الأمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى بامتثال أوامرِه وترك نواهيه، تفوزوا بجنات النعيم، وتصلحوا دنياكم بشرع الله القويم.

عبادَ الله، إن دعاءَ المسلم بإخلاصٍ وتوجّه قلبٍ أحبّ الأعمال إلى الله عز وجل، والله يقول في محكم كتابه الكريم: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ?لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] ، وقال تعالى: فَ?دْعُواْ ?للَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ?لدّينَ وَلَوْ كَرِهَ ?لْكَـ?فِرُونَ [غافر:14] .

ويُستحبّ للمسلم أن يتخَيَّر جوامعَ الدعاء، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يستحبّ الجوامعَ من الدعاء، ويدَع ما سوى ذلك. رواه أبو داود بإسناد جيد [1] .

وليحرِص المسلم على حفظ دعاء رسول الله بقدر استطاعته، فقد شرع لكلّ حالٍ دعاءً وذكرًا.

ويستحبّ أن يقدِّم بين يدي دعائه عملًا صالحًا، ويثني على الله ببعض ما أثنى به على نفسه، ويُظهر الافتقارَ إلى الله عز وجل وشدّةَ الحاجة والرغبة فيما عند الله تبارك وتعالى، ويصلّي على نبيه محمدٍ في دعائه؛ لأنّ الدعاء معلّق بين السماء والأرض حتى يصلَّى على نبيّه ، فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار، ويتوسّل إلى الله بأسمائِه الحسنى، وبالاسم الذي يناسِب حاجتَه من أسماءِ الله تبارك وتعالى الحسنى، كقوله تعالى: وَقُل رَّبّ ?غْفِرْ وَ?رْحَمْ وَأنتَ خَيْرُ ?لرحِمِينَ [المؤمنون:118] ، وكقوله تعالى: وَ?رْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ?لرَّازِقِينَ [المائدة:114] .

ويستحبّ أن يتحيّن أوقاتَ الإجابة مثل ثلث الليل الآخر، وبين الأذان والإقامة، وعند نزول الغيث، وأدبار الصلوات، وعند رؤية البيت العتيق، وفي آخر ساعة من الجمعة.

عباد الله، إنَّ الله أمرَكم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال تبارك وتعالى: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ، وقد قال: (( من صلّى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ) ) [2] .

فصلوا وسلموا على سيّد الأولين وإمام المرسلين.

اللهم صل على محمد وعلى آله محمد...

[1] أخرجه أحمد (6/148) ، وأبو داود في الصلاة، باب: الدعاء (1482) ، والطيالسي (1491) ، والبيهقي في الدعوات (276) . وصححه ابن حبان (867) ، والحاكم (1/539) ، والألباني في صحيح أبي داود (1315) .

[2] أخرجه مسلم في الصلاة، باب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (408) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت