الإيمان, التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب, الألوهية, خصال الإيمان
عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي
عنيزة
جامع السلام
1-البحث عن الرزق ووجوب طلبه بالحلال. 2- وقوع البعض في الحرام عند طلب الرزق. 3- التوكل على الله الرزاق. 4- معنى التوكل. 5- أمر الله تعالى بالتوكل عليه. 6- التوكل على الله علامة الإيمان به والتصديق بصفاته وعظمته.
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى وتوبوا إليه.
أيها المسلمون، طلب الرزق غريزة عند الأحياء، وما إن تبدو بوادر الصباح حتى ترى الناس بكافة أعمالِهم وأعمارِهم يستعدّون للبدء في كدح طويل كي يحرز كل امرئ منهم قوته وقوت عياله، وهذا الكدح الطويل والسعي الحثيث امتحان للأخلاق والمسالك والثبات واليقين والطمأنينة والرضا، فاللهف على تأمين العيش واللهث من أجل سدّ أفواه الصغار قد يضعف بعض النفوس إلى الخَتْلِ والتلوية والكذب والحيف والتدليس والغش، وربما وجد ضعاف يتملقون أقوياء على حساب الأبرياء، وربما رأيت أذلاء يذوبون في أعتاب كبراء، وغير ذلك من مخالفات وأخطاء.
إن دين الإسلام يأبى أن يكون الكدح وراء الرزق مزلقة إلى هذه الآثام كلها، وينهى أن يلجأ المسلم أبدا إلى عش أو ذل أو ضيم ليجتلب به ما يشاء من حطام، وصدق رسول الله: (( ألا لا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية الله، فإن الله لا يُنال ما عنده إلا بطاعته ) )رواه الحاكم في مستدركه.
والحل وسط هذه الحال والمخرج من تلك الآثام هو التوكل على الله، روى الترمذي وابن ماجة والحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله يقول: (( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا ) )، ويقول ابن مسعود: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تطعمهم ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يَجُرّه حِرْصُ حريص، ولا ترده كراهية كاره، وإن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط) .
التوكل هو حال المؤمن القوي الذي يجب أن يكون وثيق العزم مجتمع النية على إدراك هدفه بالوسائل الصحيحة التي تقربه إلى الله، وباذلا قصارى جهده في بلوغ مأربه، وليس بالتفريط المعيب والتخاذل الذميم، عن عوف بن مالك قال: قضى رسول الله بين رجلين، فلما أدبرا قال المقضي عليه: حسبي الله ونعم والوكيل، فقال: (( إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكَيْس ـ أي: العقل والفطنة ـ فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل ) )رواه أبو داود. إذًا فالمرء إذا غُلب على أمره في أي مشكلة من أيّ نوع بعد استفراغ جهده كان ركونه إلى الله عندئذ معاذا يعتصم به من غوائل الانكسار، فهو على الحالين قويّ بعمله أولا، وبتوكله ثانيا.
أيها الإخوة المؤمنون، التوكل على الله شعور ويقين بعظمة الله وربوبيته وهيمنته على الحياة والوجوه والأفلاك والأكوان، فكل ذلك محكوم بحوله وقوته سبحانه.
التوكل قطع القلب عن العلائق ورفض التعلّق بالخلائق وإعلان الافتقار إلى محول الأحوال ومقدر الأقدار لا إله إلا هو. إنه صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار منه في أمور الدنيا والآخرة، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد.
التوكل صدق وإيمان وسكينة واطمئنان، ثقة بالله وفي الله وأمل يصحب العمل وعزيمة لا ينطفئ وهجها مهما ترادفت المتاعب.
بالتوكل ترفع كبوات البؤس وتزجر نزوات الطمع، فلا يَكبح شَرَهَ الأغنياء ولا يَرفَع ذلّ الفقراء سوى التوكل الصادق على الحيّ الذي لا يموت، يقول سعيد بن جبير رحمه الله:"التوكل على الله جماع الإيمان".
المتوكل على الله ذو يقظة فكرية عالية ونفس مؤمنة موقنة، قال بعض الصالحين:"متى رضيت بالله وكيلا وجدت إلى كل خير سبيلا"، وقال بعض السلف:"بحسبك من التوسّل إليه أن يعلم قلبك حُسن توكلك عليه".
والتوكل إيمان بالغيب بعد استنفاد الوسائل المشروعة في عالم الشهادة، تسليم لله بعد أداء كل ما يرتبط بالنفس من مطلوبات وواجبات.
التوكل الذي يقوى الإنسان به ضربٌ من الثقة بالله، ينعش الإنسان عندما تكتنفه ظروف محرجة، ويلتفت حوله فلا يرى عونا ولا أملا.
التوكل غذاء الكفاح الطويل الذي قاوم به النبيون وأتباعهم ودعاة دينهم مظالمَ الطغاة وبغي المستبدين كما بيّنه الله تبارك وتعالى: وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم:12] .
التوكل الحق قرين الجهد المضيء والإرادة المصممة، وليس العجز والكسل، ولم ينفرد التوكل عن القوة والحزم إلى الضعف والتواكل إلا في العصور التي مسِخ فيها الإسلام وأصبح بين أتباعه لهوا ولعبا.
عباد الله، إن أول بواعث التوكل ومصادره توحيد الله وإفراده بالعبادة، فالرب المعبود سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العلا: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء 217-220] .
والتوكل أجمع أنواع العبادات وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها، وما ذلك إلا لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة والرضا العميق واليقين الثابت، ولقد جاء الأمر به في كتاب الله في أوجه مختلفة وسياقات متعددة، بل لقد جعله شرطا للإسلام والإيمان، يقول سبحانه وتعالى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس:84] ، قال أهل العلم:"فدل ذلك على انتفاء الإسلام وكذلك الإيمان بانتفاء التوكل"، ويقول لنبيه محمد: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:3] ، ويقول عن صحابته رضوان الله عليهم: الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173] ، ويقول جل وعلا في جزاء المتوكلين: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3] . هذا هو التوكل في حقيقته وأثره وجزائه وصفات أهله، لكنه ما كان أبدا تواكلا ولا اتّكالية، وما كان ضياعا ولا إهمالا للسنن والأسباب.
أيها المسلمون، إن تحقيق التوكل لا ينافي الجد والأخذ بالأسباب البينة، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة لله، والتوكل على الله بالغيب إيمان بالله، فالمتوكلون في كتاب الله هو العاملون، وإمام المتوكلين نبينا محمد رأينا في سيرته الأخذ بالأسباب، فقد اختفى في الغار عن الكفار، وظاهَر في بعض غزواته بين درعين، وتعاطى الدواء، وقال: (( من يحرسنا الليلة؟ ) )، وأمر بغلق الباب وإطفاء النار عند المبيت، وقال لصاحب الناقة: (( اعقلها وتوكل ) )، وقال سبحانه وتعالى لنبيه لوط: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ [هود:81] ، ونادى أهل الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:71] .
فليس التوكل بإهمال العواقب واطِّراح التحفّظ، بل ذلك عند العقلاء والعلماء عجز وتفريط يستحق صاحبه التوبيخ والاستهجان، وجاء أمر الله بالتوكل بعد التحرّز واستفراغ الوسع حين قال: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159] . المؤمن هو من يجمع بين فعل الأسباب والاعتصام بالتوكل، فلا يجعل عجزه توكّلا ولا توكّله عجزا، إن تعسّر عليه شيء فبتقدير الله، وإن تيسّر له كل شيء فبتيسير الله.
المسلم المتوكل يخرج من بيته متوجها إلى عمله ومهنته تَزْدلف قدمه من عتبة بابه وهو يقول: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أزلَّ أو أُزَلّ، أو أَضِل أو أُضَلّ، أو أَظلِم أو أُظلَم، أو أَجهل أو يجهَل عليّ.
أخي المؤمن، ثمة موطن من مواطن العمل لا يكون على وجهه ولا تتحقّق غايته إلا حينما يكون التوكل لله عموده، إنه موطن الصبر والحقّ والثبات على المواقف وعدم التنازل عنها، وهو الذي يحمل عبئه أنبياء الله عليهم السلام ومن اقتفى أثرهم من أهل العلم والدعوة والإيمان والصلاح والإصلاح، فهم حين يتعرضون لمخاوف مزعجة لا يثبتون على الروع والغبن إلا لأملهم في الله واستنادهم عليه، لا يثبتون إلا بالتوكل الذي ينير أمامهم ظلمات حاضرهم ويعينهم على مواجهة الأخطار بعزم وثقة واطمئنان، وما نراه من صبر وثقة بالله لدى بعضهم أمرٌ قد يستغربه الضعفاء الواهنون ويستنكرونه، ولذلك حين قال موسى وهارون عليهما السلام بعد أمر الله لهما بدعوة فرعون: قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه:45] ، فأجابهما جل وعلا: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] .
إنه الشعور الكبير والعميق بسمع الله وعنايته، ذلكم هو المؤنس في الموحشات والمشجّع في الرهبات، وهذا هو أبو بكر الصديق يقول: نظرت أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال عليه الصلاة والسلام: (( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! ) )، وقال الله عنهما: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] ، وحينما قال الذين كفروا لرسلهم: لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، هذه المقولة التي تتردّد عبر التاريخ ويُوَاجه بها أهل الدعوة المخلصون في كل زمان ومكان، وقد جاء الجواب على لسان خطيب الأنبياء شعيب عليه السلام بقوله تعالى: قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [الأعراف:89] . هذا هو المجد الشامخ، والذي لا يخطّه إلا نفر من المؤمنين المتوكلين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الملك:29] .
اللهم بك آمنا وعليك توكلنا وإليك أنبنا، فاغفر لنا وارحمنا، وأنت أرحم الراحمين.
أيها المسلمون، من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف كان توكّله أصحّ وأقوى، ومن لم يكن كذلك فهو يظن من ضلاله أن حظوظا عميا هي التي تقرّر مصائر الحياة والأحياء.
إن المقطوعين عن الله هم عبيد الحظوظ الشاردة والأسباب المبتورة. إن التوكل على الله لا يعرفه العاطلون البطالون، ضعيف التوكل لا هو عند الوجود يشكر رتبته، ولا هو عند العدم يرضى حالته. وإن من الجهل بالله وصفاته وضعف الإيمان بوعده ووعيده أن يتوقع أحد الخذلان والضياع وهو مرتبط بربه معتمد عليه والله يقول: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ [الزمر:36، 37] ، ويقول جل وعلا: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:49] .
إن المحروم ـ إخوتي ـ لن يدرك مهما ألحّ وطلب، والمرزوق سوف يأتيه رزقه مهما قعَد، ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وأجملوا في الطلب، وتوكلوا على الله، فإن الله يحب المتوكلين.
وصلوا وسلموا ـ يا عباد الله ـ على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه...