فهرس الكتاب

الصفحة 4517 من 5777

التقوى

الإيمان

خصال الإيمان

عبده مجمل

أبو ظبي

مسجد الشيخ حمدان بن محمد

1-حال الدنيا. 2- من المتقون؟ 3- فضل التقوى. 4- تعريف التقوى. 5- صفات المتقين. 6- حقيقة التقوى. 7- وصية النبي لمعاذ. 8- فضل حسن الخلق.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور مُحدثاتها، وكل محدثه بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المؤمنون، إن الدنيا مشوبة بالأكدار، مُحاطة بالأخطار، مليئة بالأضرار، الإنسان فيها مُعرّض للأذى والسوء والشر والفتنة والمحن، وقد يأتي الشر من أقرب الناس إليه، هكذا الدنيا، وإن عدنا للسبب فالغالب هو الإنسان نفسه، كما قال الله جلّ وعلا: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] ، وقال: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] ، إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11] .

من الخير إلى الشر، من الشر إلى الخير، لكن هناك صنف من الناس وعدهم الله عز وجل بوعد عظيم، هذا الصنف ما ألمّت فتنة ولا محنة إلا وكانت لهم المخرج، ما نزل بهم العُسر إلا مع اليُسر، ما ظهرت لهم كربة إلا وكشفها الله عز وجل، ما ألمّت مُلمة فضاقت عليهم الدنيا بما رحبت إلا وجعل الله لهم فرجًا ومخرجًا.

من هم؟! قال الله فيهم: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:2، 3] ، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4] .

فالمتقون هم المفلحون، هم المرحومون، هم المنصورون، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، كما أخبر ربهم بقوله: أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] ، من هم؟! الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس:63] ، فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [الأعراف:35] ، وقال جل وعلا: وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة:189] ، وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155] ، فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران:123] .

فتقوى الله عز وجل هو مفتاح مغاليق القلوب، ومفتاح مغاليق العقول، وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:282] .

بتقوى الله ينشرح الصدر، بتقوى الله يهتدي الضال وينشرح البال. إي وربي، إنه لحق ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يقول الله جلّ وعلا: يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الحديد:28] .

بالتقوى يُقبل العمل، وبغيره لا يُقبل، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] .

بالتقوى تُصبح ـ أيها المُسلم ـ كريمًا عند الله، بل كريم، بل كريم، بل عظيم عند العظيم جلّ وعلا، قال وجلّ وعلا: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13] .

بالتقوى ينجو الإنسان من المهالك في الدنيا، وينجو في الآخرة، قال الله عز وجل وهو يتكلّم عن النار: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم:71، 72] ، وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر:61] ، وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى [الليل:17] .

عباد الله، تقوى الله خير زاد، تقوى الله خير لباس، وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26] ، وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:197] .

الله عز وجل إذا نظر إلى المُتقي وأراد هذا المُتقي أن يرتكب ذنبًا أو خطيئة جعل الله عز وجل له صارفًا أو مانعًا أن يقع فيها، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف:201] .

تقوى الله سبب لحصول الخيرات والبركات من السماء والأرض، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ [الأعراف:96] .

تقوى الله سبب لمحبة الله، لنصرة الله عز وجل التي حُرم منها كثير من المسلمين، إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:4] ، إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ [النحل:128] .

أهل الجنة من هم؟! أهل الجنة هم أهل التُقى، قال الله جل وعلا: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر:54، 55] ، إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات:15، 16] ، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ [الطور:17] ، إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [القلم:34] ، إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا [النبأ:31-33] ، تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا [مريم:63] .

أيها المسلمون، التقوى يتكلم عنه الصغير والكبير، الذكر والأنثى، يتكلم عنه وفيه العالم والمُتعلّم، الجاهل وغير الجاهل. ما هو التقوى؟ التقوى هو سر خلاصة المرسلين والأنبياء، التقوى وصية الله عز وجل للأولين والآخرين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ [النساء:131] .

جاء الأمر بالتقوى في القرآن الكريم أكثر من 80 مرة، فضلًا عن فضل التقوى وشرف المتقين وجزاء المتقين. أكثر من 80 مرة ذُكر الأمر بالتقوى.

فما هو هذا التقوى؟ وما هي حقيقته؟ هل التقوى الصلاة والصوم فقط؟! هل التقوى حُسن الخلق؟! هل التقوى ما يقوله الناس: هذا مُصلّي وهذا مُزكي؟! ذك من التقوى، ولكن هناك تقوى أعلى من ذلك.

أيها المسلمون، التقوى أن يُعبَد الله عز وجل فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُشكر فلا يُكفر. التقوى الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل بكتاب الله عز وجل، والرضا بالقليل، الرضا بالقضاء والقدر مهما كان، والاستعداد ليوم الرحيل. يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"ليس تقوى الله عز وجل بصيام النهار وقيام الليل والتخليط بينهما، وإنما تقوى الله عز وجل أداء ما افترضه الله عليك، واجتناب ما نهى الله عز وجل، وإن عملت خيرًا فوق ذلك فهو خير إلى خير".

التقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله عز وجل وقاية، التقوى أن تجعل بينك وبين غضب الله عز وجل وقاية، التقوى أن تجعل بينك وبين النار عز وجل وقاية، التقوى أن تجعل بينك وبين الذنوب والخطايا حاجزًا مانعًا قويًا، فلا يراك الحي القيوم حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك جل وعلا.

ذكر الله عز وجل صفات كثيرة للمتقين، واسمع معي ـ عبد الله ـ وانظر كم صفة فيك؟! وكم صفة قد لبّيتها في حياتك؟! وكم صفة قد أديتها حق أدائها؟!

قال عز وجل: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177] . فمن صدق الله عز وجل فيما ذكر فهو من المتقين.

وقال الله عز وجل: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] .

صفاتهم: الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] ، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:136] .

أيها المسلمون، حقيقة التقوى أن تراقب الله عز وجل في سرك وعلانيتك، في الحضر والسفر، في الخلوة والجلوة. حقيقة التقوى أن تراقب الله عز وجل في مكتبك وفي خارجه. حقيقة التقوى أن تراقب الله عز وجل مع حضور مديرك ومسؤولك أو عدم الحضور. تقوى الله عز وجل: اعبد ربك كأنك تراه، فإن لك تراه فإنه يراك. تلك هي حقيقة التقوى.

من أجل ذلك وصّى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مقدامَ العلماء، من يأتي مقدَّمًا على العلماء برتوة كما قال عليه الصلاة والسلام، وصاه وهو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: (( أعلم الناس بالحلال والحرام معاذ بن جبل ) )، وصاه النبي عليه الصلاة والسلام، واسمعوا إلى هذه الوصية العظيمة لهذا العالم الجليل وهو أعلم الناس بالحلال والحرام، عن أبي ذر ومعاذ بِن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله قال: (( اتَّق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ) )رواه الترمذي وقال:"حديث حسن".

راقِبه جل وعلا في كل صغيرة وكبيرة، تذكّر عظمة الله، تذكّر مراقبته لك، تذكّر عقابه لك، تذكّره ليلًا ونهارًا وحضرًا وأسفارا، في كل لحظة تذكّر عظمة الله.

كل خطبة يبدأ بها فيُقال: وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] ، وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس:61] .

خلا رجل بامرأة صالحة تُريد الجنة، وهذا حال كل مسلم ومسلمه يُريدون الجنة، فأراد منها الحرام، فقالت له هذه المرأة المعلّمة: هل يرانا من أحد؟ وكان الجوّ الليل، وهو في مكان لا يراهم مخلوق، فنظر إلى السماء، إلى الأرض، لم ير مخلوقًا، فقال: لم يرانا أحد إلا الكواكب، فقالت له بلسان المؤمنة التقية: أين مُكوكبها؟! الله أكبر، أين الله عز وجل؟! فلما علم صدق نيتها وصدق تقواها قرعت قلبه هذه الكلمة، فتاب إلى الله، وأقلع عن شره.

أيها المؤمنون، العبد المُتّقي مَن إذا خلا بشيء من الحرام وتقلقلت نفسه عطشا وحُبًا إلى هذا الشيء الحرام تذكّر عظمة الملك العلاّم خوفًا من الله عز وجل. هذا هو الإنسان المُتقي. ليس المُتّقي الذي عصر عينه بالبكاء ثم بعد ذلك خلط إذا كان خاليًا بنفسه. المتقي من إذا خلا بنفسه تذكّر عظمة الله عز وجل.

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل: خلوت ولكن قل عليّ رقيب

ولا تَحسبن الله يغفل ساعة ولا أنّ ما تُخفيه عنه يغيب

إذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلَى الطغيان

فاستحي مِن نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني

أيها المسلمون، نظرًا إلى ما تمليه النفس البشرية الأمارة بالسوء من ذنوب وخطايا فإن النبي عليه الصلاة والسلام أردف هذه الكلمة: (( اتق الله حيثما كنت ) )بكلام جميل: (( وأتبع السيئة الحسنة تمحها ) )، يعني: إذا جاءت لك النّفس الخبيثة والأمارة بالسوء فراودتك عن فعل شيء مُحرم أو راودتك بشيء يُغضب الله عز وجل فارجع إلى الله وتذكّر مقام الله عز وجل وأقلع كما سمعنا، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ. ذكروا الله، ذكروا عظمة الله، ذكروا مراقبة الله عز وجل، فأقلعوا واستغفروا لذنوبهم، أقلعوا بندم وعزم على أن لا يعودوا إلى فعل هذا الذنب ما داموا أحياء.

فذاك هو المُتقي، وذاك يُبدل الله سيئاته إلى حسنات كما قال عز وجل: فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الفرقان:70] ، أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] ، كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:17-22] .

روى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( ستّة أيام ثم اعقل ـ يا أبا ذر ـ ما أقول لك بعد ) )، فلما كان اليوم السابع قال: (( أوصيك بتقوى الله في سرّ أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن، ولا تسألنّ أحدًا شيئًا وإن سقَط سوطك، ولا تقبض أمانة، ولا تقض بين اثنين ) ).

(( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ) ).

الله أسال بمنّه وكرمه أن يرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى.

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا وإجلالًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أيها المسلمون، يختم النبي وصيته بقول: (( وخالق الناس بخُلُق حسن ) )، وكثيرًا ما نقرأ في كتاب الله عز وجل أن الله عز وجل يقرن التقوى مع الخلق الحسن، والنبي عليه الصلاة والسلام يقرن التقوى مع الخلق الحسن، فالتقوى والخُلق الحسن متلازمان لا ينفصلان، فالتقوى شجرة والخُلق الحسن ثمرة.

نعم، يقول الله عز وجل: إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ [النحل:128] ، إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات:15، 16] .

وكما صحّ عن النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: (( تقوى الله، وحسن الخلق ) )، ثم قيل له: ما أكثر ما يُدخل الناس النار؟ قال: (( الفم والفرج ) ).

أن تكون أخلاقك مع الله أولا حسنة، وأن تكون أخلاقك مع خَلْقه حسنة، وأن تكون أخلاقك مع كتابه حسنة، وأن تكون أخلاقك مع سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم حسنة.

ومن الأخلاق الحسنة الإحسان إلى الوالدين، الإحسان إلى الأهل، الإحسان إلى الأولاد، الابتسامة الطيبة، الصبر، الحلم، المودة، وهكذا.. هذا من الأخلاق الحسنة.

وأخيرا: هناك نقطة يغفل عنها البعض من المسلمين، وهي أنك إذا قلت له: اتق الله غضب وحملق وانتفخت أوداجه، كأنه أسد ضارم يريد أن يلتهمك. وهذه الصفة ما ذكرها الله إلا في المنافقين، قال الله تعالى في المنافقين: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:206] .

إذا قال لك شخص: اتق الله ثم غضبت فإن النبي عليه الصلاة والسلام يُحذّر من ذلك: (( وإن أبغض الكلام إلى الله أن يقول الرجل للرجل: اتق الله، فيقول عليك بنفسك ) )رواه الطبراني وهو في السلسلة الصحيحة (2598) . ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: (إن من كبائر الذنوب أن يقول الرجل للرجل: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك، أنت تأمرني؟!) .

وهذا خطأ، والله عز وجل قال لنبيه ورسوله وأعظم خلقه وهو أعبد الناس وأفضل الناس وأشجع الناس، كل صفة نال بها الكمال البشري عليه الصلاة والسلام، قال له ربّه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1] .

وأخيرًا: يُروى ـ وإن الحديث فيه كلام عند كثير من المُحدّثين ـ أن يزيد بن سلمة جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، إني سمعت منك حديثا كثيرا أخاف أن ينسى أوله آخره، فحدثني بكلمة تكون جماعا، قال: (( اتق الله فيما تعلم ) ). الله اكبر، ما أعظمها من نصيحة لو تدبّرها الإنسان.

يا من تعلم أن الصلاة فرض وواجب عليك، لماذا لا تؤديها في جماعة المسلمين؟! يا من تعلم أن الربا حرام ومحاربة لله عز وجل، لماذا تدخل في أماكن الربا؟! يا من تعلم أن أبناءك وبناتك في عنقك أمانة، فلماذا لا تهيئ لهم السعادة في الدنيا والآخرة؟!

أيها المسلمون، علينا أن نتقي الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة، في الحضر والسفر، ومن اتقى الله وقاه، ولا يكون الله عز وجل أهون الناظرين إلينا، بل يُقال: إن الله عز وجل يُراقب ويُعبد حق العبادة، فإن لم تكُن تراه فإنه يراك.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة يا رب العالمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه يا رب العالمين، وارض عن الخلفاء الراشدين...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت