فهرس الكتاب

الصفحة 5365 من 5777

فضل عشر ذي الحجة

الرقاق والأخلاق والآداب

فضائل الأزمنة والأمكنة

فريح بن محمد الفريح

الذيبية

جامع بلدة السمار

1-فضل العمل في عشر ذي الحجة. 2- مشروعية صيام عشر ذي الحجة. 3- الحث على الإكثار من ذكر الله في هذه العشر. 4- فضل يوم عرفة. 5- فضل يوم النحر. 6- فضل أيام التشريق. 7- الحكمة من النهي عن صيام أيام التشريق.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أنكم في هذه الدنيا في دار ممر، وما زلتم في سفر، وأن إلى ربكم المستقر، وأنها تمر بكم مواسم عظيمة، تضاعف فيها الحسنات، وتكفر فيها السيئات.

ومن هذه المواسم شهر ذي الحجة، فقد جمع الله فيه من الفضائل ونوّع فيه من الطاعات ما لا يخفى إلا على أهل الغفلة والإعراض، ففي أوله العشر المباركة التي نوه الله بها في كتابه الكريم حيث قال سبحانه: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ، فإن المراد بها عشر ذي الحجة، فقد أقسم الله بها تعظيمًا لشأنها وتنبيهًا على فضلها، وروى البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: (( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ) )يعني: أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (( ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلًا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ) ).

فدل هذا الحديث على أن العمل في هذه الأيام العشر أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء، وأنه أفضل من الجهاد في سبيل الله، إلا جهادًا واحدًا، وهو جهاد من خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيء، فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في هذه العشر، وأما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في هذه العشر أفضل وأحب إلى الله منها.

وقد شرع الله لعباده صيام هذه الأيام ما عدا اليوم العاشر وهو يوم النحر. ومما يشرع في هذه الأيام الإكثار من ذكر الله ولا سيما التكبير، قال تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ، والأيام المعلومات هي أيام العشر عند جمهور العلماء، وأما الأيام المعدودات فهي أيام التشريق.

فيستحب الإكثار من ذكر الله في هذه العشر المباركة من التهليل والتكبير والتحميد، وأن يجهر بذلك في الأسواق، فقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يخرجان إلى السوق فيكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما. وهذا من رحمة الله بعباده، فإنه لما كان ليس كل واحد يقدر على الحج جعل موسم العشر مشتركًا بين الحجاج وغيرهم، فمن لم يقدر على الحج فإنه يقدر على أن يعمل في العشر عملًا يفضل على الجهاد.

وفي هذه العشر المباركة يوم عرفة الذي يكفر صومه السنة الماضية والسنة المقبلة، ففي الحديث عن أبي قتادة أن النبي قال: (( صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله ) )رواه مسلم. فيستحب صيامه لغير الحاج، أما الحاج فلا يصومه لأجل أن يتقوى على الوقوف وذكر الله تعالى، وهو يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف، كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي أنه قال: (( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة ) )، وروى ابن حبان في صحيحه من حديث جابر عن النبي: (( ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي شعثًا غبرًا ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير يوم أكثر عتقا من النار من يوم عرفة ) ).

وروى مالك في الموطأ أن النبي قال: (( ما رئي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام ) )، وروى الترمذي: (( خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ) ).

وفي هذا الشهر المبارك يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، يكمل فيه المسلمون حجهم الذي هو الركن الخامس من أركان الإسلام بعدما وقفوا في عرفة، وأدوا الركن الأعظم من أركان الحج، وحصلوا على العتق من النار، من حج ومن لم يحج من المسلمين، فصار اليوم الذي يلي عرفة عيدًا لأهل الإسلام جميعًا لاشتراكهم في العتق من النار.

وشرع لهم فيه ذبح القرابين من هدي وأضاحي، والحجاج يستكملون مناسك حجهم في هذا اليوم المبارك من الرمي والحلق والتقصير والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، وأهل الأمصار في هذا اليوم يؤدون صلاة العيد لإقامة ذكر الله.

وفي هذا الشهر المبارك أيام التشريق التي هي أيام منى، روى مسلم في صحيحه من حديث نبيشة الهذلي أن النبي قال: (( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل ) )، والأيام المعدودات التي قال الله تعالى فيها: وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وقد أمر الله بذكره في هذه الأيام المعدودات، وذكرُ الله في هذه الأيام أنواع متعددة، منها ذكر الله عز وجل عقب الصلوات المكتوبات بالتكبير المقيد في أدبارها، ومنها ذكره بالتسمية والتكبير عند ذبح النسك، ومنها ذكر الله عز وجل على الأكل والشرب، فأيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله، فإنه يسمي الله عند بداية أكله وشربه، ويحمده عند نهايتهما، ومنها ذكر الله تعالى بالتكبير عند رمي الجمار.

وبالجملة فشهر ذي الحجة قد تنوعت فيه الفضائل والخيرات التي أعظمها إيقاع الحج فيه إلى بيت الله الحرام، وهو من الأشهر الحرم، حرم الله القتال فيها لوقوع الحج فيه، فاشكروا الله ـ أيها المسلمون ـ على هذه النعمة العظيمة، واغتنموا خيرات هذا الشهر، ولا تكونوا من الغافلين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ.

الحمد لله يخلق ما يشاء ويختار، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأبرار، المهاجرين منهم والأنصار، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يحرم صيام أيام التشريق، قال النبي: (( أيام منى أيام أكل وشرب ) )رواه مسلم، وعن عائشة رضي الله عنها وابن عمر رضي الله عنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاري.

وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل والشرب فيها حكمة بالغة، وذلك أن الله تعالى لما علم ما يلاقي الحجاج من مشاق السفر وتعب الإحرام وجهاد النفوس على قضاء المناسك شرع لهم الاستراحة عقب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وأمرهم بالأكل من لحوم نسكهم، فهم في ضيافة الله عز وجل.

ويشاركهم أهل الأمصار غير الحجاج في ذلك؛ لأنهم شاركوهم في صيامهم عشر ذي الحجة وفي الذكر والاجتهاد في العبادات، وشاركوهم في التقرب إلى الله بذبح الأضاحي، فاشترك الجميع بالعيد والأكل والشرب والراحة، فصار المسلمون كلهم في ضيافة الله عز وجل. وفي هذه الأيام يأكلون من رزقه، ويشكرونه على فضله، ونُهوا عن صيام هذه الأيام من أجل ذلك.

فاتقوا الله أيها المسلمون، واشكروه على نعمه.

ثم صلوا وسلموا على خير البرية...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت