كذلك دار الخمر و الفسوق و نحوها إذا جعلت مسجدا يعبد الله فيه جل وعز كان بحسب ذلك , و كذلك الرجل الصالح يصير فاسقا و الكافر يصير مؤمنا أو المؤمن يصير كافرا أو نحو ذلك , كل بحسب انتقال الأحوال من حال إلى حال و قد قال تعالى: * ( و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ) * الآية نزلت في مكة لما كانت دار كفر و هي ما زالت في نفسها خير أرض الله , و أحب أرض الله إليه , و إنما أراد سكانها . فقد روى الترمذي مرفوعا أنه قال لمكة و هو واقف بالحزورة:"والله إنك لخير أرض الله , و أحب أرض الله إلى الله , و لولا ان قومي أخرجوني منك لما خرجت , و في رواية:"خير أرض الله و أحب أرض الله إلي", فبين أنها أحب أرض الله إلى الله و رسوله , و كان مقامه بالمدينة و مقام من معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة لأجل أنها دار هجرتهم , و لهذا كان الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة و المدينة , كما ثبت في الصحيح:"رباط يوم و ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر و قيامه , و من مات مرابطا مات مجاهدا , و جرى عليه عمله , و أجرى رزقه من الجنة , و أمن الفتان"."
و في السنن عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال:"رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوما فيما سواه من المنازل". و قال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود . و لهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرض يكون فيها أطوع لله و رسوله , و هذا يختلف باختلاف الأحوال , و لا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل , و إنما يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى و الطاعة و الخشوع و الخضوع و الحضور , و قد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة ! فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا و إنما يقدس العبد عمله . و كان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين سلمان و أبي الدرداء . و كان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا .
و قد قال الله تعالى لموسى عليه السلام: * ( سأريكم دار الفاسقين ) * و هي الدار التي كان بها أولئك العمالقة , ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين , و هي الدار التي دل عليها القرآن من الأرض المقدسة , و أرض مصر التي أورثها الله بني إسرائيل , فأحوال البلاد كأحوال العباد فيكون الرجل تارة مسلما و تارة كافرا , و تارة مؤمنا و تارة منافقا , و تارة برا تقيا و تارة فاسقا , و تارة فاجرا شقيا .
و هكذا المساكن بحسب سكانها , فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان و الطاعة كتوبته و انتقاله من الكفر و المعصية إلى الإيمان و الطاعة , و هذا أمر باق إلى يوم القيامة , و الله تعالى قال: * ( والذين آمنوا [ من بعد ] و هاجروا و جاهدوا معكم فأولئك منكم ) * [الأنفال: 75] . قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن و هاجر و جاهد إلى يوم القيامة , و هكذا قوله تعالى: * ( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا و صبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) * [ النحل: 110 ] يدخل