تَوجُّههُ إلى علمِ الحديثِ واهتمامُهُ بِهِ:
تَوجَّه الفتى إلى عِلمِ الحديثِ في نَحوِ العشرينَ مِن عُمُرِهِ ، حَيثَ انَّه تأثَّرَ بِمَجلَّة المنارِ التي كَانَ يُصدِرها الشيخُ مُحمَّد رَشيد رضا -رحمه الله- .
وَقد لاحَظَ ذَاتَ يَومٍ وَهُوَ يَتَجوَّلُ في المكتباتِ جُزءا مِن مَجلَّةِ المنارِ فاطَّلعَ فِيهِ على بَحثٍ بِقلمِ السيِّدِ مُحمَّد رَشيد رضا يَصِفُ فِيهِ كِتابَ الإحياءِ للغزاليِّ ، وَيُشيرُ إلى مَحاسِنِهِ وَمآخِذِهِ ، فَدَفَعَهُ ذلك النقدُ العلميُّ إلى مُطالَعَةِ الجزءِ كُلِّهِ ، فَاستهواهُ ذلك التخريجُ الدَّقيقُ حَتى صَمَّمَ على نَسْخِهِ .
وَقَد ذَكرَ الشيخُ المجذوبُ أنَّه اطَّلعَ على ذلك النَّسخِ فإذا هُوَ في أربعةِ أجزاء، في ثَلاثِ مُجلَّداتٍ ، تبلُغ صَفَحاتُها ألفينِ واثنتي عَشرَةَ في نوعينِ مُختلفينِ مِن الخطِّ ، أحدهما عاديٌّ والثاني دَقيقٌ عَلَّقَ بِهِ في الهوامِشِ تَفسيراً واستدراكاً ، مَعَ أن الشَّيخَ في ذلكَ الوقتِ لَم يَكُن قَد تجاوزَ العشرينَ من العُمرِ .
وَمُنذُ ذلك الحينِ والشيخُ مُولَعٌ في عِلمِ الحديثِ ، فَقَد ازداد إقبالا عَلى عِلمِ الحديثِ وَدراسةِ السَّندِ بِشغَفٍ شَديدٍ ، وَكان والِدُهُ -رحمه الله- يُحذِّرُهُ قائلاً: (( عِلمُ الحديثِ صَنعةُ المفاليسِ ) )، وَرغمَ هذا فَقد ازدادَ حُبُّ الفتى لحديثِ رسولِ الله -صلى اله عليه وسلمَ- وتمييزِ صَحيحهِ مِن ضَعيفهِ.
ومِنها تَواضُعُهُ وَرُجوعُهُ إلى الحقِّ وَهذه أخلاقُ العُلماءِ العامِلينَ ، وأهلِ الحقِّ المخلِصينَ ، فانَّ الحقَّ غايتُهُم وهُم مَعَهُ حيثُما حَلَّ وارتحلَ ، لا يُبالون بِما قَد يُقالُ عَنهُم إذا رَجَعوا عَن بَعضِ أقوالِهِم وَفتاويهِم إذا تبيَّنَ لَهُم الصوابُ في خِلافِها ، وَقَد كَانَ الشيخُ على جانِبٍ كَبيرٍ مِن ذلكَ ، وَقَد وَقَفْتُ لَهُ على كَلِمَةٍ لو كُتِبَت بِمَاءِ الذهب لما وَفَى ذلكَ حَقَّها وهيَ قَولُهُ:
(( إنَّ العِلمَ لا يَقبَل الجُمودَ ، أُكرِّرُ ذلكَ في مَجَالِسي ومُحاضراتي ، وفي تَضاعِيفِ بَعضِ مؤلَّفاتي ، وَذلكَ مِمَّا يُوجِبُ على المسلمِ أن يَتَراجَعَ عَن خَطئِهِ عِند ظُهورِهِ وان لا يَجمَدَ عَليهِ...مِن أجلِ ذلك فانَّه لا يَصعُبُ عليَّ أن أتراجَعَ عن الخطأ إذا تبيَّنَ لي ) ).
ومِن الأمثلةِ على رُجُوعِهِ إلى الحقِّ ما ذَكَرَهُ في كِتابِهِ صِفةِ الصلاةِ انَّه رَجَعَ عَن أربَعَةِ مَسائِلَ انتَقَدَهُ عَليها الشيخُ حُمود التويجري، وَهي:
1)- تَفسيرُ المأثمِ والمغرمِ في دُعاءِ التشهُدِ.
2)- قَولُه عن الصَّلاةِ أنَّها أعظَمُ رُكنٍ مِن أركانِ الإسلامِ.
3)- تَفسيرُ جُملَةِ ( والشرُّ لَيسَ إليكَ ) في دُعاء ِالتوجُّهِ.
4)- تَصحيحُ ما جاءَ في نَقلِهِ عَن البدائِعِ تَعليقاً على رَفعِ اليدينِ في السُّجودِ بلفظ: ابن الأثرمِ، والصوابُ: الأثرمُ.
وَقَد وَقَفْتُ عَلى كِتابٍ جَمَعَ فِيهِ مؤلِّفُهُ محمَّد حَسَن الشيخ الأحاديثَ التي رَجَعَ عَنها الألبانيُّ تَصحيحاً وَتضعيفاً وَهو في مُجلَّدينِ.