في (عَمَّان/الأردن) ، كَما حَذَّرتُ النَّاسَ مِن بِناءِ المساجِدِ على القُبُورِ والصَّلاةِ ، والَّفتُ في ذلكَ كِتابي ( تحذيرُ الساجِدِ من اتِّخاذِ القُبورِ مَساجِدَ ) ، وَفاجأتُ قَومي وَبَنِي وَطَني الجديد بِما لَم يَسمَعوا مِن قَبلُ ، وَتَركتُ الصَّلاةَ في المسجِدِ الأمويِّ ، في الوقتِ الذي كَانَ يَقصِدُهُ بَعضُ أقاربي ؛ لانَّ قَبرَ يَحيى فيهِ كَما يَزعُمونَ، وَلَقيتُ في سَبيلِ ذلك - مِن الأقارِبِ والاباعِدِ - ما يَلقاهُ كُلُّ دَاعيةٍ للحقِّ لا تأخذُهُ في الله لَومَةُ لائِمٍ ، والَّفتُ بَعضَ الرسائلِ في بَعضِ المتعصِّبينَ الجَهلَةِ ، وسُجِنتُ مَرَّتينِ بِسَبَبِ وِشاياتِهِم إلى الحكَّام الوَطَنيين والبَعثيين ، وَبتصريحي لِبَعضِهِم حِينَ سُئِلتُ: لا أؤيد الحُكمَ القائِمَ ؛ لأنَّه مُخالفٌ للإسلامِ ، وَكانَ ذلكَ خَيرا لي وَسَبباً لانتشارِ دَعوَتي.
وَلَقد يَسَّرَ الله لي الخروجَ للدعوةِ إلى التوحيدِ والسُّنة إلى كَثيرٍ من البلادِ السوريَّةِ والعَرَبيةِ ، ثُم إلى بَعضِ البِلادِ الأوربيةِ ، مَعَ التَّركيزِ على انَّهُ لا نَجاةَ للمُسلمينَ مما أصابَهُم من الاستعمارِ والذُّلِّ والهَوانِ ولا فائِدَةَ للتَّكتُّلاتِ الإسلاميةِ ، والأحزابِ السياسيةِ إلا بالتزامِ السُّنةِ الصَّحيحةِ مَنهجِ السَّلفِ الصَّالِحِ - رضي الله عنهم - ؛ وَلَيسَ على ما عَليهِ الخَلَفُ اليومَ - عَقيدةً وَفِقهاً وَسُلوكاً -؛ فَنَفَعَ اللهُ مَا شاءَ وَمَن شاءَ مِن عِبادِهِ الصَّالِحينَ وَظهرَ ذلك جَليَّاً في عَقيدتِهِم وَعِبادَتهِم، وفي بِنائِهِم لِمَساجِدِهِم ، وفي هَيئاتِهِم وَألبستِهِم ، مما يَشهَدُ بِهِ كُلُّ عالمٍ مُنصِف ٍ، ولا يَجحَدُهُ إلا كَلُّ حاقدٍ أو مُخَرِّفٍ ، مِمَّا أرجو أن يَغفِرَ الله لي بِذلكَ ذُنوبي ، وأن يَكتُبَ أجرَ ذَلك لأبي وأمي ، والحَمدُ لله الذي بِنِعمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ )) .
(( بَدأ الغُلامُ المُهاجِرُ مِن البانية دِراسَتَهُ في الشامِ ، وأول ما بَدأ بِدُخُولِ مَدرسةِ الإسعافِ الخيريَّةِ الابتدائيةِ بِدِمشق ، وَكانَ مَقرُّها بِجِوارِ البناءِ الأثريِّ بِقصرِ العظم في حيِّ البزوريَّةِ ، واستمرَّ على ذلكَ حَتَّى أشرفَ على نِهايَةِ المرحَلةِ الابتدائيةِ، وفي هذهِ الأثناءِ هَبَّت أعاصيرُ الثَّورة السُّوريَّةِ بالفَرنسيينَ الغُزاةِ ، وأصابَ المدرَسَةَ حَريقٌ أتى عَلَيها ، فانتقلوا عَنها إلى مَدرَسةٍ أخرى بِسوقِ ساروجه وَهُناكَ أنهى الشيخُ دِراسَتَهُ الأولى .
وَنَظراً لِسُوءِ رأيِ والدِهِ في المدارِسِ النِّظاميَّةِ مِن النَّاحيةِ الدِّينيَّةِ ، فَقَدْ قَرَّرَ عَدمَ إكمالِ دِراستِهِ ، وَوَضَعَ لهُ بَرنامجاً عِلميَّاً مُركزاً قَامَ مِن خِلالِهِ بِتَعليمِهِ القرآنَ والتجويدَ والصرفَ وَفِقهَ مَذهبِهِ الحنفيِّ .
كَما انَّهُ تَلقَّى بَعضَ العُلومِ الدينيَّةِ والعربيَّةِ عَلى بَعضِ الشيوخِ مِن أصدقاءِ والدِهِ مِثل الشيخِ سَعيدِ البُرهانيِّ إذْ قَرأَ عَليهِ كِتابَ (مراقي الفلاح) وَبَعضَ الكُتُبِ الحديثيَّةِ في عُلومِ البَلاغةِ.
أخَذَ الشيخُ إجازةً في الحديثِ مِن الشيخِ راغبِ الطباخِ ، عَلَّامَة حَلب في زَمانِهِ، وَذلك إثرَ مُقابلةٍ لَهُ بِواسطةِ الأستاذِ مُحمَّد المُباركِ الذي ذَكَرَ للشيخِ الطبَّاخِ مَا يعرِفُهُ مِن إقبالِ الفتى عَلى عُلومِ الحديثِ وَتَفوُّقِهِ فِيها ، فَلَمَّا استوثَقَ مِن ذلك خصَّهُ بإجازتِهِ تَقديراً واعترافاً )) .