قال الإمام ابن دقيق العيد: «لست أنكر على مَن اعتبر أصل المصالح، ولكن الاسترسال فيها وتحقيقها يحتاج إلى نظر سديد» (1) .
وينبغي أن نشير هنا إلى حقيقة هامة وهي: أن الأحكام المبنية على مصلحة معينة، تظل معتبرة ما بقيت هذه المصلحة، التي هي مناط الحكم وعلته، فإذا انتفت وجب أن يتغيّر الحكم تبعًا لها، لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
ومن أمثلة ذلك: العقوبات التعزيرية، والأحكام التي تقتضيها السياسة الشرعية الوقتية، التي رويت عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة ومن بعدهم، بل من ذلك بعض ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه.
وذلك مثل نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن كتابة الحديث في أول الأمر، خشية اختلاطه بالقرآن، فلما زالت هذه الخشية، أذن في الكتابة لبعض الصحابة، وثبت عنه عدة كتب في موضوعات شتى.
ومثل إلزام عمر الصحابة أن ينقلوا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما اشتغلوا به عن القرآن، سياسة منه.
ومثل ذلك: اختياره للناس الإفراد بالحج، ليعتمروا في غير أشهر الحج، فلا يزال البيت الحرام مقصودًا.
فإنَّ هذا وأمثاله - كما قال ابن القيم - سياسة جزئية بحسب المصلحة تختلف باختلاف الأزمنة، فظنّها مَن ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكلٍّ عذر وأجر، ومَن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر والأجرين (2) .
(1) «إرشاد الفحول» ص 226.
(2) الطرق الحكمية، ص 16 - 17.