فهرس الكتاب
أما الموضع الثاني الذي يعمل فيه برأي الإمام فهو ما يحتمل وجوها عدّة، وهذا له معنيان:
الأول: ما جاءت الشريعة فيه بتخيير الإمام بين أمر ين أو عدة أمور يختار واحدا منها، وذلك مثل ما جاء في معاملة الأسرى في الحرب الشرعيّة المفصلة في كتاب «الجهاد» أو «السير» في الفقه الإسلامي.
فله اختيار أحد الأمور الأربعة أو الخمسة في شأن أسرى الحرب من المنّ والفداء والاسترقاق والقتل والجزية.
واختياره هنا ليس اختيار هوى وتَشَهٍّ، بحيث يفعل أيّها شاء دون حجة، كشأن المخيّر في كفارة اليمين بين ثلاثة أشياء: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، يؤدي ما شاء منها، فيقبل منه ولا حرج. كلا، بل الواجب عليه أن يختار ما فيه مصلحة الأمة وخيرها، ودفع الضرر والشر عنها، حسبما يهدي إليه التحري والاجتهاد بالبحث والشورى.
ففي مسألة الأسرى: يمنُّ حيث يكون المسلمون أقوياء يُرجَون ويخافون، وحيث يرجى من الأسرى ومَن وراءهم التأثر بسماحة المسلمين ومكارم أخلاقهم، فيرغّبهم ذلك في الإسلام.
ويقبل الفداء بمال أو بأسرى من المسلمين لدى الكفار، حيث يحتاج المسلمون إلى المال يتقوّون به على عدوهم، أو كان لهم أسرى لدى عدوّهم، فيجب استنقاذهم وفك رقابهم، حتى لا يبقوا تحت سلطان الكفار.
وهذان الأمر ان - المنّ والفداء ثَبَتَا بنص القرآن، حيث يقول تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4] .