فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 316

وخصوصًا في عصرنا، وما أحوجنا في الفقه السياسي إلى هذا اللون من الاجتهاد العمري.

1 -فهو اجتهاد مبني على مراعاة جلب المصلحة المرجوة، ودفع المفسدة المتوقعة عن المسلمين، وذلك أن عمر في أول الأمر رفض أن يأخذ منهم ما يأخذ إلا باسم الجزية، شأنهم شأن غيرهم، ولكن لما شرح له ما يتربت على ذلك من مضار ومفاسد، وإن القوم يمكن أن يلحقوا بالأعداء، وهم ذوو عدد وشوكة، ويمكن أن يستعين العدو بهم على المسلمين؛ لذلك قيل لعمر: لا تعن عدوك بهم على نفسك ... لما شرح ذلك لعمر غير رأيه، وراعى المصلحة العليا للأمة.

2 -ثم إنه في هذا الاجتهاد: قرر قاعدة جليلة لا يجوز لمجتهد إغفالها، وهي: أن العبرة للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني، وأن مدار الأحكام على المسميات والمضامين، لا على الأسماء والعناوين، ولهذا لم يبال أن يسمي ما يأخذه من الجزية باسم الصدقة والزكاة التي فرضها الله على المسلمين إذا كان تغيير الاسم يحلّ مشكلة قائمة، ما دام المبلغ المطلوب يصل إلى الخزانة الإسلامية، ولذا قال عمر: هؤلاء حمقى؛ رضوا المعنى، وأبوا الاسم!

بحث مهم: «إلحاق غير بني تغلب بهم»

وهنا بحث جد مهم في هذا المجال الحساس: مجال العلاقة بغير المسلمين في المجتمع الإسلامي. هذا البحث هو: هل اجتهاد عمر في هذه القضية وأمثالها له صفة التأبيد، بمعنى أنه لا يجوز أن يتغيّر باجتهاد آخر؟ أو هو أمر قابل للاجتهاد من جديد؟

الذي يبدو من كلام عامة الفقهاء: أنّهم جع دوارأي عمر في هذه القضايا «دينًا» يجب اتباعه أبد الدهر، وخصوصا أن الصحابة وافقوه على ذلك، فاعتبر إجماعًا، وقد قال الفقهاء والأصوليون: إن الإجماع لا ينسخ ولا يتغيّر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت