فهرس الكتاب
والعجيب أن هؤلاء كثيرًا ما يذكرون كلمة نقلت مبتورة عن الإمام ابن القيم، ويرددونها في كل مناسبة، وهي: «حيث توجد المصلحة فثم شرع الله» ، والحق أنّهم يقطعون هذه الكلمة عن سياقها الذي وردت فيه، فقد قالها ابن القيم ردا على الذين يحصرون «البيّنة» الشرعيّة في شهادة الشهود وحدها، ويرفضون الأخذ بالقرائن، وإن بلغت ما بلغت من الوضوح والدلالة على وجه الحق في القضية، فقد قال في «الطرق الحكمية» :
«إن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات، فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه (1) ونحو ذلك قاله في «إعلام الموقعين» .
أما إطلاق هذه الكلمة عن ابن القيم أو شيخه ابن تيمية، فلم يثبت عنهما، ولا يتصور منهما، وهما أشد الناس تمسكًا بالنصوص، ودعوة إلى الاتباع، وإنما تقبل هذه الكلمة «حيث توجد المصلحة فثم شرع الله» فيما لا نص فيه، أو فيما فيه نص يحتمل تفسيرات عدة، ترجح أحدَها المصلحة.
وفيما عدا ذلك فالواجب أن يقال: «حيث يوجد شرع الله فثم مصلحة العباد» .
والمدرسة الوسطية تؤمن بهذه القاعدة المهمة التي أشار إليها الإمام البنا في هذا الأصل الخامس من أصوله العشرين، وهي: تقريره التفريق بين العبادات والمعاملات فيما يتعلق بالعلل والمقاصد وراء التكليف بكلّ منهما، فقد قال: «والأصل في العبادات هو: التعبد دون الالتفات إلى المعاني
(1) «الطرق الحكمية» لابن القيم، ص 14، طبعة السنة المحمدية.