فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 316

شدة تمسكه بتحكيم النص مطلقًا عاما في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ما نصه: قال أبو محمد (1) : «من سرق مِن جَهد أصابه، فإن أخذ مقدار ما يغيث به نفسه، فلا شيء عليه، وإنما أخذ حقّه، فإن لم يجد إلا شيئًا واحدًا فيه فضل كثير، كثوب واحد، أو لؤلؤة واحدة، أو بعير، أو نحو ذلك، فأخذه كذلك، فلا شيء عليه أيضًا؛ لأن يرد فضله لمن فضل عنه، لأنه لم يقدر على فصل قوته منه، فلو قدر على مقدار قوت يبلغه إلى مكان المعاش، فأخذ أكثر من ذلك، وهو ممكن ألا يأخذ، فعليه القطع؛ لأنه سرق ذلك عن غير ضرورة، وإن فرضًا على الإنسان أخذ ما اضطر إلىه في معاشه، فإن لم يفعل فهو قاتل نفسه، وهو عاصٍ لله تعالى، قال الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وهو عموم لكل ما اقتضاه لفظه، وبالله التوفيق» .

وهكذا ترى ابن حزم يفهم ما فهمه عمر من أن آخذ قدر لا يكون سارقًا، نعم ... إنه خصّ عدم القطع بما إذا اقتصر الأخذ على أخذ حقه، أو أخذ الأكثر الذي لا يمكن تجزئته، وهذا خلاف في تفصيل الرأي بعد الاتفاق على المبدأ، وعمر أجرى الأمر في عام المجاعة على التيسير في تقرير الضرورة، دون اعتبار ما اعتبره ابن حزم؛ لأنه رأى ذلك أشبه بغرض الشارع من درء الحدود بالشبهات، والشبهات - كما تكون في ثبوت الفعل - تكون في تقدير الحاجة، وتكييف الفعل.

ومما يتلاقى مع فكرة عمر في أن الآخذ لا يعدّ سارقًا إلا إذا أخذ ما ليس له فيه حق، ما قرّره مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن حنبل، وغيرهم، من أن الأبوين إذا أخذا شيئًا من مال ابنهما أو بنتهما، ولو على سبيل الخفية فلا قطع عليهما. قال الشافعي: وكذلك الأجداد والجدات كيف كانوا لا قطع

(1) «المحلى» لابن حزم (11/ 343) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت