والمجال الثالث للعمل برأي الإمام، أو برأي وليّ الأمر في السياسة الشرعية هو: المصالح المرسلة.
وذكر المصلحة المرسلة هنا من باب ذكر الخاص بعد العام؛ إذ هي داخلة فيما لا نص فيه، والتخصيص بعد التعميم أسلوب شائع في العربية؛ للتنبيه على أهمية الخاص، والتنصيص عليه بذاته، حتى لا يغفل عنه.
ولكن الذي يهمنا هنا: تحديد معنى «المصلحة المرسلة» وبيان المقصود، منها، وهل هي دليل شرعي لاستنباط الأحكام فيما لا نص فيه أو لا؟ وما شروط الاستدلال بها إذا كان دليلًا؟ وهل يمكن أن تعارض المصلحةُ النصَّ؟ وما الحكم إذا حدث ذلك بالفعل؟
والمصلحة المرسلة كلمة مركبة من موصوف وصفة؛ فالموصوف هو المصلحة، والصفة هي المرسلة.
ومعنى «المصلحة» كل ما فيه صلاح ونفع للخلق في دنياهم أو في دينهم، وبتعبير الفقهاء: في معاشهم أو في معادهم. سواء كان مصلحة فردية أم جماعية، مادية أم معنوية، آنية أم مستقبلية.
ومعنى «المرسلة» أي المطلقة غير المقيدة، ونعني بها: المصلحة التي لم يدل دليل خالأحد من نصوص الشرع على اعتبارها ولا على إلغائها (1) فهي مطلقة من الاعتبار أو الإلغاء.
(1) وهذه - كما يقول الإمام القرافي في «الفروق» (2/ 107) - أدنى رتب المصالح، بخلاف المصلحة التي شهدت لها أصول الشرع بالاعتبار، فهي أعلى وأقوى، ولذا لم يختلف فيها.