والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله. والقسم الثالث سوَّغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إلى حيث لا يوجد منه بدّ، ولم يلزموا أحدا العمل به، ولم يحرموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفًا للدين، بل غايته أنّهم خيروا بين قبوله ورده؛ فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه، كما قال الإمام أحمد: سألت الشافعي عن القياس، فقال لي: عند الضرورة. وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة:
لم يفرطوا فيه ويفرعوه ويولّدوه ويوسّعوه، كما صنع المتأخرون، بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من حفظها، كما يوجد كثير من الناس، يضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه وتعسّر حفظه، فلم يتعدَّوا في استعماله قدر الضرورة، ولم يبغوا العدول إليه مع تمكّنهم من النصوص والآثار؛ كما قال تعالى في المضطر إلى الطعام المحرم: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173] فالباغي: الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصّل إلى المذَكَّى، والعادي: الذي يتعدَّى قدر الحاجة بأكلها.
فالرأي الباطل أنواع:
أحدها: الرأي المخالف للنص، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه، ولا تحلّ الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد.
النوع الثاني: هو الكلام في الدين بالخرص والظن، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها، فإن من جهلها وقاس برأيه فيما سُئل عنه بغير علم، بل لمجرد قدر جامع بين الشيئين ألحق أحدهما بلآخر، أو لمجرد قدر فارق يراه بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار؛ فقد وقع في الرأي المذموم الباطل.
النوع الثالث: الرأي المتضمن تعطيل أسماء الربّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال.
النوع الرابع: الرأي الذي أحدثت به البدع، وغيرت به السنن، وعَمَّ به البلاء، وتربَّى عليه الصغير، وهرم فيه الكبير.