فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 316

قلوبهم (1) . وقد زالت الحاجة بانتشار الإسلام وغلبته. فهو من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علّته الغائية التي كان لأجلها الإعطاء، فإن الإعطاء كان لإعزاز الدين، وقد أعز الله الإسلام وأغنى عنهم (2) .

والحق - كما وضحته في «فقه الزكاة» - أن كِلا الأمرين غير صحيح، فالنسخ لم يقع، والحاجة إلى تأليف القلوب لم تنقطع.

أما دعوى النسخ بفعل عمر فليس فيه أدنى دليل، فإن عمر إنما حرم قوما من الزكاة كانوا يتألفون في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورأى أنه لم يعدْ هناك حاجة لتأليفهم، وقد أعز الله الإسلام وأغنى عنهم، ولم يجاوز الفاروق الصواب فيما صنع، فإن التأليف ليس وضعًا ثابتًا دائما، ولا كل من كان مؤلفًا في عصر يظلّ مؤلفًا في غيره من العصور، وإن تحديد الحاجة إلى التأليف، وتحديد أشخاص المؤلفين، أمر يرجع إلى أولي الأمر وتقديرهم، لما فيه خير الإسلام ومصلحة المسلمين.

لقد قرر علماء الأصول: أن تعليق الحكم بوصف مشتق يؤذن بعلّية ما كان منه الاشتقاق، وهنا علق صرف الصدقة بالمؤلفة قلوبهم، فدل على أن تأليف القلوب هو علة صرف الصدقات إليهم، فإذا وجدت هذه العلة - وهي تأليف قلوبهم - أعطوا، وإن لم توجد، لم يعطوا.

ومَن الذي له حق تأليف هؤلاء أو أولئك، أو عدم التأليف؟ إنه ولي أمر المسلمين أولًا، وإن له الحق في أن يترك تألف قوم كان يتألفهم حاكم مسلم قبله، بل له أن يتألف قوما في وقت ويترك تألفهم في وقت آخر، لتغيّر الظروف، وله الحق أن يترك تأليف القلوب في عهده بالمرة، إذا لم يوجد في

(1) بدائع الصنائع (2/ 45) .

(2) رد المحتار (2/ 82) نقلا عن البحر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت