فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 316

لفساد الزمن، أو غير ذلك، ولا غرابة في هذا، فإن أئمة المذهب أنفسهم - أبا حنيفة وأصحابه - قد فعلوا ذلك، ذكر السرخسي: أن الإمام أبا حنيفة في أول عهد الفرس بالإسلام، وصعوبة نطقهم بالعربية، رخص لغير المبتدع منهم أن يقرأ في الصلاة بما لا يقبل التأويل من القرآن باللغة الفارسية، فلما لانت ألسنتهم من ناحية، وانتشر الزيغ والابتداع من ناحية أخرى، رجع عن هذا القول.

وذكر كذلك: أن أبا حنيفة كان يجيز القضاء بشهادة مستور الحال في عهده - عهد تابعي التابعين - اكتفاء بالعدالة الظاهرة، وفي عهد صاحبيه - أبي يوسف ومحمد - منعا ذلك، لانتشار الكذب بين الناس (1) .

ويقول الحنفية في مثل هذا النوع من الخلاف بين الإمام وصاحبيه: هو اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان.

وقد أصبح من القواعد الفقهية الأساسية عند الحنفية - كما عند غيرهم - قاعدة: «العادة محكمة» ، واستدلوا لها بقول ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن» .

وكتب في ذلك علامة المتأخرين ابن عابدين رسالته القيمة التي سمَّاها: «نشر العَرف فيما بني من الأحكام على العُرف» ، بيّن فيها أن كثيرًا من المسائل الفقهية الاجتهادية، كان يبنيها المجتهد على ما كان في عُرف زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوَّلًا.

ولهذا قالوا في شروط المجتهد: ولا بد فيه من معرفة عادات الناس، قال: «فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان، لتغيّر عرف أهله، ولحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام، وأحسن إحكام» .

(1) «أصول التشريع الإسلامي» للأستاذ علي حسب الله، ص 84 - 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت